الرئيسية / مقالات / د.بلحساب مسعود*:مواقف أركونية في “الحراك” الجزائري

د.بلحساب مسعود*:مواقف أركونية في “الحراك” الجزائري




مواقف أركونية : نحو إنسانوية عالمية

تسعى هذه المساهمة، من خلال مقاربة “الحراك” الدائر الآن في الجزائر، أو ما يمكن تسميته بحركة المواطنة، الى تحديد المواقف “المعرفية” للقراءة والفهم والتفسير للحظة التاريخية التي يمثلها. هي في الواقع محاولة من منظور”علم التأويل”، او “هرمنطيقا”(herméneutique) الحراك باستعمال آليات مستمدة من أعمال ابن الجزائر ، محمد أركون (1928-2010). إن السعي إلى تحديد هذه المواقف، وتسليط الضوء عليها، من شأنه أن يؤدي إلى تحديد ملامح ما دعا دائمًا إلى تجسيده : “العقل البارز” (Raison émergente)للخروج من “السياجات الدوغماتية”(Clôtures Dogmatiques) في المجتمعات التي يعبرها “الفعل الاسلامي” (fait islamique ). هذا “العقل البارز” هو الحمل الملقى(sacerdoce) على كاهل ما يسميه أركون بالمثقف، أو، الأستاد-ألمفكر-الباحث الذي أسند إليه مهام عاجلة ، صيغت في “برنامجية”(programmatique) ، لأن عليه دين : “دين المعنى”(dette du sens). إن المقاربة ألأركونية ، في الواقع ، تجد نقاط دعمها المعرفية والمنهجية وفي الجهد الذي بذله لأكثر من نصف قرن في دراسة ونقد “الغقل الاسلامي”من خلال تفعيل “العقل الناقد الحديث”  .(la Raison critique moderne) هذا التفعيل لقى نقدا لاذعا من طرف دعاة “العقل الديني” الدي، في الواقع، يحافظ و يعزز مايسميه اركون ب “السياجات الدوغماتية”.

المحفاظة على هذه السياجات في المجتمعات التي يمر بها “الفعل الإسلامي”، بما في ذلك الجزائر ، وذالك من خلال أدوات ووسائل منها أساسا الحزب / الدولة (Parti/État). فمن هذا المنظور ، يقدم “الحراك” الجزائري مادة تاريخية غير عادية قادرة على تحديد وتعريف وتفسير وفهم من منظور هرمينيطيقي ، لنواة معرفية وإبستمولوجية ، أي بكلمة واحدة : موقف أو مواقف معرفية (épistémiques) لإنتاج “العقل البارز” الذي، في إعتقادنا ومن وجهة نظرنا، في طور ألتنشأة في هذه اللحظة التاريخية التي يمثلها “الحراك”. مثل هذه المواقف ، من منظور أركون ، لها أن تستفيد من الأدوات العلمية الإشكالية والمنهجية للعلوم الإنسانية ، المحظورة منذ زمن طويل من قبل الإيديولوجيا الإستقلالية (idéologie indépendantiste) للدول التي نشأت في ما بعد الاستعمار ، مع الحزب / الدولة كأداة السيطرة على المجتمع. هذه السيطرة أصبحت الآن موضع شك ومساءلة، بل حتىى موضوع رفض قاطع والتي يؤكدها “الحراك” في أقوى تعبيراته.

هذه هي الحقيقة الجديدة في هذه اللحظة التاريخية ، حيث يعيد الشعب التواصل مع ذاكرته الجماعية و ذاكرته التاريخية ، تسمح وتضفي الشرعية وحتى تحدد أهمية ألمواقف الأركونية التي تنظر إلى الإمكانيات الحقيقية المتاحة من خلال “الحراك” وهي: تنشأة وبناء الديمقراطية والمواطنة ، والتي ، بطبيعة الحال ، تفتح الطريق أمام إنسانوية عالمية. الإنسانوية، في الحقيقة، متغيبة و غائبة منذ زمن طويل في المجتمعات المعنية ، من خلال الهيمنة الإيديولوجية للحزب / الدولة على المجتمع وكذالك الحرب التي شنها ويشنها الإسلام الراديكالي عليها. هذا الصراع الثنائي ، في تحالف يكاد يكون صوفيًا ، ولكنه شيطانيا ، بين أنصار “الدين الحقيقي” (la religion vraie) و “الشريعة”(la Shari’a) وأحزاب / الدولة ضد المجتمعات التي يجتازتها “الفعل الإسلامي” ، يسجن “العقل البارز”و “الذات الإنسانية” (le Sujet humain) في استنساخات مريبة  وإعادة إنتاج لا نهاية لها “للسياجات الدوغماتية” التي تعرقل تحقيق وتكريس المواطنة والديمقراطية ؛ بكلمة واحدة: يغلقون كل “أفق الحداثة”(horizon de modernité) على مجتمعاتنا.

إن “الحراك” الجزائري ، كلحظة تاريخية غير عادية ، يقدم، من وجهة نظرنا ، إجابة ، إن لم تكن بداية الإجابة على الأسئلة التي طرحها محمد أركون قبل وفاته بفترة وجيزة: “هل يمكننا طرح سؤال نهاية التحالف المنهجي “للسياجات الدوغماتية” والهيكل الرأسي للسلطة في السياقات الحالية حيث تعرض العصابات الإرهابية والأنظمة الاستبدادية الكثير من الشعوب البريئة إلى الفتوحات الاستعمارية التي تجرد من جديد الوعود و الحداثة الفكرية وإخضاع الديمقراطية للجماعات السياسية والمالية؟ هل يمكن للمرء أن يحدد في العالم الحالي الفوضى وتحت تأثير العنف الخالص بعض شروط هذا الخروج؟ “. “الحراك” في الجزائر ، كلحظة تاريخية ، يقدم عددًا معينًا من شروط هذا الخروج ! ولا يمكن تفسير تكالب مماليك “الببترو إسلام”(le pétro-islam)  حول تداعيات “الحراك” التي تنتشر بمواقع ومنابر مختلفة ، وكذاحلفاؤهم الاستراتيجيون المدافعون عن إمبراطوريات الأسواق الرئسمالية الذين وبدون هوادة يأججون “للحرب العادلة” وهي إرادة خفية مبيتة للحفاظ على “السياجات الدوغماتية” ومنع تنشأة “العقل البارز” عن طريق عرقلة آفاق الديمقراطية والمواطنة والحداثة.

تمنع هذه العرقلة، بالتأكيد، كل إحتمالات الإنفتاح على النضال الحقيقي والضروري للتغلب على العقائد الإيديولوجية الأسطورية التي أقفل فيها الحزب / الدولة المجتمع ، بفرض الفكرالواحد والتاريخً الواحد ، إقفال يرهن حدوث الدولة الديمقراطية. وهذا هو التمفصل الذي يعرض فيه “الحراك” الحالي أهميته المعرفية الواضحة لتجاوز الإعادات الأيديولوجية للحزب / الدولة ، المفترس ، المفسد ، حفار قبور ألهويات المتعددة الأعراق والمتعددة اللغات (كما هو الحال بالنسبة لجميع الأحزاب / الدولة في المجتمعات التي يمر بها “الفعل الإسلامي” منذ نهاية الإسلام الليبرالي وظهور استقلال عن ألقوى الاستعمارية الأوروبية) ، والتي “عملت ضد الشعب والأمة والمجتمع المدني” ، كما هي قائمة بذلك الآن. “الحراك” ، كما هو دائر منذ 22 فبراير إنما يعبر عن إتجاه تكريس “ألإنسانوية العالمية” ألأمر الذي لا يمكن أن يخفى عن الملاحظة ، وفي ذلك معركة أركون، وهو الموقف المعرفي الحقيقي في وضع يتسم بتفكك الثقافات حيث “غزى الخطاب الأيديولوجي ، والترفيه الجماعي والنماذج القياسية لسوق المهيمنة” ؛ الظرف الذي ظهر فيه “الحراك” ، مما يمهد الطريق ل “سوسيولوجيا الأمل” (sociologie de l’espérance) الأمر الذي كان يأمله آركون. في الواقع ، يبدو “الحراك” بمثابة “إرادة قوة”(volonté de puissance) التي تفتح آفاق “الحداثة وتزيد من “الموقف الإنسانوي” ، الذي يظهره “الحراك” كل يوم جمعة ، وليس فقط، من خلال المسالمة في مواجهة السياسات المدمرة للجزب / الدولة ، والاحتيال الانتخابي الذي يندد به “الحراك” ويدينه من أجل حرية أكبر للدات الإنسانية للدفع إلى الأمام حدود “الإنسانوية العالمية”.

ألإسلامولوجيا التطبيقية (islamologieappliquée) : البرنماجية ألأركونية

البرنامجية الأركانية هوفي جوهر العلم الذي ساعد أسسه محمد أركون: علم الإسلام التطبيقي أو ألإسلامولوجيا التطبيقية لمدة نصف قرن. في حالة “الحراك” في الجزائر (وتوسيعه المحتمل في السودان وتونس والمغرب ، …!) ، فإنه يعتبر الدبال الأكثر خصوبة هو لإخراج وإنتاج “معرفية جديدة” للعقل الإسلامي. إن “الحراك” كمادة يمكن إستغلالها واستكشافها ودراستها تتطلب بالفعل تعبئة عامة لعلوم الإنسان. هذا هي الأرضية التيي يواجه فيها الباحث- المعلم- ألمفكر تحديًا كبيرا. إنه مدعو للنظر في هذا “الحراك”، في هياكله الديناميكية اللاشعورية الأساسية التي تحفز هذا الخلق التاريخي غير العادي. يجب على البرنامجية الأركانية حشد كل قدرات العقل الناقد الحديث ووضعه في منظور تاريخ جديد قيد النشأة ، والذي لا يمكن إزالته من إنسانويته العالمية لأنه، يكتب أركون، “التاريخ له طبيعة” خطيرة ” … “يجب أن يسعى المنظور التاريخي الجديد الذي يعطيه”الحراك” للتفاهم إلى تسليط الضوء على وسائل وأدوات الاستكشاف المنهجي للروح الإسلامية بحثًا عن المواطنة والحداثة والعالمية.

إنه موقف تفسيري، هرمينيطيقي بتعبير آخر، ثمين جدا للأسلامولوجي محمد أركون ، لأنه يلزم “العقل الناقد” فيما يسميه “بتاريخ تضامن الشعوب”(l’histoire solidaire des peuples) ، الذي يبقى الوحيد القادر على قيادة و توجيه الفكر لمواجهة المصير المحتوم للحداثة. يقدم “الحراك” حالة من المواجهة بين ممثله ، الشعب ، مع تاريخه لإعادة رسم ملامح تحديات كبرى. هذه التحديات، في طبيعتها، تحديات الحداثة التي عليها ألإستفادة من الجوانب العالمية للفكر العلمي والتساؤلات الفلسفية. لهذا السبب يجب عدم تبديد وتضييع مثل هذه اللحظة التاريخية ! إن تعبئة “العقل الناقد” في مثل هذه اللحظة من التاريخ هي عمل على إيجاد أدوات التفكير القادرة على التفكير في الأسباب البعيدة والمباشرة لـ”الفعل الإسلامي” ، حيث أن “الحراك” يحدث في مجتمع يعبره “الفعل الإسلامي”.

إنه من الضروري، في هذه اللحظة، العمل على هدم “السياجات الدوغماتية” تدريجيا وهزم تكوينتها المتحجرة في العقول والممارسات (من خلال مناقشة مكان الدين ، وضع المرأة ، العلمانية ، …) بغرض فتح آفاق جديدة للفكر. فقط الفكر النقدي ، الذي يصوغ أدوات مفاهيمية جديدة ومواقف عقلانية ، قادر على إعطاء “معنى” لهذه اللحظة من التاريخ ، لاستخلاص منها مهام لتاريخ تضامن جديد للأشخاص المحررين من ما أركون يدعو “المانوية الثنائيات”(dualisme manichéen) ؛ مثل التغلب على المواجهة العقيمة بين “الخير والشر” ، “الصواب والخطأ” ، “المنتخبون والخيالون” ، “المتحضرون والبربريون” ، “التنوير والظلام”. يعمل هذا الفكر النقدي ، الذي يستكشف هذه اللحظة التاريخية ، على إطلاق رسالة جديدة ستحرر ، بالمعنى الحقيقي للكلمة ، علوم الإنسان ، دون أن تتدفق إلى إسقاطات دون جدوى.

لهذا السبب فإن البرنامجية الأركونية تصب كاملة في ضرورة العمل الفوري على “تخريب”(subversion) الخطابات التقليدية المصنوعة من الأساطير التي تعزز وتوطد “السياجات الدوغماتبة”. نقول: إن الهدف النبيل المرجى يكمن في تعزيز “العقل الناقد” في مجتمع يعبره “الفعل الإسلامي” للخروج من الثنائيات التقليدية : “العقل الديني” في مقابل “العقل العلمي” ، لأن إبقء على المواجهة بينهما تبفى مثيرة فقط. لا يمكننا التقدم أو تحديد مناطق جديدة من التفكير أو إشكالية أو مواقف معرفية جديدة ، إذا أغلقنا “العقل البارز” في هذا النوع من الازدواجيات العقيمة و بدون قيمة معرفية ، إذا لم نتقدم بشكل موضوعي في الاحتمالات التاريخية التي تفتح عليها “الحراك”. في هذه الاحتمالات التاريخية ، في هذه المناطق المعرفية الجديدة التي سيتم بناؤها ، سيكون من الضروري أن يترافق، جنبا الى جنب، العقل الديني والعقل العلمي ؛ يجب أن نعتني بهذين الحقلين المعرفيين دون استثناء أحدهما من الآخر.

لذلك ، حسب رأي أركون، يستوجب إدراج الفلسفة أو الفيلوأنثروبولوجيا في التاريخ لتدعيم مجالي التفكير اللذين هما ميداني المعركة الحقيقيين اللذين يشكلان الخيال والعقل. وإذا كان هذا الفكر لا يتعامل معها بحزم ، وبإصرار ، مهما كانت العقبات ، فلن يكون قادرًا ، ولن يكون قادرًا أبدًا على تصور للحظة الحاسمة لخروج محتمل من “السياجات الدوغماتية”، وتحديد ما يطلق عليه أركون : “حق العقل: الحقيقة “. البرنامجية ألأركونية هي في الحقيقة مجموعة توصيات ، بالمقارنة مع الإحتمالات التاريخية التي يفتح عليها “الحراك”. إنها في الحقيقة أيضا، هذه البرنماجية، عمل بطيء وصعب لإنشاء جهاز مفاهيمي تشغيلي لإخراج فكر علمي حديث قادر على قراءة وفهم هذه اللحظة الراهنة، كما عليها فهم الميراث الواسع الذي تركته الميثولوجيا والأساطير للحزب / الدولة . إنه من المهم أن يفكر العقل الناقد ، وداخل الدين وخارج الدين ، في جميع المسائل المتعلقة بالدولة ، وتنظيم السلطات ، والمجتمع المدني ، والحريات الفردية ، وخاصة الحرية الدينية ، ووضع المرأة ، والعلمانية ، والتي ، وفقا لأركون ، “تبقى إلى حد كبير دون تفكير”. هذه هي القضية الكاملة للإمكانيات التاريخية التي سيفتح عليها الحراك.

هنا يكمن حسب أركون التحدي الأساسي للعقل الناقد والفكر العلمي الذي يجب تعبئته ليشكل “نواة معرفية” حقيقية، التي دافع عنها بشدة في برنماجيته، لأنه هو الوحيد القادر على معالجة هذا “الغفل”(impensé) الضخم الذي يحافظ عليه الحزب / الدولة والذي ، بحكم الواقع، يعوز على توطيد “العقل البارز” واحتمال الخروج من “اليباجات الدوغماتية”. هذا هو السبب في أن البرنامجية الأركونية هو وصفة لمهام ، ولكن أيضًا إنشاء مواقف وعادات وأفكار جديدة. فهو ينص على المضي قدماً بشجاعة بهذه الطريقة، والمضي في هذا الطريق لحل جميع المشاكل، عن طريق إزالة الألغام عن أقاليم التفكير التي دمرتها الأساطير التي أقامها الحزب / الدولة ، والعقبات الموروثة من الماضي لتوضيح كل تعقيدات التاريخ التي تبقى حتى الآن غائبة عن التحليل. من أجل ذلك، تقترح برنامجية أركورن، استراتيجية “فتح العقليات”(stratégie de déverrouillage des mentalités) من خلال توجيهها نحو أنشطة حاسمة : نقد خطاب التاريخ. – البحوث الأنثروبولوجية. – استعادة الجذب الفلسفي. لهذا السبب ، بحمل أركون مسؤولية الخروج من “السياجات الدوغماتية” إلى الأستاذ- المفكر- الباحث الذي يتحمل مسؤولية “مصير العقل”(destin de l’esprit) من خلال المغامرة على أرض “العقل السيادي” Ị (la Raison souveraine)

يجب على “الحراك” صياغة هذا النوع من المفكرين في مقابل المثقف الموظف ، الذي أنتجه نظام الحزب / الدولة ، كما يكتب أركون ، مثل “الطبيب الذي يكتفي بتلقي مريض في مكتبه ، دون الانخراط في حياة القرية حيث يمارس فنه “. لقد أدى نظام الحزب / الدولة إلى تفاقم الأخصائيين التكنوقراطيين دون التعامل مع “دين العقل”. في الواقع ، تعد البرنماجية الأركونية عبارة عن مناصرة “الفكر المخرب” (pensée subversive) ، إلى حد أن “التخريب”(subversion) هو عمل إنساني وأخلاقي بارز للأستاذ- المفكر- الباحث.. “الحراك” هو لحظة “تخريب” ذو قوة خارقة لم تشهدها الجزائر من قبل. الإمكانات التاريخية التي يفتح عليها، وكذلك المواقف المعرفية الجديدة التي يجب إنشاؤها، لتدمير المعالم الإيديولوجية الأسطورية التي هي من مقومات نظام حكم الحزب / الدولة، مما يؤدي إلى إستحالة تخريب “السياجات الدوغماتية” والتحجر الفكري. لذلك ، يجب على هذا التخريب إيجاد الأدوات اللازمة للتفكير النقدي للتغلب على كل إعادة صياغة عقائدية لنظام حكم الحزب/الدولة. ألا يعطي “الحراك” والتاريخ الحالي الفرصة التاريخية لإعادة تكوين المعنى والقيم، الرأس مال الذي أهدرته أيديولوجيا الحزب / الدولة ؟ يمكن أن نتساءل في ضوء برنامجة أركورن.

ألسنا في لحظة تجاوز الدوغماتيات القائمة وغيرها من الحدود و السياجات التي يحتفظ بها نظام الحزب / الدولة لنجد أنفسنا بالمرة، وإلى الأبد، أمام الحقائق الغاية التعقد في عالم تطغى فيه التكنولوجيا الفائقة التطور؟ يمكن التساؤل أيضا و من نفس المنظور. هذه الأسئلة تعزز الملاحظة الحالية التي أدلى بها “الحراك” : الهزيمة الكاملة لنموذج الحزب / الدولة الذي ساد في الجزائر منذ استقلال البلاد ، لأنها ساعدت على حظر كل تحرر العقل الناقد بسبب عقائدها الأسطورية(mythoidéologiques) . يمثل “الحراك” لحظة قوية من التخريب، وهي لحظة تاريخية محددة، جاء في سياق إنهيارات متعددة. لهذا السبب ، تطرح برنامجية أركون الدور الحاسم الذي يلعبه “العقل البارز، كحمل على كاهل المثقف، الأستاد- الباحث- المفكر، في السياق التاريخي الذي أنتجه الحزب / الدولة، والذي يجب عليه أن يتحررمنه، وهاهو “الحراك” يعطيه هده الفرصة من أجل تكريس المطلب النقدي الذي كان أركون يتمناه.

العقل الناشئ بين التخريب والإصلاح

يجب استغلال فرصة “الحراك” ، كلحظة تاريخية وطاقاتها التخريبية(potentiel subversif) من أجل تعزيز وتوطيد “العقل الناشئ” في مواجهة فوضى نظام الحزب / الدولة. ومن هنا فالتخريب بالنسبة “للعقل الناقد”ينتج قطائع جذرية . فالتخريب الدي يسعى إليه “العقل الناقد” لا يمكن أن نمثله با”التخريب والغضب الإرهابي”، يقول أركون. إن التخريب بمنطق البرنماجية الأركونية هو فعل الفكرالذي يسعى إلى قلب النظام الذي فرضه ويفرضه الحزب/الدولة، هذا الفعل لا يمكن ان يفهم على اساس أنه فوضى أو فوضوي. تكمن الأهمية التاريخية “للعقل الناشئ” في عكس ما تنادي به دعوة الإصلاح وهي، في الواقع، عبارة عن مجرد إعادة تنظيم للأسطورية والأسطورية العقائدية التي تأسس عليها الحزب الدولة. وبهذا المعنى ، يمكننا أن نتساؤل هل يمكن “للحراك”، من منظور أركوني، أن يفتح الطريق إلى رؤية فلسفية التي تعيد إنتاج “لفتة فلاسفة التنوير” في القرن الثامن عشر ؟!

“الحراك” يحمل قوة وطاقة تخريبية للتصورات الإيديولوجية للحزب/الدولة. فلذالك يجب أن يفتح على إمكانيات تاريخية ومواقف معرفية بآفاقً جديدة للمعنى والذكاء والمعرفة مع الاهتمام المستمر بالتنوير ، إلى “توجيه عمل تاريخي ثوري”. في الواقع ، في مواجهة تجزئة المجال الفكري والنقدي ، على المثقف التزام الاهتمام بالمعنى. إنه يتحمل مسؤولية مراقبة الظروف المعرفية “للعقل البارز” بقول الحقيقة ، لا تزال منفصلة عن أعماق “الدات الإنسانية” ، والتي لا تزال غير قابلة للتحقيق ، دون آفاق ، لا يمكنها تحقيق المواطنة. إن فرصة “الحراك” ، في الواقع ، تساعد على تحرير هذا الموضوع من أنقاض الحزب / الدولة المرهقة ، لفتح آفاق المواطنة الحقيقية التي يطمح إليها. لذلك ، فإن الفرصة التاريخية التي يتيحها “الحراك” تحدد الحاجة الملحة: تفكيك حجة الحزب / الدولة بأشكال مختلفة من التفكير الإصلاحي والسلفي. هذه حالة طارئة أمام برناماجية أركون أن تؤدي إلى تخريب جذري عن طريق صياغة “خطاب تخريبي”(discours subversif) ينفصل عن ما يسميه أركون “سمات الفكر الغريب تحت ستار الدين الحقيقي” المأوى الذي بموجبه الحزب / الدولة وحلفائه هم في إعدة إنتاج مستمرة لأدوات ووسائل الهيمنة. في هذا السياق من الفوضى والركام ، فإن برنامجية أركون ترى في هذه اللحظة التاريخية ، “الحراك” قد يؤسس فعلا للمثقف و”للعقل البارز” الظهور في سياق المجتمع الجزائري الدي يعبره “الفعل ألإسلامي” من أجل تعداد توقعات المواطنين ، المطالب الأكثر شرعية و التأكيدات الذاتية الأكثر عدوانية في السلوك الفردي والجماعي.

بالنسبة لتخريب أنماط الفكر للحزب / الدولة وإعادة التفكير العقائدي ، يتطلب بالضرورة نقدًا تخريبيًا لأساليب التفكير الأسطورية والأسطورية العقائدية التي ظل الفكر محبوسًا فيها منذ ظهور دول ما بعد الاستعمار. لهذا السبب فإن “العقل البارز” راديكالي في مطالبه، لأن التخريب الذي يولده هو ، في منظور برنامجية أركون ، “فعل من الزهد الفكري” ، “جرأة الفعل” قبل العلاقة الثلاثية: الدولة الإسلام الذين المعارضة. العلاقة بين التلاعب الرمزي والسياسي والتي أخضع لها الحزب / الدولة المجتمع وأغلقه فيه.

الخروج من الفوضى الحالية للحزب/الدولة

إن التفكير في “الحراك” الذي يدور في الجزائر بعبارات أركونية هو بلا شك رسم مشروع اجتماعي جديد لبناء مواقف تاريخية ومعرفية التي تعزز “العقل البارز” كهدف أسمى. أن نفكر “الحراك” في منظور برنامجية أركون سوف يجنبنا المشاكل التي أدى لها ما كرسه مصطلح “الربيع العربي” ؛ المشاكل التي لم يحضرها أركون.. “الحراك” القائم الآن في الجزائر ، والإمكانات التي يفتح لها، فلا شك أنها محاولة لتحديث عمل التفكير من خلال”العقل الناقد” الذي سيحسم، بالتأكيد ، بين موقفين: التخريب أو الإصلاح. “العقل الناقد” سوف يخلص العقول من إعاداة التفكير التي ينشرها الحزب / الدولة. اليوم ، لا بد من تجاوز عمليات إعادة التنظيم الداخلية للعقائد الأسطورية والأسطورية العقائدية. لا بد من كسر الاحتمالات التاريخية والمعرفية مع اللعبة الشيطانية المتمثلة في التلاعب بالرموز لأغراض الهيمنة. إنها حالة طارئة. في مواجهة هذه المصنوعات الأيديولوجية ، يجب أن يظهر واجب المواطن والتأمل الإنساني والإنسانوي في القضايا الرئيسية التي تتحدى المجتمع الجزائري، وكل مجتمعات جنوب البحر المتوسط. يجب على شخصية المثقف الذي يجب أن يظهر على أساس الإمكانيات التاريخية والمعرفية التي يفرزها “الحراك” ، من منظور أركون ، أن ينجز “مهام ملموسة وعاجلة ودقيقة [تتطلب] التزامًا غير أناني. الانضباط الأخلاقي الصارم والمهارات التي يعترف بها المجتمع العلمي في العالم ، والهيئة الوحيدة القادرة على تجاوز المشاحنات الوطنية ، والرؤى الضيقة ، والمذاهب العسكرية “. إن تآزر الديناميات التاريخية التي سيفتح عليها “الحراك” الحالية جزء من منظور تجاوز حالة الإنغلاق الذي فرضه الحزب / الدولة. وظيفة يجب أن تتم بحزم من خلال التعبئة الفورية “للعقل البارز” وإنشاء هذه المناطق الجديدة ، هذه الأماكن الجديدة للتشكيك في المرحلة الجديدة في منظور “الحراك”. الحالة الحالية من التحجر ، خلل الحركة وعدم الحركة التي أغلق فيها الحزب / الدولة المجتمع في في نوع من اليقين الإيديولوجي والسياسوي المبني على الأسطرة العقائدية والغموض الذي يضخّمه باللجوء المنهجي إلى الديني. هذا الموقف من الغموض في المعنى ، فإن “العقل البارز” سيعمل على تعبئة أدوات علوم الإنسان لتحديث عملية التكوين أو عمليات المواقف المعرفية للتمزق من أجل توطيد أسس دولة الحق و الحريات الديمقراطية والمواطنة. يعطي الحراك إذا هذه الفرصة التاريخية.

المراجع

1-التفكير في الإسلام اليوم،Laphomic-1993.

2- الإنسانوية والإسلام معارك ومقترحات،Vrin -2005.

3- ألمسألة الأخلاقية والقانونية في الفكر الإسلامي، Vrin -2010.

4- البناء الإنساني للإسلام،Albin Michel -2012.

5- قراءة في القرآنAlbin Michel -2016

**************

* أستاذ ألأدب الفرنسي- جامعة قالمة (الجزائر)

شاهد أيضاً

وللشهامه وجوه أخرى ../د.فاطمه الحصي *

   لأستاذتى الحبيبة الدكتورة نادية جمال الدين “عميدة اساتذة التربية بالجامعات المصرية “حكايات عديده لا ...