الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. حامد رجب عباس/ الطيب تيزيني وجدلية التراث

د. حامد رجب عباس/ الطيب تيزيني وجدلية التراث

الطيب تيزيني وجدلية التراث بين هويتين: سكونية وتطورية

لطيب تيزيني وجدلية التراث بين هويتين: سكونية وتطورية د. حامد رجب عباس لم يعد أحد يجادل – إلا ما كان جاحدٍ أو جاهل – في المكانة المعرفية التي احتلها الراحل الكبير الطيب تيزيني في الفكر العربي والفكر الإنساني، وخاصة في منحى اشتباكه مع التراث، فقد كان في ميدانه قامة علمية سامقة، وباحثًا موسوعيًّا نادر النظائر وصاحب جرأة في الرأي عزّ مثيله في تاريخنا الثقافي الحديث، ولقد ظل شديد التمسك باستقلالية فكره ورأيه عن أية مؤسسة أو وظيفة غير تلك التي يرسمها لفكره ويرتضيها لنفسه كمثقف حرًّ مؤمن بالبحث العلمي وحرية التفكير. لم يحابِ أحدًا، ولم يتملّق جمهورًا، ولا داهن سلطة، فقدم من نفسه وسيرته المعنى الحقيقي للإلتزام المعرفي. وتعد البداية الحقيقية لمشروع “تيزيني” في التراث مع مؤلفه (من التراث إلى الثورة) في منتصف السبعينات من القرن العشرين، والذي وصفه مؤلفه بإنه “دليل عمل منهجي عام في البحث التراثي” خطط من خلاله لإثنى عشر جزء يتناول من خلالها قضية التراث ويعيد قراءته بدءً من العصر الجاهلى، مرورًا بصدر الإسلام أو المرحلة العربية الإسلامية الأولى خلال القرن السابع الميلادي، ثم المرحلة العربية الاسلامية الثانية من القرن الثامن حتى القرن العاشر أبان الحكم الأموي والعباسي، والمرحلة العربية الإسلامية الثالثة الممتدة من القرن العاشر حتى أوائل القرن السادس عشر، وصولًا إلى مرحلة النهضة العربية التي بدأت مع نهاية القرن الثامن عشر وانتهت مع السنوات الأولى من مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأخيرًا المرحلة التي تلت الحرب العالمية الثانية والتي استمرت مع صدور مشروعه حتى نهاية فترة الحرب الباردة، وخلال تناول “تيزينى” لإشكالية التراث، وتحقيبه له على النحو السابق كان يدعو إلى إعادة قراءة الفكر العربي في إطار الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أنتجته اعتمادًا على المنهج المادي الجدلي وكان يتناول البنية الاجتماعية الاقتصادية في كل مرحلة وتفاعلها مع البنية الفكرية، لإثبات تاريخية هذا الفكر والعدول عن اعتباره فكرًا جامدًا محنطًا، كما يذهب إلى ذلك الفكر البنيوي. وميز “تيزينى” في مقدمته النظرية (من التراث إلى الثورة) بين نزعات خمس، تتباين في معالجتها للموضوع التراثى، وهى(النزعة السلفاوية والنزعة العصرانية والنزعة التلفيقية،والتحييدية والنزعة ذات المركزية الأوربية) ،وصفها في مجملها بإنها قراءات “لاتاريخية” و”لاتراثية” رغم تعرضها للتاريخ والتراث، ثم قدم بديله المنهاجي الذي سماه بـ(الجدلى التاريخي التراثي) أي الانتقال من الجزء الاجتماعى إلى الجزء التاريخي إلى الجزء التراثى، ثم الانتقال من الكل الاجتماعي إلى التاريخي فالتراثي. وقد أسس “تيزينى” هذا المنهج –الجدلى التاريخي التراثي- في القسم الثاني من مؤلفه (من التراث إلى الثورة ) وطبقه في ثنايا مشروعه عن التراث. يقول: “إن الفكر العربي، بأنساقه المستنيرة، مدعو إلى خوض اختبار عميق ومركب ومعقد يتمثل باكتشاف الطريقة الحقيقية للمزاوجة بين الواقع العربي المشخص وأكثر المناهج المعاصرة نجاعة في بعديها المعرفي والأيديولوجي، وذلك بعيدًا عن هوس الإنجاز المتسرع واللاهث وراء نتائج قطعية وتامة. ونحن نرى أن مثل هذا الطموح لا يستطيع – في كل الأحوال – أن يتجاوز اللحظة الجوهرية في المنهج المادي الجدلي التاريخي”. ويضيف موضحًا منهجه: “إن المنهجية الجدلية المادية التاريخية، بعناصرها البنيوية والوظيفية، تمتلك – في رأينا – الاحتمالات الأكثر رحابة باتجاه اكتشاف الحقيقة في وحدتها الجدلية الإبستيمولوجية والأيديولوجية. ولكن التحقق من ذلك مرتهن بالفعل العلمي وبم يخترقه من أبعاد وسمات اجتماعية وسياسية وثقافية”. وكان “تيزينى” يراهن في رؤيته/مشروعه للتراث دومًا على مقتضيات وآفاق المرحلة التي يمر بها الواقع العربي ويجعله مشروطًا بها ( وإن ظلت رؤيته مسكونه بالهاجس الإيديولوجي) وهذا ما جعل تيزينى يصرح لاحقًا، بأن” كتابه من التراث إلى الثورة لم يعد الآن قابلًا للنماء لأن حالة جديدة أخذت تنبعث في العالم كله من خلال انهيار الاشتراكية ونتائج حرب الخليج الثانية وثورة الاتصالات، حيث تفككت البنية الاجتماعية العربية وأسقطت الفئات الوسطى التي تُعدُّ المنتجَ الأساسي والحامل الحقيقي للثقافة العربية” وهذا ما جعل “تيزينى يتحول من “من التراث إلى الثورة” إلى “من التراث إلى النهضة” فالأول (مشروع الثورة) لم يعد يحتفظ براهنيته المعرفية والسياسية والثقافية، ومن ثم ينبغى أن ينسحب ليحل محله الثانى (مشروع النهضة)، الذي يجعل سؤال الهوية همه الأكبر، ويطرح آليات لكيفية استمرار العرب بوصفهم تجمعات وطنية أو قومية قادرة على أن تبقى فاعلة في تاريخ قادم، وثمة فوارق بين المشروعين يبرز في مقدمتها ما يتصل بالحوامل الاجتماعية والثقافية والسياسية لكل منهما، فمشروع النهضة بنظر تيزينى “مشروع الجميع: الشعب والأمة ككل، أما مشروع الثورة فهو مشروع طبقة، مشروع باتجاه تموضع اجتماعي وطبقي ذي بعد غير شامل، وإن كان يحمل إمكانية تحوله للشمول”. وإذا كان “تيزينى” في مشروعه النهضوى البديل للثورى قد جعل من الهوية الركيزة الأساسية، فإن “تيزينى” لم يتخلى عن منحاه الماركسي اليساري ومنهجه التاريخي المادي الجدلي، لكنه في تحديده للهوية ميز بين هويتين إحداهما “سكونيه” والأخرى تاريخانية تطورية، يقول: “يبرز مكون الهوية الذاتية – في المشروع النهضوى- فهى ما يُعَيّن شخصية الأمة العربية ويحدد بنيتها الذاتية. ومن شأن هذا أن يشير إلى تعيين آخر مضايف لذلك، وهو الخصوصية. فإذا وضعنا يدنا على هوية الأمة المعنية بوصفها ذاتيتها، أى بوصفها ما هى عليه، نكون قد تناولناها في لحظتها السكونية، لكنها لما كانت تمثل بنية مفتوحة بكل الاتجاهات، وجب علينا أن نتلقفها في تدفقها التاريخي، بحيث نتبينها بمثابة حصيلة مطردة للتراكم التاريخي، وبذلك تبرز أهمية تناولها في ضوء المنطق الأرسطى معاد بناؤه من موقع المنطق الجدلى”. وزاد الأمر إيضاحاً بتبيان منطقه المادي الجدلى في بناء الهوية كمرتكز أساس لمشروع النهضة، بقوله: “ما يصنع هوية الأمة العربية الذاتية، هذه الهوية التي والحال كذلك، تتواطأ مع أنماط معينة من علاقات الإنتاج المادي ومن النظم السياسية والحقوقية والعلاقات الاجتماعية وغيرها، لتكون علاقة انتماء “طبيعي” بين الإنسان العربي ومحيطه”. وفى الختام قد يتفق قرّاؤهٌ معه في ما ذهب إليه من مذاهب في التفكير والرأي وقد يختلفون، ولكن أيّ نزيه لا يجد بُدًّا من الاعتراف له بالتفوق العلمي والتفوق الأخلاقي: التفوق في امتلاك ناصية المادة العلمية التي اشتغل بها وعليها، إن كان في إحاطته الواسعة بتراث الإسلام الديني والثقافي أو في حيازته القوية لأدوات البحث والتحليل، والتفوق في صون صورة الباحث المخلص لرسالته المعرفية ولحريته في التفكير، غير المُساوم عليهما تحت أي ظرف.

المراجع :

  1. د. طيب تيزينى، من التراث إلى الثورة:حول نظرية مقترحة في قضية التراث العربي، ج1، ط2، (بيروت : دار ابن خلدون)، 1978، ص 18.
  2. المرجع سابق، ص ص 18 -22.
  3. افرد لدراسة هذه النزعات قسم مستقل في مؤلفه ” من التراث إلى الثورة” خلال الصفحات (26- 218)
  4. المرجع السابق، ص 25.
  5. المرجع سابق، ص 221.
  6. د. طيب تيزينى، على طريق الوضوح المنهجي : كتابات في الفلسفة والفكر العربي، (بيروت، دار الفارابى)، 1989، ص 7.
  7. المرجع سابق، ص 254-255. 
  8. د. الطيب تيزيني، العودة إلى التراث لابد أن تتم بمقتضيات عصرنا، المرجع السابق.
  9. حوار هانى نسيره مع الطيب تيزينى، بتاريخ 2006 / 2 / 2 ، منشور على موقع الحوار المتمدن، رابط:
  10. http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=56206
  11. د. طيب تيزيني، “بيان ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻬﻀﺔ ﻭﺍﻟﺘﻨﻭﻴﺭ ﺍﻟﻌﺭﺒﻲ باتجاه مشروع نهوض عربي تنويري جديد”، مجلة عالم الفكر، عدد 3، مجلد 29، الكويت، 2001، ص 62.
  12. المرجع السابق.

شاهد أيضاً

أحمد ختاوي */ قراءة أولى لقصة ” زيارة ” للقاصة الجزائرية د. بهيليل فضيلة ..

حدسية   التبييء ..مدججا  بمفصلية  النفس  الطويل ،  الآسر :   الخكّاء  مخيال  متقد  .والنمطية  مراس  حاد ...