الرئيسية / أخبار ثقافيه / مجاهد وسيلة/قراءة في كتاب: التفكيك وفسيفساء المعنى للدكتور محمد بكاي

مجاهد وسيلة/قراءة في كتاب: التفكيك وفسيفساء المعنى للدكتور محمد بكاي

فنّ ابتكار المتاهة

غالبا ما ينتابنا الملل عندما نفتح كتابا أكاديميا، يعالج قضية من القضايا، حتى ولو كان موضوع الكتاب ينتمي إلى دائرة اهتمامنا، إلا أنّ طبيعة الكتب الأكاديمية تجبرنا على القراءة من أجل الحصول على المنفعة لا المتعة، لذلك يلجأ العديد من القراء إلى النصوص الإبداعية من أجل تقليل حدّة النصوص المعرفية. وغالبا ما تكون الكتب المتطرقة لفلسفة التفكيك قائمة على أساس التأسيس لهذه الإستراتيجية في أسلوب بنائي يعارض طبيعة التفكيك. وهو ما لم يحدث في كتابنا هذا الجامع بين المتعة والمنفعة.

يوهمنا صاحب الكتاب بدءا من العنوان، أنّه سيعرفنا على هذا المبهم الذي ظل يتردّد على أبواب الفهم دون أن يدخلها، لكنه لم يفعل ذلك، وقد كشف لنا ذلك العنوان نفسه، فسيفساء المعنى، إذن لسنا أمام معنى واحد، بل أمام معاني متعدّدة ومتمدّدة، متشظية ومتناثرة. لكأنّه عالِم فيزياء، خلق عالما خاصا والمتمثل في الكتاب في حد ذاته من كتل مفككة، باستخدام جاذبية لها دور مضاعف، تقرب بين الكتل/ مصطلحات التفكيك ومختلف مفاهيمه، دون أن توحدها تماما، بل تترك فيما بينها مسافة معينة لا عشوائية فيها تحفظ للمفاهيم حقها في الاختلاف بل والتناقض أيضا. تلك المفاهيم والمصطلحات الواردة في الكتاب كواكب تدور حول نفسها وحول الآخر لتفجر المعاني والدلالات، هذه الأخيرة عبارة عن جسيمات تحتك فيما بينها لتخلق جزيئات جديدة، تنفجر هي الأخرى لتعاود عملية الخلق من جديد، إنّها لدوامة أو متاهة لا تعرف الانتهاء مطلقا، كما لا تعرف مركزا نعود إليه.

يُعيد لنا الكاتب في البداية دريدا، يبعثه من جديد في شكل طيف يحضر دون حضور كامل أي في أوجّ غيابه، فقط ليدخلنا عوالم تقع بين الحاضر والماضي، على تخوم المستحيل وحدود العدم، متجاوزا بذلك الغياب الموحش وفاتحا إمكانات اللقاء من جديد. لقد أزعج صاحب الفسيفساء صاحب التفكيك في برزخه، باعثا له ببطاقة يدعوه فيها لأن يحلّ ضيفا، فهل سيلبي الشبح الدعوة ويحضر؟

استجاب جاك للدعوة وطرق باب كاتبنا سنة 2018 وهي سنة صدور هذا الكتاب عن دائرة الثقافة، حكومة الشارقة بدولة الإمارات المتّحدة. عاد، أجل إنه هنا لكنه لم يحضر لأنّ الحضور يقتضي وجود المادة والمتمثلة في الجسم، والجسم ضرب من الفناء والوفاء للغياب الأبدي. أما العودة فيمكنها أن تكون بطرق وأشكال مختلفة. إنّه هنا جالس على أريكة الكتابة وتُعرض أمامه على طاولة الضيافة جل المعاني المتناقضة وأشكال المجاز واستراتيجيات البلاغة التي استقاها الكاتب من دريدا ليكتب عنه، أي كتب عنه بمصطلحاته وأسلوبه، وهو ما يُقرّ به أثناء حديثه عن طبيعة الكتاب:” هو استبصارات تتناثر وتتطاير لتعود من حين إلى حين في قوالب تحليلية لا تخلو من مباراة للمحاكاة، اقتفاء للأسلوب التفكيكي في مجاراته للهلوسة والمجاز والاستراتيجيات البلاغية لخطاب فلسفي غير قابل للتطويق.” من هذا القول نستشف أن المتعة أو الجمالية الكامنة في هذا الكتاب سببها الأوّل هو الاعتماد على الأسلوب البلاغي التفكيكي، فلا يخلو الكتاب من عبارات بلاغية، مجازية تضيف رونقا خاصا، وتفتح أبواب العتمة دون أن تضيئها تماما، أما السبب الثاني فيكمن في هذا اللاتطويق، فالكاتب لم يضع نفسه في إطار محدد، ولم يتّبع خطة محددة يروم من خلالها تحديد التفكيك، وحصر ما لا يحصر في كتاب واحد، بل اكتفى بمعالجة القضايا التي تعنيه أو المهتم بها، إنّنا أمام كتاب غير مكتمل لا في مبناه ولا في معناه، بل ولا يروم للاكتمال ولم يجعل منه هدفا إطلاقا، وهذا ما يأخذ بالكتاب منحى دريديا.

لقد استضاف محمد بكاي جاك دريدا، وقام بواجب الضيافة. نحن الآن أمام مستضيف hostوالمتمثل في محمد بكاي، وضيف guest والمتمثل في جاك دريدا، هذا الضيفguest يتشاكل لغويا مع كلمة شبحguost . وبالتالي مقولة الشبحية التي ستشكل لنا الكلمة المفتاح في فلسفة التفكيك وفي هذا الكتاب على وجه التحديد، إنها المدخل الذي ولج من خلاله الكاتب الصرح الديريدي. وهي مقولة مهمة لم تحظ بالدراسة والاعتناء من قبل الباحثين. فقد اختار صاحب الفسيفساء لنفسه مدخلا جديدا يحلّل من خلاله التفكيك، هذا المجهول/ المعلوم، ويقف على مفاهيمه ذات الطابع البيني/ الطيفي. قلتُ يحلّل ولم أستخدم مصطلحا آخر نزولا عند ما قام به الكاتب الذي قال في مقدمة كتابه أنّه عبارة عن استبصارات تتناثر وتتطاير لتعود من حين إلى حين في قوالب تحليلية. واستخدامه للتحليل كوسيلة لقراءة دريدا جاء في صميم التفكيك، لقد حلّل ولم يُصدر أحكاما مطلقا، لأنّ الحكم يقتضي اليقين، بينما التحليل فيرتبط بما هو محتمل، إنّه مجرد احتمال، وكذلك التفكيك والفن أيضا اللذان يخرجان من اليقين إلى المحتمل. لذلك جاء عنوان هذه القراءة المتواضعة: فن ابتكار المتاهة، لأنها مجرد احتمالات قرائية لا يقينيات.

إنّ استقبال صاحب الفسيفساء لصاحب التفكيك ،واستضافته وبعثه من جديد في بداية الكتاب لم يكن عبثيا بل جاء من أجل مخالفة ما يقوم به أغلب قراء دريدا عندما يخفون جاك خلف تفكيكه فلا نكاد نراه. لقد حاول بذلك تجاوز حجب دريدا وراء التفكيك، بل قرأ التفكيك من خلال دريدا.

تتمدّد وتتردد مقولة الشبحية على طول مسار الكتاب، إذ نجدها حاضرة في كل المفاهيم والقضايا المُتطرّق إليها، بدءا بتفكيك دريدا لمقولة الغرب وهو أوّل عنوان سيواجهنا في الكتاب بعد عودة الشبح، حيث قام دريدا بتفكيك الغرب بواسطة مفاهيم ابتكرها من بينها الشبح. كما ستحضر هذه المقولة أثناء حديث الدكتور محمد بكاي عن مسألة الاختلاف والانتقال من الهويات إلى الغيريات، وما الغيرية إلا شبح متجلي في مرآة الذات. لقد تناول الكاتب أثناء حديثه عن الاختلاف وتقويض المركزيات وهو ثاني عنوان في الكتاب- لأنّ الكتاب قسّم إلى مقالات ولكل مقالة عنوان، ولم يقسم إلى فصول- هويات دريدا المختلفة والمتعددة والتي جعلت منه طيفا حيث يقول:” ودريدا نفسه طيف يتعدّد بين هويات متمايزة وأصوليات متصادمة ومتصادقة فيما بينها، ويتردّد وراء أقنعة متخالفة، إذ هو: يهودي وعربي، فرنسي وجزائري، ولا يتخلى على واحدة من هذه الهويات المتغايرة فيما بينها.”( ص31) هذا ما جعله ينادي بضرورة احترام الاخ(ت)لاف وعدم إقصاء الآخر.

سيرافقه الشبح أيضا أثناء معالجته لموضوع عري النص ومسألة الكتابة، بعدّه للكلمات كمسكن للأشباح، إن لم تكن هي الشبح في حد ذاته. لأن الكتابة تحمل في طياتها غيابا، أي غياب الكاتب وحضور طيفه من خلال كلماته. ثم ستنتقل نفس المقولة مع مفهوم الاختلاف لفتح ملف النسوية، فالمرأة هي ذلك الآخر المقصي والمهمّش، وقد استفادت النسويات من مفاهيم دريدا عندما فككن المقولات العقلية والتأسيسات الذكورية للاكتفاء من تأدية دور الضحية أو الفريسة.

لم يتوقف الشبح عند هذا الحد بل راح أيضا يفرض نفسه في موضوع الفن والرسم من منظور فيلسوف الهوامش، إذ يقول صاحب الفسيفساء الدكتور محمد بكاي:” الفن خيالي السمة ومجازي الصورة وشبحي البنية، لذلك يصعب تحديد هوية فن الرسم.”(ص 69).

بعد كل هذه المواضيع المتطرق إليها في مؤلَّف التفكيك وفسيفساء المعنى من اختلاف، وهوية وغيرية، ونسوية، والفن والكتابة، وفلسفة الأدب، وأدبية الفلسفة، سيأتي دور الترجمة كنوع من الضيافة، إذ يستضيف المؤلِّف مقالا لبيير زيما يحمل عنوان:” جمالية التفكيك من الرومانسية إلى نيتشه ودريدا” بنقله إلى العربية. بعد هذه الترجمة وفي ختام الكتاب سيعود صاحبه إلى الشبحية كمفهوم قائم بذاته وسيطرح سؤالا مهما: ما الشبح؟ ودون إجابة سيعلن أنّ هناك إنذارا قضائيا بلا جواب يُحال إلينا.

وإذا كانت المقولة التي حركت هذا الكتاب من بداية إلى نهايته، وإن لم ينته، لم تُعرَّف بعد، فكيف سنعرف ما التفكيك وهو يتملّص ويتخلص من كل محاولات للتعريف.

في الختام، إنّ الكتاب متاهة ابتكرها صاحبه بطريقة فنية مستقاة من فيلسوف الهوامش، والهدف من ذلك قراءة دريدا وتحليل مفاهيمه البينية. إنّ التفكيك وفسيفساء المعنى مجازفة حاول من خلالها الكاتب تجربة المستحيل، وحاولنا من خلالها نحن أيضا تجربة التجربة.

*****

*الجزائر

شاهد أيضاً

صفاء عبد السلام* / برجاء تضييع الثقة

إن الثقة المطلقة في خبرات الآخرين وثقافاتهم ومعارفهم وامكانياتهم الخارقة للعادة تعد من الموروثات التي ...