الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. خديجة زتيلي* تكتب: دارْيوش شايْغان قراءة في كتابه ”هويّة بأرْبَعين وجهاً”

د. خديجة زتيلي* تكتب: دارْيوش شايْغان قراءة في كتابه ”هويّة بأرْبَعين وجهاً”

د. خديجة زتيلي* تكتب: دارْيوش شايْغان ومَسْألة الهويّة في الحَضارة العالمَيّة المعاصِرة: قراءة في كتابه ”هويّة بأرْبَعين وجهاً”

مقدّمة:



      تكْشِف مؤلّفات الفيلسوف الإيراني المعاصر داريوش شايغان Daryush Shayegan (1935- 2018) عنتوْليفة عميقة ومُنسجمة بين عالم الروح وعالم العقل، وعن دحْضه وتقويضهِ لكلّ مركز مُطْلق.ولا يمكن للقارئ الذي يُقْبل على نصوصه أن يتجاهل تحليله المذْهل وثقافته الواسعة التي تسْتقي مضامينها من الحضارات الشرقيّة والغربيّة على حدّ سواء، ومن التراث العِرفاني الإسلامي فضلا عن ذلك. آمن شايغان بجدوى النقد العقلاني الموضوعي وبفكرة التعايش السلميّ معاً رغم وجود الاختلاف بين الناس، وهو الآتي من أسرة متعدّدة اللّغات والعرقيّات والديانات، فوالده أذْربيجاني تركي إيراني شيعي ووالدته قوقازية روسيّة سُنيّة فرّت عائلتها مع قيام الثورة الروسية عام 1917، وفي مرحلة الدراسة الابتدائيّة كانت مُدرّسته فرنسيّة، ومدرّس الموسيقى أرمنيّا، وكان طبيب العائلة زرادشتيّاً وسائقها مسيحيّا آشوريّاً، ولا شكّ أنّ هذه البيئة الحاضنة للتعدّد والمؤمنة بالتعايش في ظلّ هذا التنوّع الهائل سينعكس إيجاباً على حياة شايغان، وسوف تتجلّى نتائجه في مؤلّفاته التي تَشي عناوينها لأوّل وهلة بمشاكل الهويّة وأوهامها وتمزّقاتها وآفاق ترميمها لاستعادة الانسان لعافيته بعيداً عن أيّ تشنّج أو إيديولوجيا ضيقّة. يُجيد هذا المفكّر اللغات: الفرنسيّة والإنجليزيّة والألمانيّة، ويلّم بالعربيّة والتركيّة والسنسكريتيّة واللاتينيّة، فضلاً عن لغته الأمّ الفارسيّة التي يكتب ويتحدّث بها. سافر من أجل التحصيل العلمي والمعرفي إلى جغرافيات أخري ابتداء من سويسرا وألمانيا وبريطانيا وأمريكا وفرنسا، وكان في كل مرّة يعود إلى موطنه إيران يشغل فيها مناصب علميّة وإدارية رفيعة، لكن المقام استقرّ به في نهاية المطاف في فرنسا ابتداء من عام 1979 وذلك بعد انتصار الثورة الإيرانيّة وإغلاق السلطات لـــ المركز الإيراني للدراسات الحضارية الذي أسّسه عام 1976 وكان مديرا له، فقد اعْتبرته السلطات الحاكمة يومها كماليّا ولا طائل من ورائهِ وأنّ إنهاء مهامّه قد حان.

      من الصعوبة بمكان أن تشْرعَ في قراءة كتاب لشايغان ولا تُنهيه، فهو يسحبكَ إلى عوالمهِ ويستدرجكَ إلى نصوصهِ بدقّة عباراتهِ وطرافتها وبِوهَج كلماتهِ المنْسوجة بحذقٍ كبيرٍ وبلغة عميقةٍ عارفةٍ متقنةُ الصُنْع على صعيدِ الاصْطلاح، كما أنّ مَقْدرته على طرح همومه الأنْطولوجيّة وقضايا الهويّة واضحة، يَهيم فيها وبها بين شرق ساحر أسطوري عِرفاني هو البدايات بما فيها من تعثّر وظَلال، وبين غرب تنكّر لذاكرته الأزليّة واعتنق قيما أعلتْ من شأن العقل والتقْنية وطمستْ الأبعاد الروحيّة للإنسان، وهو في هذا الجدل كلّه لا ينتصر للشرق ولا للغرب بل للأقاليم الحدوديّة التي بالإمكان العيش فيها معاً بسلام، وفي حُنجرته تستقر عشرات الأصوات. من مؤلّفاته: ما الثورة الدينيّة؟: الحضارات التقليديّة في مواجهة الحداثة، أوهام الهويّة، النفس المبتورة: هاجس الغرب في مجتمعاتنا، الأصنام الذهنيّة والذاكرة الأزليّة، الهويّة بأربعين وجهاً، وهذه المؤلّفات مترجمة من اللغة الفرنسيّة إلى اللغة العربيّة، وكتب أخرى له لا تزال في لغتها الأصليّة الفرنسيّة مثل: النور يأتي من الغرب la lumière vient de l’occident  – تحت سماوات العالم sous les ciels du monde الهندوسيّة والصوفيّة  Hindouisme et Soufisme – آسيا في مواجهة الغرب l’Asie face à l’occident ، آملُ أن تلقى طريقا إلى اللسان العربي يوماً فتعمّ الفائدة لمن يتعذّر عليه قراءة النصّوص تلك في لغتها الأصليّة من الباحثين العرب. وفي هذا المقال سوف أعتني بكتابه الهويّة بأربعين وجهاً، فما فتئتْ أسئلتهُ المنْقوعة بالقلق والحيْرة والفضول وتشظّي الهويّة للإنسان المعاصر تتردّد في داخلي كلّما عبرتُ من ضفّة إلى أخرى، وأنا الشرقيّة الهوى أحنّ دوما إلى الذاكرة الأزليّة التي يتجاور فيها العقل مع الأسطورة، ولكنّني غربيّة الهوى أيضا تستهويني مكاسب الحداثة ومنجزاتها وفكر الأنوار التقدّمي، وأعرفُ في الوقت نفسه أنّ المجتمعات الشرقيّة تُعاني من تشوّهات وبالمثل تُعاني المجتمعات الغربيّة اليوم منها، وإنْ كانت تلك التشوّهات تكْتسي لبوسا مختلفة عن تلك الموجودة في الشرق، فمن أين يأتي الاطْمئنان إذن والسلام الداخلي الذي يحول دون التأرجح العبثي بين حبلين؟ فهل يمكن تلمّس بعض معالم طريق الخلاص باستيعاب مضامين هذا النصّ الذي تؤكّد بعض فقراته أنّ صاحبه كتبه في حالة شوق إلى الحقيقة والمعرفة، كان فيها مُلتاعا ساعيا للاقتراب من تلك التخوم التي تُبرّر الفصل المتسرّع والمتعسف والعنصري بين الحضارات وإعلاء واحدة عن أخرى. لا أنكر أنّ كتاب شايغان هذا شدّني إليهِ منذ صفحاته الأولى، فماهي أطروحاته وما الذي سوف يقوله شايغان ولم يقله في نصوصهِ السابقة، أم أنّ ثمّة مساراً جديداً يسْتكمل مشروعا فكريّا برمّته؟ وإذا كان هذا المشروع يقوّض ما يسمّى بالهويّة النقيّة أو الخالصة فما الذي يقترحهُ الرجل بديلا عنها لحلّ أزماتنا وأمراض حضارتنا المعاصرة، وما هو السبيل لصياغة هويّة ثقافيّة إنسانيّة ونحن اليوم ركّاب سفينة واحدة؟

1- البؤس الوجودي للإنسان المعاصر وفوضى البحث عن هويّة 

      يتزامن اليوم، في عالمنا المعاصر، ظهور أشكال الوعي الإنساني الموغل في الأسطورة والبداوة مع صوّر الوعي الذي غزَتْه التقنية الحديثة المعقّدة، ويحار المرء عندما يعثر على الاثنيْن معاً في أكبر شوارع العالم المتحضّر كأمريكا مثلاً، حيث تصطفّ في أكبر الساحات عروض قراءة الطالع وموسيقى الروك وحركات اليوغا الكلاسيكيّة وطقوس روحيّة للهنود الحُمر وأشكال الارتياض الياباني الكلاسيكي إلى جوار محلاّت تَعْرض آخر إنجازات التقنيّة وأعقدها، كلّ تلك المظاهر المتنوّعة للوعي الإنساني والمذهلة في الآن معاً تبعث على السؤال والاستفهام: كيف تجتمع كلّها في مكان واحد وتنسجم مع بعضها البعض دون إثارة الفوضى والصدام؟ فهل يعني ذلك أنّنا نتفرّج على تكامل الوعي الإنساني منذ العصر الحجري القديم وصولا إلى قرننا الحالي، وكأنّ «الحداثة خلطتْ كلّ الطبقات التي ترسّبتْ تدريجيّا على بعضها البعض في تاريخ الوعي الإنساني على مرّ التاريخ، وانتصرتْ كلّ واحدة منها على الأخرى بتراتبيّة معيّنة، خَلطتها الحداثة مع بعضها لِتُعيد عرضها بنسق أفقيّ متزامن» (1)، سوف يكشِف عن تعدّد ثقافي لا يتنازل أصحابه عنه.

       ينطوي الأمر على معانٍ عميقة تتعلّق بالذاكرة الانسانيّة التي لا يمكنها أن تمْسح ماضيها بجرّة قلم، وأنّها تتشبّث على مرّ التاريخ برواسب الوعي القديمة رغم كل المحاولات لطمْسها وإحلال أخرى بديلاً عنها تتواءم وروح العصر، وأكثر من ذلك تُطالب كلّ مُسْتويات الوعي بمختلف تجليّاتها بمشروعيّة تمظْهرها وحضورها على أرض الواقع، ولاشكّ أنّ تعايشها يُثير ما يثيره من مُشكلات. لهذا ينبغي الاعتراف بـــــ «أنّنا الآن إزاء اختلاط مرْتبك للأنواع والصنوف، والتراكيب الجامعة للمتناقضات، وشتىّ ضروب المزج والتلاقح. الآن وقد اصْطفّت طبقات الترسّب الثقافي إلى جانب بعضها، بدل أن تتراكم على بعضها، فإنّ شكل العالم قد تغيّر جذريّا» (2). ومن البيّن، وفقا لهذا النصّ، أنّ العالم اليوم أضحى متعدّد الأصوات، وكلّ صوت يتحيّن فرصته للظهور لو كان متخفيّا، وفي أيّ سياق مكاني متاح له، لكنّ الأصوات تلك في المحصّلة يشوبها التناقض والنشاز وعدم الاتّساق. وفي سبيل شرح مُسْتفيض لهذه المسألة يسْتعيد شايغان في هذه النقطة موقف فرويد من الحضارة وسلبياتها الذي قارن فيه بين طبقات الروح والطبقات الأثريّة في مدينة روما مستعرضا في الأثناء حالات التطابق والفروق بين كليهما، ليصل شايغان وهو يسْتند على تحليل فرويد إلى أنّ «المستحيل في الاعتبارات الجغرافيّة ممكن تمام الامكان في حيّز الروح» (3)، وحسبه لقد غادر التوالي اليوم لصالح التزامن، لذلك تعود الخطابات القديمة من تيهها فتكتسي لبوسا جديدة، وتدخل إلى الساحات العامّة تتوسّل بلغة أسطوريّة ورمزيّة تخاطب العواطف، ولا تتحرّج من فعل ذلك في عالم حداثي يقاوم بشراسة التقاليد السلفيّة وينظر باسْتعلاء إلى تلك الطقوس التي لا صلة لها بالعقل، لكنّها رغم ذلك تقاوم لبسْط هيْمنتها والحفاظ على نسقيّتها من الزوال والاندثار. لا مندوحة من التذكير أنّ مكتسبات الحداثة والتنوير من عقل وحريّة قد تعزّزت اليوم مع الحضارة الكوكبيّة العالميّة المعاصرة، ولكن يجب القول أيضا أنّ مفاهيم جديدة اليوم برزتْ وأصبحتْ لصيقة بهذه الأخيرة لا تبْرحها، كالنقصان والخواء الروحي وتطليق العواطف الدينيّة، ما فسح المجال لتوطين الوهم والخيال. 

      لكنّ الحداثة ورغم بعض مآزقها وانْتكاساتها تبقى متفوّقة على الرؤى القديمة التي لا تقْدر على نقد ذاتها والخروج من جبّتها، فوحدها الحداثة تستطيع توجيه النقد لمختلف الأنساق من دون الانتماء لثقافة محدّدة، ولذلك على أنصار التعدّدية الثقافيّة الذين يهاجمون المركزيّة الأوروبيّة ويحمّلونها مسؤوليّة مآسي العالم، أن ينتبهوا جيّدا إلى أنّه «من دون هذه الحضارة العالميّة التي ولدتْ في أوروبا على وجه التحديد، لما توفّرت لأحد الأدوات النظريّة اللازمة لنقد هذه المركزيّة» (4). ولا شكّ أنّ موقف شايغان البليغ والوجيه هذا إنّما ينهض بمهمّة تبديد الأوهام وتصليح الأعطاب. واتّساقا مع هذا التسويغ يُطلق كاتب الهويّة بأٍربعين وجهاً على هذه الذهنيّة الحداثيّة التي تملك الشجاعة والأدوات المنهجيّة لنقد تاريخها الفكري ومشاهدة نفسها في مرآة تكوين نفسها ورصد مرتكزاتها وقفزاتها ومسارات تغيّراتها بـــ الذاكرة الذكيّة. ولعلّ الفلسفة الحديثة عبّرتْ عن هذه الذاكرة بعدما خاضت في موضوع إعادة قراءة تاريخ البشريّة، وتقديم تفسير وتأويل مختلف للأنساق الفكريّة الماضيّة فقلبتْ الكثير من المعاني رأساً على عقب. لكنّ الأمر لا يسْلم من مقاومة لهذه الذاكرة الذكيّة ولقيمها التجارية التي ينعتها بها المعارضون، فيأتي رفض الانْضواء تحت لواءها تحت مُبرّرات بعْث التراث القديم وإحقاق حقوق الأقليّات والهويّات المنسيّة التي سَحَقتها الحداثة وهمّشتها وقامت بتسطيح نتوءاتها، وفي وسط هذه المساجلات الحامية الوطيس يتمّ مباركة التمايز والانفصال عن الواقع الحديث وفقدان الثقة في عقليّة التنوير، فتتمّ العودة التعسّفيّة للخرافة نتيجة لتضخيم الأخطار المحدقة بالإنسان المعاصر.

      لقد تفوّقتْ حضارتنا المعاصرة بفضل إسهاماتها المكينة في مجال التقنية، واستطاعت بفضل أجهزتها الأوتوماتيكيّة المتطوّرة الاستغناء عن الإنسان في كثير من مسارات الإنتاج والتنميّة، ما جعله يقف حائرا مشدوها متسائلا عن جدواه وقيمته الآن؟   موقف مربك لا شكّ في ذلك يجعله يهيم على وجهه باحثا عن طوق نجاة في حكمة الحضارات القديمة والحياة البدويّة البسيطة، وهذا ما يُفسّر انجذاب الغربيين الذين يسافرون إلى الشرق نحو طبيعة الحياة هناك، إذ يسْتهويهم إيقاع الزمن البطيء وهدوء الروح وشعورها بالانعتاق. وعطفا عما قيل في هذا الباب يجب «الاعتراف أنّ هذا العالم القشيب رغم كلّ فوائده الأكيدة، ينطوي على خطر فوري داهم، لقد أضاع العالم طريقه، وما عاد يعلم إلى أين يتّجه، ما عادتْ ثمّة قواعد أو قيم أو أصول أو معايير تلعب دور الناظم والضابط لهذه الفوضى الصاخبة في الأفكار والصوّر. إذن تنساب هذه الأفكار والصوّر إلى حيث شاءتْ، فتطهو خلطة كثيفة، ليس بمقدور أيّ إنسان تشخيص طعمها الحقيقي» (5)، ويتقاتل الناس في الأثناء بحثا عن هويّة وسط تجاذبات بين الحضارة الحالية والحنين إلى الصور التقليديّة، ما يطلق عليه صامويل هنتنجتون Samuel Huntington (1927-2008) صراع الحضارات. وهو الذي بشّر فيه بأنّ البشريّة دخلتْ مرحلة جديدة تتميّز بالتوتر والحروب والصراع القاتل على الهويّات، ومن مميّزاتها العودة إلى الدين وإقحامه في الدنيا وكذلك الاعتداد بالهويّات القوميّة واشتداد الصراع بين الغرب والعالم الاسلامي. وإن كان لشايغان تصوّره للحضارة الذي يخالف فيه تصوّر هنتنجتون لها، إذْ «لم تعد الحضارات غير الغربيّة.. عوالم مستقلّة متكاملة مكتفية بذاتها، فهي لم تعد عوالم تدور في فلكها التاريخي الخاصّ. الحضارة أية حضارة لا تكون مبدعة إلاّ إذا تصوّرت نفسها مركزا للعالم، وقادرة على توليد منظومة روحيّة تحوي الفنون والعلوم وأنماط الحياة سواء بسواء» (6). وهذا يعني أنّ الانخراط في الشبكة العالميّة بات ضرورة وليس اختيارا، وأنّ التواريخ الخاصّة باتت عالميّة وفقا لذلك.

      عادتْ القيم القَبَليّة وخاصّة في بلدان الجنوب وبات واقع هذه الأخيرة بين مقولتي: ”ليس بعد” و ”إلى الأبد”، بين حداثة تفرض نفسها ولكن لم يتمّ استيعابها على أحسن وجه، وبين قَدَامَة تتقهقر وتنهار ولا يمكنها أن تعود إلى بداياتها الأصليّة والأصيلة لأنّ فتوحات الحداثة المتوالية تُحرجها ولا تقوى على الوقوف في وجهها. وبات توصيف واقع هذه البلدان المتأخّرة عن قفزات التاريخ بـــ ”ما فوق الواقع” أو الخيالي، ولكن من المفارقات اللافتة أنّ هذا العالم الذي يُنعتُ بأنّه خارج قفزات التاريخ هو الذي يحافظ على التوازن الروحي للإنسان المنتمي للحضارات غير الغربيّة، إنّه يختصر عواطف الوفاء لتلك الخيالات. ولذلك يصعب على الغربيين استيعاب عواطف الشرق والتناغم مع إيقاعاته الروحيّة لأنّ إدراك الزمان والمكان لكليهما مختلف ومسيّج بمفاهيم لا تتشابه، ما ينتج عنه صعوبة اندماج وتعايش المهاجرين غير الغربيين في أوروبا وحالات من صدام المستويات. ولكنْ هل تعني الحداثة اصطفاف حضارة إلى جوار حضارة أخرى؟ لا يمكن لعاقل اليوم التنكّر لكوكبيّة الحداثة، وأنّها أضحتْ تراثا إنسانيّا بفضل إنجازاتها العلميّة الرصينة، كما لا يمكن له أن يعتقد بأنّ مقاومة الحداثة والتمرّد على الهويّة الانسانيّة بأوهام عاطفيّة وقوميّة قد يُجدي نفعا في مقاومة أخطار العولمة ومشكلة الأصول، ولذلك لا مناص من الاعتراف «بأنّنا جميعا ركّاب سفينة واحدة» (7).  

2- التعدّديّة الثقافيّة بين الاعتدال والتطرّف وعلاقة ذلك بالنُظم التربويّة

      في كتابه أزمة الهويّة الأمريكية يوضّح الكاتب دني لاكورن Denis lacorne  بأنّ الولايات المتحدّة تتأرجح بين مفهومين هما حُلم ” قِدر الخلْطة المغْلي”، وهو المصطلح الذي أطلقه إسرائيل زانغويل Isräel Zangwill عام 1908، ومفهوم ”طبَق السَلَطة” الذي ابتكره هوراس كالين kallen  Horace، ويحلو  لشايغان استعادة هذا النصّ وهو يخوض في موضوع التعدّد الثقافي في أمريكا ومُنعطفاته الكثيرة، مع التأكيد في خضمّ هذا النقاش بأنّ الموضوع لا يتّضح من دون التركيز على مسألة ربط الصراعات السياسيّة القائمة فيها بتلك الموجودة في المنظومات التعليميّة. فقد ارتفعتْ الأصوات التي تُهاجم المركزيّة الأوروبية وتتّهمها بإطلاق موْجة من ”الإرهاب الأبيض” كصوت بيتر مك لارن Peter Mc laren، وهارولد بلومBloom Harold  ، الذي يتّفق مع زميله مك لارن فيإطلاق توصيف ”مدرسة الضغينة” على طبيعة التعليم السائد، في إشارة واضحة لسلبياته الناتجة عن هيمنة البيض الأنجلوساكسون على المجتمع، ذلك أنّ «المساواة الرياضيّة بين الثقافات حالة غير واقعيّة، فمثل هذا المنحى، فضلاً عن إلغائهِ لخصائص كل واحدة من الثقافات، والنسق المميّز لتجلّياتها، فإنّه يَمْزجها كلّها في خَلْطة واحدة تُضيّع طعم ورائحة كل واحدة منها» (8)، فالثقافات بوجه عام لا يجب أن تنْحَصر ببعدها القومي، بل عليها أن ترتقي إلى مستوى الوعي الإنساني المتعدّد الأشكال ذلك ما ينتهي إليه شايغان.

      لكن رغم هذا الرجاء تغوص التعدّديّة الثقافية اليوم في ”مدرسة الضغينة” وتُعزّز التداولات الراهنة هذا الموقف، ففي الوقت الذي يُراهن فيه أصحاب المركزيّة الأوروبيّة على تعليم ينسجم وقناعاتهم السياسيّة والإيديولوجيّة، يقف أنصار التعدّدية الثقافية لهم بالمرصاد ويقترحون برامج تعليميّة تُجسّد التعدّديّة الثقافيّة وتغيير المجتمع عن طريق التربيّة، وإنْ كان هؤلاء يغترفون في سبيل ذلك من النظريات التربويّة الغربيّة الحديثة رغم تنكّرهم لقيم الغرب. في حين يسلك أنصار التعدّديّة الثقافيّة المدنيّة مسلكا آخر يُعدّ وسطيّا، ويحاولون من خلاله البحث عن طريق ثالث ينْحاز إلى التعدّديّة الثقافيّة التي تنصاع للضوابط الأخلاقيّة والسياسيّة التي تصون كرامة أمريكا ومؤسّساتها. والخلاصة أنّ «”قِدر الخلطة المغلي” أسطورة لم تتحقّق في يوم من الأيّام، فالمجتمع الأمريكي ظلّ مركّبا مرقّعا من ثقافات متعدّدة، جاء بها الإسبان، والسود، والآسيويون، والهنود الحمر» (9)، وأنّ الواقع يُعلن عن وفاة ”قِدر الخلْطة المغلي”  المزعوم بعد الفشل الذريع في دمج مختلف الأقوام في المجتمع، وبقاء قيم المركزيّة الأوروبيّة تُطلّ برأسها في كلّ مرّة رغم المحطّات السوداء في مسارها، كتلك التي تذكّرنا بمغامرات موسوليني وهتلر الطائشة البعيدة عن العقلانيّة. ولكنّ تلك المركزيّة تلقى في كلّ مرّة نقذا لاذعا من أنصار التعدّدية النقديّة المتأثّرين بأفكار ماركس وفوكو وغيرهما، والذين سعوا لاحقا لنقل السلطة من المركز إلى الهامش، وخلخلة المفاهيم النمطيّة لهذين المفهومين، ويهدف هذا السعي إلى ردْم مختلف التباينات التي تبدو في ظاهرها لغويّة وثقافيّة ولكنّها سياسيّة  في حقيقتها، ولنسف البنى الطبقيّة التراتبيّة. وإنّه لا سبيل إلى ذلك ما لم تتغيّر برامج المنظومات التربويّة ويتمّ التنكّر للخطاب الذي يعوق توطين التعدّدية الثقافيّة المعتدلة وليس تلك التي تُطنب في تمجيد ثقافات الأقليّات.

      قد يكون المَخْرج من مآزق الهويّة والتعدّديّة الثقافيّة هو تَموضع وعي هجين يُطلِق عليه شايغان اسم ”الهويّات الحدوديّة”، وهي «مساحات للاختلاط تتكوّن عن التقاء الثقافات المختلفة.. تجعل أنساق الوجود الأخرى تسْتقطبنا بلا هوادة» (10)، فيَسْقط معها تطرّف المركزيّة الأوروبيّة المبالغة في تبجيل نفسها، وتطرّف أنصار التعدّديّة الثقافية الّذين يحملون في قلوبهم كُرْها للغرب يصل حدّ التطرّف، ولاشكّ أنّ التطرّف في كلا الحالتين مضرّ ومهدّد لقيام هويّة حدوديّة. ويحاول شايغان في هذا السياق ترتيب الأمور عبر هذه الصياغة الجديدة للهويّة، دون أن يفوّت فرصة تحليل ما اكتسبته بعض المفاهيم من تعريفات جديدة في مرحلة ما بعد الحداثة، كمفهوم الثقافة الذي أمسى أداة إيديولوجيّة في وجه تنميط الاقْتصاد العالمي. فقد ساهمت عولمة العالم وظهور الهويات الفوضويّة وثورة المعلومات والاتّصالات في إضفاء مضامين جديدة على مفهوم الهويّة. وضمن هذا التحليل الرصين الذي يُحيط بتناقضات الهويّة في عصرنا، لا ينسى شايغان أن يذكّرنا بالاحتراز من الوقوع في ”الهويّة المتحجّرة” التي تتقوقع في سياق زمني ما أو تروّج لنمطيّة معيّنة أو تتباهى بالأصول والصوّر القديمة الخياليّة وتأبىالخروج منها،فالتاريخ يعلّمنا أنّه لا وجود لثقافات خالصة نقيّة قارّة ساكنة ومستقلّة بذاتها، وحتى ما نُطلق عليه راهنا البنى القديمة للوعي تلك التي تتعارض مع قيم الحداثة، فإنّ نقدها أو تفكيكها أو معارضتها لا يتمّ إلاّ بواسطة أدوات منهجيّة ومعرفيّة صاغتها الحداثة. ولذلك نحتاج إلى ”هويّة جديدة” تبتعدُ قدر الإمكان عن هذا الهذيان القومي وتهويمات الأصول وعن تعاليم مدارس الضغينة.

      لقد أفضتْ مسارات الحداثة إلى تزامن مُستويات الوعي المختلفة ومنها التعدّديّة الثقافيّة، ولا شكّ أن قيام حوار بين مستويات الوعي المختلفة تلك ممكن، لو تمّ نبْد التطرّف وخطابات التكفير والتخلّي عن أكاذيب الثقافات المستقلّة بأنساقها والمستغنية عن غيرها، هذا فضلا عن طرح المشاكل الإنسانيّة طرحا معرفيّا بالدرجة الأولى، فقد تُحقّق هذه الشروط فكرة الهويّة الحدوديّة التي تتميّز بالترقيع أو الأربعين قطعة، وهي التي تعتني بالتركيب وبناء أواصر بين مختلف مستويات الوعي التي سبقتْ الإشارة إليها، ولذلك على الإنسان «التشبّث بكلّ أنواع التلفيق: تحطيم أغلال عدم الاعْتراف بالآخرين، إعادة تشْكيل الوجود الذاتي، إعادة بناء الشُرُفات المطلّة على الحياة، خلق قيم جديدة، إيجاد التناغم في عالم شديد الفوضى، والزحف نحو صُعُد جديدة للوجود» (11).

3- الهويّة بأربعين وجها: من الهويّة المغْلقة إلى الهويّة الريزوميّة

       تسكنُ ذواتنا المعاصرة الكثير من الأصوات والصوّر المتعدّدة، سواء تلك الضاربة بجذورها في الحضارات التاريخيّة السحيقة، أو تلك المرتبطة بأزمنة لاحقة وأزمنة قريبة منّا، ففي دواخلنا أساطير قديمة وملاحم، ومنظومات فكريّة حديثة وتواريخ شعوب وحضارات، ما يُصعّبُ من مهمّة تحديد هويّة معيّنة أو مفهوم محدّد  لها، وكلمّا راودنا حُلْم الإمساك بهويّتنا اكْتشفنا هشاشتها. تلك هي معاناة الإنسان المعاصر مع أزمة الهويّة، ومردّ ذلك أنّ «الهويّة لم تعدْ مجموعة رتيبة من القيم الثابتة المطلقة، فالهويّة الفرنسيّة مثلا تجاوزت اليوم حدود فرنسا، وتمدّدت على كلّ المساحة الأوروبيّة» (12). فقد نسفَ الواقع أوهام الهويّة النقيّة التي تُكرّس إلغاء الآخر وأطاح بمضامينها المغلقة على نفسها، فكانت النتائج نقيض أماني وأحلام الناس الذين كابروا وعاندوا متمسّكين بأوهامهم المتعلّقة بإمكانيّة الانحياز إلى هويّة خالصة في عصر التعقيد.  وهذا لا يعني أبدا أنّه يجب الذوبان في أنساق لا صيغة لها، بل المقصود منه الحيلولة دون اختزال الهويّة في بعض الطروحات الساذجة التي لا تُواكب عالمنا وواقعنا الراهن بكلّ تعقيداته ومُسْتجدّاته.

       إنّ التعدّدية الثقافية بكل تجلّياتها  في مختلف الأصوات والصوّر الآنفة الذكر تنسجُ بدواخلنا «شبكة من الترابطات الدقيقة، فَيُخاط ثوْبنا ذو الأربعين قطعة من قماش ذي ألف لون» (13)، يساعد على تكريس هويّة مركّبة تأتي نتيجة للتمازج اللغوي والعرقي، وتعمل كــ ”الريزوم” Rhizome .  وهذا التوصيف الأخير يُطلقه شايغان ليوضّح به مفهوم ”الفكر المتحرّك” و”الهويّة الريزوميّة”، وهي تلك التي تذهب فيها الجذور لاستقبال جذور أخرى بغضّ النظر عن نقاءها أو مطلقيّتيها، لأنّ الأمر المهمّ في هذه النقطة هو الأسلوب الذي يتمّ به هذا الاقتراب من الجذور الأخرى. ويستند شايغان في تحليله للهويّة الريزوميّة على أطروحات الكاتبيْن الفرنسييْن جيل دولوز Gilles Deleuze (1925-1995) وفيليكس غاتاري   Félix Guattari (1930-1992) في كتابهما المشترك الألف مستوى Mille Plateaux الصادر  عام1980والذي يحيل إلى هذه المسألة.ويعني الريزوم أو الجذمور جذع نبات جوفي يرسل الجذور التي تزحف وتتطوّر لاحقا إلى براعم تنمو أفقيّا، كما يسمح لبعضها أن تنمو عموديّا، وحتى لو تمّ تقطيع جذور النبات فإنّ الجذمور أو الريزوم الذي يُخزّن فيه النبات النشويات والبروتينات يبقى قادرا على إنشاء براعم تبعث الحياة من جديد. وهذا يُفضي الى القول أنّ الرابطة المتعلّقة بالهويّة الريزوميّة تُعير اهتماما وتُبدي احتراما لمختلف العناصر حتّى لو كانت غير متجانسة، وتشكّل في النهاية أرخبيلا ومزيجا متنوّع الأجزاء بمقدوره النفاذ إلى وعينا.  

      ويأتي تمازج مختلف العناصر الحضاريّة ليؤكّد أنّه بالإمكان تحصيل رؤية بانوراميّة، تلتقي فيها مختلف الصوّر لترسم في الأخير وعيا هجينا، لا يُذيب التنوّع بل يحْترمه ويُحافظ عليه بفكر ترابطيّ عميق. ورغم المضايقات التي تحيط بهذا المسعى والمظاهر السلبيّة التي لا تزال تعكّر حضارتنا كالتطهير العرقي مثلا، فإنّ وجودنا المشترك الأرضي سوف يجعل من ضرورة التمازج المرقّع مصيرا إنسانيّا لا بديل عنه، يتمّ فيه تحقيق تعال ثقافي يسمح بوجود وعي مركبّ يحترم التباين ولا يُدين الاختلاف أو يُنقص من قيمة الآخر، ويشرح الكاتب هذا الكلام في قوله: «إنّ أسلوب وجودي أنا وعلاقتي بــــ ”الآخر” في إيران وفي فرنسا لا تتحقّق على أساس معايير معرفيّة وعاطفيّة واحدة. وكأنّ كلّ إقليم من أقاليم الوجود له نمط خاصّ من الحسّ وأسلوب خاصّ من التأثّر على الذهن. بمقدار ما أنا غارق داخل حدود أرضي في علاقات عاطفيّة شديدة ومغالية، فإنّي في أرضي ”الأخرى” أي في فرنسا، أحقّق هذه العلاقات على صعيد ذهني، بمعنى إنّ التفاهم اللغوي في أرضي الأخرى يغلب على التعاطف القلبي» (14). فالترابط ممكن إذن، بقدر من الوعي وسعة الصدر والنأي عن مقولات مغلقة تُشَتّت هويّة الإنسان، فكلّما قاومتْ الهويات الأولى أو الأصليّة فكرة التمزّق إلى أربعين قطعة، تكون بذلك قد قذفتْ بنفسها إلى ملاذات غير آمنة تُوَطِّن ”تحجر الهويّة”. ولذلك وحده التفكير المتحرّك الذي يُرَسّخ التوليد والارتباط والهويّة الريزوميّة، يستطيع التحرّر من منظومات الوحدة والمركزيّة وأوهام الهويّة النقيّة.    

      لقد أصبح العالم الجديد غير نقيّ وبريزومات ذات جذور مختلفة، ينمو الناس فيه في فضاءات مفتوحة وبأساليب حياة مختلفة هي التي سوف تُحدّد لاحقا الرؤى والتصوّرات. وإنّ «أسلوب الارتباط بالمكان يُجسّر العلاقة بيننا وبين الهويات الأخرى، العبور من تقارب إلى تقارب آخر ممكن الحصول ،، كلّنا قطع مكوّنة من أربعين قطعة تُخاط باستمرار، أو قلْ مجاميع غير منتظمة من عدّة قطع ملتصقة ببعضها، والتصاقها ببعضها أفقيّا أسهل بكثير منه عموديّا»(15). وحتى لو تمّ نعت الترقيع ذاك بالمسلّي فلأنّنا أصْبحنا ريزومات مُبعثرة عُرضة لمختلف التحوّلات التاريخيّة والمعرفيّة، ولذلك علينا استبدال مبدأ امتناع التناقض بمبدأ اجتماع النقيضين لكي يستطيع الانسان أن يرتبط بالكثيرين، وذاك هو طريق الخلاص عند شايغان. وعوْد على بدء في مسألة الهويّة، تُطرح اليوم في العالم قضايا الهويّة من جهات ثلاث الوطنيّة والدينيّة والحديثة، كما هو الحال في العالم العربي والعالم الإسلامي، وما يعتريه من تناقضات شتىّ تضع الحواجز في طريق التواصل الإنساني. ويعترف شايغان بأنّ إعادة تقييم كل هذه الأطوار هو من الأهميّة بمكان لأنّ «فنّ تركيب الفضاءات غير المتجانسة، وإقامة نظام يربط بينها، [في اعتقاده] طريق ثالث جديد، طريق يتحاشى الاختزال المنبعث من معرفة رتيبة، ومن أوهام المثل المستحيلة التحقيق. بالسير في هذا الطريق ربّما أمكننا الانتصار على ازدواجيّة شخْصيتنا،، اعتبار هذا الطريق طريق الفصام الواعي المروَّض» (16).     

4- الأنطولوجيا المهشّمة وانهيار البنى المتماسكة في عصر العولمة

      يقترن عالمنا الصاخب بثلاث ظواهر متزامنة وهي، اللاسحريّة  والتقنيّة والمجازيّة، فقد حوّلت الظاهرة الأولى السماء الزاخرة بالخيال إلى فضاء فارع هندسيّ، ولاحقاً  ظهرتْ السحريّة الجديدة وهي نوع من أنواع الازدواجيّة التقنيّة التي تكشْف عن انْبثاق أشكال الوعي الحجري القديم مُتزامنة مع أشكال الوعي المعاصر والمعلوماتيّة، وإلى جانب العالم الملموس والأخْيلة الانسانيّة يظهرُ عالم مجازي يُشبه ظاهريّا العالم الشِعري والأسْطوري ولكنّه لا يرقى إلى مرتبته في الوجود، وكلّ هذه العوالم الثلاثة تَنْسف الأنساق الأنطولوجيّة القديمة. أمّا على مستوى الهويّة فتتجاور هويات متعدّدة يتّسع مداها لتشكّل ظاهرة الأربعين قطعة، وتُفضي نتائج العولمة إلى انبعاثْ الثقافة القَبَليّة والقوميّة، ويعود التحجّر والانْغلاق لِيخيّم على المشهد بوجه عام. ومن جديد يقع الإنسان في شراك ”الترقيعيّة” ليتواءم مع الهويات المتعدّدة ويحيط نفسه ببيئة تْستجيب لشخصيّته ولكن «لهذا الواقع نواحيه السلبيّة أيضا، من هذه النواحي وهميّة العالم أو شبحيته» (17). ففي قلب الأحداث المعاصرة بكلّ تناقضاتها وخلطاتها السحريّة تظهر تراكيب تتواشج فيها نتائج الثقافات المختلفة في عالم ممزّق متشرذم يشبه ”المرآة المهشّمة”.

      يعاني الإنسان العصري من الاضطراب، ومن أجل صحّته النفسيّة عليه أن يستعيد المكانة الأنطولوجية لإقليم الروح، ولكن كيف يتسنى حلّ التناقض بين عالم ذي أنطولوجيا مهشّمة وعالم تحتلّ فيه الروح مكانة أنطولوجيّة مميّزة، يتساءل شايغان في القسم الرابع من كتابه الهويّة بأربعين وجها؟ لا يعطينا الكاتب إجابة دقيقة على هذا السؤال، وكل ما يعْرفه هو أنّ عالم الروح لم ينعدم يوما وأنّه يتجلّى باستمرار عبر أساليب شتىّ. وإذا كانت العلاقات في الترقيعيّة تتخذّ شكلا أفقيّا وصورة للتهجين، فهي في ”مناخ التحوّلات الرمزيّة” تأخذ شكلها العمودي حيث يكون التبدّل فيها جوهريّا، ولشرح هذه الفكرة يُشير الكاتب في نصّه المذكور إلى أربعة نماذج خالدة منتقاة من التاريخ هي: «شانكارا الهندي (القرن التاسع الميلادي)، ومايستر إكهارت الألماني (القرن الثالث عشر للميلاد)، وابن عربي الأندلسي (الثاني عشر للميلاد والثالث عشر للميلاد)،، وتشوانغ تسو الصيني (القرن الرابع قبل الميلاد)، تجمع بين هذه الشخصيات الأربعة العظيمة، رغم أوجه الافتراق الجليلة (الثقافة التاريخيّة، الديانة، الجغرافيا) تشابهات مذهلة في الرؤى ،، حيث أنّ تجاربهم العرفانيّة ذات بنى متجانسة، يتسنّى القول أنّهم عاشوا في عصر واحد من حيث ”الروح التاريخيّة”. هذه التشابهات بحدّ ذاتها دليل على أنّ من المتاح، بدل نظريّة صراع الحضارات التي يطبّلون لها،، النظر إلى العالم  بعين أخرى» (18)، ففي عالم التحوّلات الرمزيّة يحدث التجديد العميق.

       لقد مُنيتْ الروح بهزائم في زمن الحداثة كما عرف العقل هو الآخر انتكاسات مشهودة،  ولذلك من الضرورة بمكان اليوم استعادتهما بقدر من التوازن لكي لا نقع في شيزوفرنيا لا علاج لها. ومن الواجب التنبيه بأنّه على الرغم من المواقف الكثيرة المتعارضة التي تتنازع عصرنا كنظريّة صراع الحضارات وعودة الهويات القوميّة والدينيّة، فإن الحداثة تبقى من أكبر مكتسباتنا بعدما أصبحت خطابا عالميّا ينضوي الجميع تحت مظلته رغم الاختلاف والتعدد، ويفرض هو الآخر على الجميع قوانين لعبته. ولكن على الحداثة الانتباه أيضا إلى إقليم الروح لتسدّ الثغرات التي تعاني منها من أجل إضفاء المعنى على حياتنا، ولكي لا تُنتهك المساحة  الخاصّة من طرف المساحة العاقلة على الحداثة أن تفسح المجال للفنون والآداب لكي لا تسْتولي عليها الأديان. وفي ختام هذا الباب يمكن القول أنّ «الحدث الوحيد القادر على خلق الموانع حيال التصاعد التلقائي اللاواعي للظلاميّة الدينيّة، هو أن يتقبّل الشرق مرتكزات التنوير الرئيسيّة، ويُعيد الغرب لإقليم الروح الضائع قيمته ومكانته» (19).     

5- تشبيح العالم عن طريق العقائد الدينيّة والتقْنيات الحديثة

      من المظاهر الملاحظة في العالم المعاصر عودة السحر والأساطير وصوّر العالم القديم، ولهذه العودة أسبابها الوجيهة المتعلّقة أساسا بالحداثة وإهدار مكتسبات التنوير، إذْ تتحرّك اليوم نزعة روحيّة بموازاة التطوّرات التقنيّة الهائلة وتنتشر معتقدات خياليّة عن نهاية العالم وتناسخ الأرواح وقراءة الطالع، ولا شكّ  أنّ هذا العالم المجازي الذي زحف ويزحف نحو الوهم والخرافة  سوف يخلّف وراءه أشباحه التي تبحث لها عن فضاء لكي تحلّ فيه. و«هذا ”التشبيح ” ”للأمور الروحيّة” يشي بهشاشة تخريبيّة تغلغلت إلى مفاصل الأساطير الجديدة،، فبمقدور هذه الأساطير ربط رجال السياسة ورجال الدين في تركيبة ثوريّة، لينتج عن هذا الزواج المبارك في ظاهره، مسلك يزعم لنفسه كلّ تجليات الكمال الروحي» (20).  كان العالم قبل ظهور الحداثة يتميّز بتواشج وتناسب بين الفضاءات الداخليّة والخارجيّة بشبكة من الأواصر والتطابقات، لكنّه لم يعد كذلك في عصر الحداثة، فتجلّت الصوّر وهي مفتقدة لأساسها وتكاثرتْ الفرق الدينيّة التي أصبحتْ تُصدّع رؤوسنا بأفكارها فـــ «تخلق عالما مجازيا إلى جانب عالمنا الحقيقي» (21). ومعلوم أنّ تلك الفرق لا يشبه عالمها الروحي المزعوم عالم الروح الحقيقي لأنّ خيالاتها ممزوجة بالوهم، ولأنّها كذلك فهي لا تنتج إلاّ صورا شيطانيّة مُدنّسة. كما وأنّه في ذات السياق الزماني يتمّ تشبيح العالم بواسطة منجزات التقنية الحديثة والألاعيب العلميّة الساحرة وظاهرة الديجيتال والترقيم والأنترنت والبريد الالكتروني والندوات الفضائية والاتصال عبر الأقمار الصناعيّة وغيرها، ما يسوّغ القول بأنّ تشبيح العالم وغدوه مجازيا إنّما بسبب الثورة التقنيّة من جهة، وبفضل خلق عالم أسطوري يستولي على مشاعر الناس من جهة أخرى. 

      في قلب هذه المعارك حدثتْ تبدلات كثيرة في صياغة الكثير من المفاهيم المجازية ، منها ظهور دين جديد هو العلم التقني، وعلى الصعيد السياسي تكرست الديمقراطية  التي تسْتبْدل الانتخاب باستفتاءات إذاعيّة وتلفزيونيّة، وعلى المستوى المدني تحولّ مركز المدينة إلى مراكز في كل مكان، وفيما يتعلّق بالصوّر سينقلب الانسان إلى معوّق يواصل حياته بواسطة الكومبيوتر، أما في الجانب الإنساني نجد المواطن مزود بأجهزة صناعيّة يديرها من مكتبه دون أن يتحرّك كالمسجّل والهاتف المحمول والكمبيوتر المحمول، ومن يدري ما الذي سيضيفهُ هذا المواطن المعطّل بسبب الآلات في المستقبل إلى أجهزته الحاليّة، التي يدير بها حياته وعالمه وعالم الآخرين من دون أن يتحرّك من مكانه. لا يجادل أحدا في أنّ البشريّة تمرّ اليوم بمنعطفات خطيرة على مختلف الأصعدة السياسيّة والعلميّة والتقنية والبيئيّة والاقتصاديّة، وأنّ المجازيّة «جعلت العمليّة أكثر شفافية ووضوحا،، وعزّزت من الطابع الريزومي للشبكات،، عن طريق تسهيل اللقاءات والتلاقح بين الثقافات. ربّما أمكن بواسطة السعي لتحليل الظواهر السلبيّة على ما يبدو، اكتشاف أشكال جديدة من الوجود فيها تعدّ أبعادها الضارة بلا مراء، مقارنة مع الواقع السابق، أصواتا تبشّر بقيام حضارة جديدة» (22).   

      يفيد كتاب الهويّة بأربعين وجها في فهم وضعيّتنا في العالم العربي وفي العالم الإسلامي ومكانتنا في الحضارة العالمية الجديدة، بما يطرحه من مواضيع حسّاسة وحرجة وعميقة، فقد خَبَر شايغان كلّ مستويات الوعي المتعدّدة تلك التي تحدّثَ عنها بإسهاب في كتابه، كما استوعب آثار الشرق والحضارات الآسيويّة من ناحية  وآثار الغرب ومفكّريه وفلاسفته من ناحية أخرى، وحاول لاحقا بحسّ نقدي وإنساني رفيع أن يجد طريقا للخلاص والهدوء انطلاقا من تلك المرجعيّات المتعدّدة والمنتميّة إلى حضارات مختلفة، ومتناقضة في أحيان كثيرة إذا لم نكن نبالغ في هذا التوصيف. يحدوه في ذلك أمل انخراط الجميع في الحضارة الكوكبيّة وفي الحداثة بقدر من التوازن بين العقل والروح، فيدعو إلى انخراط الشرق في قيم التنوير واعتناء الغرب بأقاليم الروح. ويمكن القول أنّ أطروحات شايغان في نصّ الهويّة بأربعين وجها تَنْضج أكثر من ذي قبل حول موضوع الهويّة والحضارة والثقافة والإنسان والغرب والحداثة.. مع التأكيد أنّ كتبهُ التي أنجزتْ قبل هذا النصّ تتخلّلها شروحات واضحة لبعض القضايا سوف يستعيدها الكاتب ويعمقها في كتابه الهوية بأربعين وجها (23). إنّ فكر شايغان النقدي يتصاعد في كلّ مرّة وهو يلاحق الحقيقة ويطوّر من أدواته في اكتشافاته المعرفيّة، وهو يمضي إلى التعبير عن مواقفه بصريح العبارة التي تلبس لبوسا متساوقة مع السياق التاريخي والزمني، ومع النضج الفكري له بعيدا عن أيّ تحجر للفكر أو دوجماطيقية ممكنة. لا شكّ أنّ عصرنا هو عصر الهويّة المرقعّة بأربعين قطعة ولكن العيش فيه ممكن لو حدث التوازن والانسجام والترابط والاعتقاد في هويّة ”ريزوميّة ” تحفظ كرامة الانسان وسلامته، بغض النظر أن انتماءاته اللغويّة والعرقيّة والدينيّة والثقافيّة والجغرافيّة والسياسيّة، فهل يمكن تجسيد هذا الحلم في كامل أرجاء المعمورة؟  

********************************

  هوامش المقال:

 (1) داريوش شايغان، هويّة بأربعين وجها، تر: حيدر نجف، مراجعة وتقديم عبد الجبار  الرفاعي، (بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، ط 1، 2016)، ص 35.

(2) المرجع نفسه، ص 37.

(3) المرجع نفسه، ص 38.

(4)  المرجع نفسه، ص 43.

(5) المرجع نفسه، ص 50.

(6) المرجع نفسه، ص 52.

(7) تتكرّر هذه العبارة في أكثر من سياق في مؤلفات شايغان، أذكر هنا كتابه: أوهام الهويّة، ترجمةمحمد علي مقلّد، (لبنان: دار الساقي، ط 1، 1993)، ص 35.  وهذه إحالة مقتطعة منه: «أعرف أنّنا رغم المسافة التاريخيّة التي تفصل بيننا وبينكم، مُسافرون جميعاً على ظهْر مركبٍ واحدٍ».

(8) داريوش شايغان، هويّة بأربعين وجها، ص 69.

(9) المرجع نفسه، ص72.

(10) المرجع نفسه، ص 88.

(11) المرجع نفسه، ص 103.

(12) المرجع نفسه، ص 107.

(13) المرجع نفسه، ص 108.

(14) المرجع نفسه، ص 113.

(15) المرجع نفسه، ص 122- 123.

(16)  المرجع نفسه، ص 134.

(17) المرجع نفسه، ص 140.

(18) المرجع نفسه، ص 143.

(19) المرجع نفسه، ص 152.

(20) المرجع نفسه، ص 156.

(21) المرجع نفسه، ص 161.

(22) المرجع نفسه، ص 197.

(23) من الأهمية بمكان قراءة هذا الكتاب على ضوء كتبه: النفس المبتورة: هاجس الغرب في مجتمعاتنا، و ما الثورة الدينيّة؟: الحضارات التقليديّة في مواجهة الحداثة،  وأوهام الهويّة، هذا ما خرجتُ به بعد قراءتي لهذه المصادر ، وربّما أعود إلى بعضها في مقالات قادمة، فالكلام عن شايغان لم ينته بعد.  

********************************************

*  أكاديميّة وكاتبة من الجزائر   

khadidjazetili@hotmail.fr

شاهد أيضاً

د. أحمد يوسف سعد /التعليم المصري بين الإنسانية والتوحش

قدمت لنا مدرسة فرانكفورت النقدية نظريات أرادت بها تعزيز إنسانية النظم الاجتماعية، بالإشارة إلى خطاياها ...