الرئيسية / هوامش نفسيه / عمر الجعيدي *يكتب :صعوبات التعلم ..طرح مختلف

عمر الجعيدي *يكتب :صعوبات التعلم ..طرح مختلف

مدخل الاستجابة للتدخل: مَنْحَى جديد وطَرْحٌ مختلف

(1) نبذةعامة

يأتي التشخيص المبكر للمشكلات التعليمية، وصنع القرارات المستندة للبيانات، والتنفيذ الدقيق للتدخلات على رأس أولويات النظم التعليمية التي تدرك جيدًا قيمة العنصر البشري وتُعْنى بإعداده واستثمار طاقاته؛ فالتنمية البشرية جزءٌ أساسيٌّ من التنمية الشاملة التي يتطلَّع إليها المجتمع باعتبارها سبيلًا لاستقراره ورفاهيته بما في ذلك توفير الخدمات المساندة للطلاب المتعثرين لمساعدتهم على تحسين المهارات الأكاديمية والأنماط السلوكية.

ومن أبرز المشكلات التي تواجهها نظم التعليم المختلفة مشكلة صعوبات التعلم والتي إن لم يتم تشخيصها منذ وقت مبكر في حياة الطفل فإنَّها تؤدي إلى نتائج سلبية متعددة مثل الهدر التعليمي والآثار النفسية غير المرغوب فيها وخسائر اقتصادية جمَّة تتكبدها البلاد.

ولعلاج مثل هذه المشكلة فإنَّ الأمر يستدعي على وجه السرعة وجودَ منحى جديد وطرح مختلف في عدة مجالات أساسية تتمثَّل في الاكتشاف، والتشخيص، والتقييم، والعلاج؛ منحى يتفادى المشكلات التي اصطدمت بها المداخل والمناحي السابقة بأن يسد الخلل والثغرات التي أصابتها في مقتل.

ففي عام (2004) مع إعادة إقرار قانون تحسين تعليم الأفراد ذوي الإعاقات Individual Disabilities Education Act (IDEA) بالولايات المتحدة الأمريكية برز على ساحة البحث العلمي مدخلُ الاستجابة للتدخل Response to Intervention approach والذي يُرمز له بـ (RTI) كمدخل واعد ومنحى جديد يحاول حل المشكلات الناجمة عن المداخل والمحكات السابقة التي كانت تستخدم في مجال صعوبات التعلم.

وفي هذا السياق يوضح (Fuchs, & Fuchs, 2006) أنَّ هناك وجهتي نظر حول مدخل الاستجابة للتدخل؛ حيث ينظر إليه بعض الباحثين والممارسين باعتباره مدخلًا وقائيًا يُقَدّم مستوياتٍ من التدخل والتدريس على سبيل التعويض أو الإضافة قبل اللجوء إلى التقييم الشامل لتحديد الأهلية لخدمات التربية الخاصة؛ في حين يرى فريقٌ آخر أنَّ مدخل الاستجابة للتدخل مُكَوِّنٌ لعملية تقييم أكثر شمولًا وتقليديةً فهو إجراء للتعرف والتصنيف.

أحد الأسباب الرئيسة للاهتمام المتزايد بمدخل الاستجابة للتدخل RTI هو وفرة الأبحاث الحديثة حول صعوبات القراءة، وعلى وجه الخصوص، الشبكة الوطنية للدراسات البحثية the national network of research studies التي ينسقها المعهد الوطني لصحة الطفل والتنمية البشرية the National Institute of Child Health and Human Development (NICHD). وقد أظهر عدد من الدراسات البحثية التي أجراها هذا المعهد أن البرامج أو الأساليب التعليمية المصممة جيدًا تؤدي إلى تحسينات مهمة لغالبية الطلاب الذين يعانون من مشاكل في القراءة المبكرة early reading problems؛ إذ إنَّ مدخل الاستجابة للتدخل يعمل على توظيف التدخلات التي تم التحقق من صحتها لتحسين القراءة لدى الأطفال المعرضين لخطر صعوبات القراءة؛ لذا يرى (Fuchs, & Fuchs, 2006) أنَّ مدخل الاستجابة للتدخل قد تكون له أهمية خاصة لمجال القراءة لأنَّ ما يقرب من (80%) من ذوي صعوبات التعلم تمَّ وصفهم بأنَّهم من ذوي صعوبات القراءة.

ويشير تقرير اللجنة الوطنية المشتركة لصعوبات التعلم (National Joint Committee on Learning Disabilities (NJCLD), 2005, 249) إلى أنَّ أحد العناصر الرئيسة لمدخل الاستجابة للتدخل RTI يتمثَّل في توفير التدخل المبكر عندما يواجه الطلاب صعوبات أكاديمية في البداية، بهدف تحسين تحصيل جميع الطلاب، بمن فيهم أولئك الذين قد يكون لديهم صعوبات تعلم.

وبهذا يتميز مدخل الاستجابة للتدخل (RTI) بعدة مزايا مقارنة بالإجراءات التقليدية لمحك التباعد إذ يتضمَّن (RTI) التحديد المبكر لصعوبات القراءة لتجنب نموذج انتظار الفشل “wait-to-fail” model، والتركيز القويّ على توفير تعليم فعَّال وتحسين نتائج الطلاب، وعملية صنع القرار المدعومة بمتابعة التقدم progress monitoring بشكل مستمر في المهارات التي تتماشى بشكل وثيق مع النتائج التعليمية المرجوَّة (Davis, Lindo, & Compton, 2007)، كما أنَّه نهج عمل تربوي وقائي، يتمحور حول الملاءمات الفردية والجماعية للطلاب، الذين يجدون صعوبة في اكتساب واستعمال المهارات التعلمية المطلوبة، الأمر الذي قد يسبب تدنيًا في تحصيلهم الدراسي (المركز الفلسطيني للإرشاد، 2014)، ويقتضي هذا النهج إحداث تحول من التركيز على نعت وتسمية كل طفل بوصف معين بحيث تكون جوانب العجز لديه محور الاهتمام، إلى تحسين طرق التخطيط والتعلم والتدريس وعمليات التقييم المتبعة في الصف لتلبية احتياجات هؤلاء الطلبة واستخدام تكنولوجيا المعلومات (المجلس الأعلى للتعليم بدولة قطر، 2009،).

وكما يشير تقرير اللجنة الوطنية المشتركةلصعوبات التعلم (National Joint Committee on Learning Disabilities (NJCLD), 2005)فإنَّ مدخل الاستجابة للتدخل بالإضافة إلى الخدمات الوقائية والعلاجية، قد يُقَدَّم للطلاب المعرضين للخطر، كما أنه يعد بالإسهام في البيانات المفيدة لتحديد صعوبات التعلم. وبالتالي، قد يُعَدّ الطالب الذي يُظْهِر (1) تحصيلا متدنيًا بشكل كبير و (٢) عدم كفاية / عدم ملاءمة الاستجابة للتدخل معرَّضًا لخطر صعوبات التعلم، وبدوره قد يكون هذا الطالب في حاجة إلى خدمات التربية الخاصة والخدمات ذات الصلة.

***

*ماجستير في في علم النفس التربوي /كلية التربيه /جامعة الأزهر

شاهد أيضاً

د.عبد الله سليمان*يكتب :(2)الاقتراب من الآخر وتنمية الحميمية

الاقتراب من الآخر وتنمية الحميمية يذكرنا عذاب محسن وداليا، واضطراب حياتهما الزوجية قبل انقضاء عامها ...

تعليق واحد