الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.فاطمه الحصي*/ حادث نيوزلاندا وتغييب العقل
الكاتبه /فاطمة الحصى

د.فاطمه الحصي*/ حادث نيوزلاندا وتغييب العقل



في عام 1980 بدأ العرض اﻷول لفيلم (انتبهوا أيها  الساده  ) الذي نبه لصعود فئه من المهمشين والجهلاء   بالمجتمع المصري الى درجة تجعلهم يتحكمون  في مصائر الدوله وفي سلوكيات  أصحاب العقول والفكر والعلم  وهو ما لبث أن أصبح واقعا مريرا نجتره كل يوم حتى الآن .ورغم أن رسالة الفيلم كانت قوية ومباشره وصادمه إﻻ أن أحدا لم ينتبه إلى فحواها .

وفي عام 1982 احتل فيلم العار لمخرجه على عبد الخالق مركزا مهما في سباق اﻷفلام وكان هذا الفيلم  يدق ناقوس الخطر حول كم التناقضات التي يحياها المواطن المصري في مجتمعه وبستقبل بها يومه من خلال شخص البطل الذي يمارس الشعائر الدينيه بمنتهى الدقه في حين يمارس تجارة المخدرات في آن  بل وبأريحيه شديده وبلا أدنى إحساس بالذنب أو المسئوليه تجاه وطنه أو اﻻنسانيه بصفه عامه …ولم ينتبه لرسالة الفيلم أحد !

وفي عام 1985 نبه الكاتب المبدع محمود أبو زيد والمخرج علي عبد الخالق إلى قضيه مهمه  أيضا من القضايا الحيويه بالمجتمع المصري وفككك كلاهما بحرفية عالم الإجتماع المتمكن  ظاهره شائكه  كانت في طور النمو في تلك الفتره وهى مسألة اﻻعتياد على قبح  الصوره ونشاز الصوت في  الغناء،وأزمة التذوق بصفه عامه تلك التي أصابت في مقتل المجتمع المصري ، ولكن ههيات أن ينتبه الي صرخاتهم أحد !هذا على سبيل المثال في الفن أما في الفكر فحدث ولا حرج ، فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد أنه في عام  1984 كان كتاب المبدع يوسف ادريس   (أهمية أن نتثقف ياناس ) وعنوانه يشرح نفسه ،  ولكن ﻻ حياة لمن تنادي .

كذلك الحال نجده مع المفكر المصري الكبير زكي نجيب محمود الذي كان ينعي حال مجتمعه كلما فاق من  غيبوبته في السنه اﻷخيره من حياته  ورأى الحرب بين  العراق والكويت  مرددا أنه لم ينجح في تغيير أي شئ في الذهنيه العربيه.

 في الحقيقه أنني أتعاطف تعاطفا كاملا مع هؤﻻء المفكرين،  فما هكذا يكون تعامل القراء مع كتابات وفنون دعت ومازالت تدعو إلى الصحوه العقليه والفكريه والثقافيه .

والحق أن لفت الانتباه إلى الدعوه إلى إعمال العقل قد نالت ما تستحقه من كتابات وتم إلقاء الضوء على هذه المسأله في عدة مؤتمرات وفي الكتابات الصحفيه المختلفه ،ولكن لاحياة لمن تنادي ! فما العمل ؟ وكيف الخروج من مستنقع الجهل والإيمان بالغيبيات والخرافات ؟

أقول هذا وفي ذهني حادث هذا الشهر ، بنيوزﻻندا الذي كانت أحداثه صادمه وجاء الخبر كاﻵتي :(شهدت   نيوزيلندا، اليوم، حادثاً إرهابياً استهدف مسجدين، أحدهما بشارع دينيز فى مدينة كرايست تشيرتش أثناء صلاة الجمعة، واستغرق الشاب فى تنفيذ جريمته 17 دقيقة.و بعد 3 دقائق متواصلة من إطلاق النار على المصلين داخل المسجد خرج المسلح لإعادة تلقيم رشاشه بالذخيرة قبل أن يعود للمسجد ثانية ويواصل إطلاق النار.)

هذا الخبر الصادم ومنذ استمعت إليه لم يفارقني سيناريو واحد هو أن هذا جزء من لعبة (بابجي) التي انتشرت انتشار النار في الهشيم في العالم كله ، والحق أن ما دعاني أفكر في ذلك أنني كنت في حوار عميق مع بعض الأسر المصريه منهم أقارب ومنهم أصدقاء لفتوا نظري إلى خطورة تلك اللعبه بصفه خاصه ، وكانوا يشتكون من

إنعزالية ابنائهم الصارخه وإبتعادهم النفسي والمعنوي عن اﻷسره ومشاكلهاو عدم اﻻندماج في الحياه العامه بكل مفرداتها .

المسأله لدينا أخطر وعواقبها أبشع بكثير وذلك لأن في الغرب هؤﻻء الشباب مدربون على إعمال العقل ومؤهلون لكي يفكرون وسوف يتم اصلاح طرق تفكير بعض الذين شذوا عن القاعده وأدت بهم  الظروف إلى إرتكاب هذه الجرائم البشعه تحت ضغط  نفسي أو إجتماعي أو من خلال التلاعب بهم عبر  وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال اﻷلعاب اﻻلكترونيه أو بعض الجماعات المتطرفه وغيرها من الضغوط التي تُمارس على الشباب ،ولكن الإشكاليه الحقيقيه هى بالمجتمعات العربيه حيث لا تعليم يؤهل لإعمال العقل بشكل فاعل وحقيقي ،ولذلك فإن قلبي يعتصره الحزن والأم حين أجد أبناءنا ينساقون بكل كيانهم إلى تلك الألعاب ، ويزداد الحزن والألم حين يكون أحد هؤلاء الأبناء من أبناء الطبقه الفقيره أو من سكان العشوائيات حيث لا أب متعلم يرشد ويوجه ، بل أن أبناء الطبقه المتوسطه والذين يملكون آباء يمكن تصنيفهم في خانة المثقفين بل ويمكن اعتبارهم من النخبه المثقفه هؤلاء أيضا غير بعيدين عن السقوط في الهوه ومسألة التلاعب بعقولهم هى عمليه سهله ويسير ه أيضا ، فنحن ﻻ نملك إﻻ أن نقدم  هذه اﻷلعاب اﻻلكترونيه -حﻻﻻَ زُﻻﻻَ- بأيدينا إلى الأبناء مره بحجة مواكبة تكنولوجيا العصر ومره بحجة مسايرة المجتمع ، وهانحن أصبحنا كمن يحفر قبره بيده .

إن الواقع يقول أننا جميعا –بلا استثناء – إستمرأنا وسائل التواصل الإجتماعي واستسهلناها كنظام حياه ، يخفف من وحدتنا وانعزاليتنا وتقوقعنا على ذواتنا ، لكننا في مقابل ذلك نقترب بشده من الهاويه ،هاوية افتقاد المقربين (الأقرب إلينا )وهم مانملكهم حقا وننتمي اليهم وينتمون إلينا ، ففي خضم هذا الاستسهال الاجتماعي نسى الأب ابنه ونسيت الأم اولادها ، وأصبح من الطبيعي أن يكون الأب منشغلا مع جهازه في تواصلاته الاجتماعيه كذلك الحال مع الأم والأبناء ، يحدث ما يشبه الإكتفاء  بالحميميه مع الأغراب ،وتبدأ العلاقات في الفتور والحميميه إلى زوال .

ونلاحظ ذلك في مؤشرات بسيطه مثل التجمع اﻷسري والعائلي في الأعياد وقد أصبح ثقيلا والحرص على التجمع حول وجبة الغذاء واحتفالات أعياد ميلاد افراد اﻷسره التي انقرضت أو في طريقها للإنقراض ، وتحول المجتمع إلى “التشيؤ ” ، لاحوارات مكثفه مثلما كان في السابق وتجاوزت “الايموشنز”كل حدود المشاعر فأصبح التعبير بالحب عباره عن قلب مرسوم !

وأصبح التواصل مع أغراب لم نرهم وقد لا نراهم وجها لوجه إلا مره واحده على أحسن الظروف هو الهدف الذي نسعى إليه جميعا ،فها نحن نبيع الأقربون بالأغراب بأوهام التواصل الاجتماعي الخلابه التي تعتمد على صور متحركه ومجرد صوره خياليه أو صوت عبر الهاتف !

هكذا نتخلى عن أدوارنا كآباء وأمهات ، ونتحجج بإنشغال اﻷبناء بالأجهزه والتكنولوجيا الحديثه مستمتعين بفراغنا  واندماجنا نحن -الكبار -في فوضى التواصل اﻻجتماعي .

أين علماء اﻻجتماع ؟  ولماذا هم مبتعدون تماما عن القضاياالمجتمعيه العصريه ؟

إننا أمام كارثه حقيقية هى أن أوﻻدنا يعيشون في إنعزاليه ،في عالم إفتراضي من صنع الغرب  هدفه الأول هو اﻻستمتاع أو الربح  وقد يكون له أهداف أخرى خفيه ليس أقلها غسل الأدمغه ، وأبناءنا  في نفس الوقت ليسوا مؤهلين على إعمال العقل أو النقد العلمي الممنهج ولا على التفكير النقدي، فما العمل ؟أتمنى الانتباه من الان حتى لا نبكي على اللبن المسكوب .

لا أود الوقوع في غواية إلقاء نصائح تربويه لن نقوم بها نحن الآباء والآمهات ، ولكن ما يمكن عمله على الأقل في المرحله الراهنه هو العوده مرة أخرى إلى قيم منزليه كانت لها أهميه كبرى في التلاحم فيما بين اﻷبناء واﻵباء ،على سبيل المثال تقسيم اﻷدوار في الحياه اليوميه وادماج اﻻبناء في همومنا الحياتيه اليوميه هو أمر مطلوب وصحي  ، وعدم ترك اﻷبناء لأوقات الفراغ تتحكم بهم ، أو تركهم لكي تتحكم بهم ألعاب وتكنولوجيا تغسل أدمغتهم بشكل لن نستطيع السيطره عليه فيما بعد .

في الحقيقه اﻻشكاليه في الوطن العربي متكامله اﻷركان حيث ﻻ تعليم قائم على إعمال العقل أو العقل النقدي أو البحث العلمي الممنهج والقائم على أسس علميه صحيحه ، وﻻحوار فعال وبناء ، وهو ما يدفعنا لدق ناقوس الخطر لكي ﻻ نترك أبناءنا فريسه لوسائل التواصل اﻻجتماعي أو للألعاب اﻻلكترونيه أوللقنوات الفضائيه ذلك أن كل هذه الوسائل أصبحت لها دور مخفي في” غسل الأدمغه “وكلُ يخدم أغراضه الخاصه ،و في ظل هذا النوع من التعليم والتربيه القائمه على الخوف والخضوع لن تكون لدى أبناء مجتمعاتنا العربيه أية مقاومه .

*****

*باحثه في علم الاجتماع

شاهد أيضاً

د.عماد بسام غنوم* :الانتفاضه اللبنانيه خطاب الهامش في مواجهة خطاب المركز

الانتفاضه اللبنانيه خطاب الهامش في مواجهة خطاب المركز يركز النقد اليوم في بعض جوانبه على ...

3 تعليقات

  1. Avatar
    ابراهيم عنان

    مقال رائع وحقيقي من كاتبة حقيقية فوظيفة الكاتب ان يغوص في واقعه وحياة ناسه ومن هناك يصل للمجردات لا ان يغوص في المجردات لذلك نجد الكثير من المفكرين لا يبحثون الا ما اشبع بحثا مكتوبا او مقروءا مسبقا ولا يجترحون موضوعا للبحث