الرئيسية / غير مصنف / صبحي نايل *يكتب :انغلاق العقل الدفاعي

صبحي نايل *يكتب :انغلاق العقل الدفاعي


في ظل وجود الاستعمار كان علي الطبقة المثقفة – الموكلة بتكوين واصدار الرأي داخل المجتمعات العربية – صياغة خطاب دفاعي ، يدافع عن الهوية والأصالة العربية ضد المستعمر الذي يحاول– بطبيعة الحال – ان يفرض ثقافته وبناءه الاجتماعي ، منطلقا من قناعة بانه الافضل والسلالة الأعلى لذا أباحت له الظروف السيطرة علي هذه الشعوب . ولكن ظل الخطاب العربي يقبع في الطور الدفاعي محاولا دائما إثبات هويته واصالته ، وتعويض موقفه المتراجع تجاه الحضارة بإثبات نسبه الي بناة الحضارة ومؤسسيها وتبعيته لهم ومعاداته للثقافة الغربية، أو ان بشيء من الدقة ( غير العربية ) محاولاً دائما انتاج خطاب يعمل علي الحد من سلطة الثقافة (غير العربية ) وإرساء دعائم المصطلحات العربية ومحاولة تعريب وأسلمة العلوم ، خالطا بين السياسة الإمبريالية الغربية وبين العلوم البشرية التي تحاول عدم الحيد نحو الغاية السياسية ، ولا يبرر هذا سوي الفراغ المعرفي وعدم الاطلاع ويعززه تاريخ الغرب الإمبريالي واستخدامه لكافة الوسائل والنظريات لتبرير استعماره ، ولا ينجم عن هذا سوي الرفض المطلق لأي منتج فكري غير عربي ، الغير مبرر بتبريرات شافية ومرضية للعقل . وعلي الصعيد الأخر فالحضارة الغربية تفرض نفسها وبقوة مما جعل التابعية العربية لها أمرا مفروضا ، ويتمخض عن هذا وجود خطاب يتببني الرؤية الغربية داخل البناء العربي مدافعا عنها منبهرا بها ، لا تكف محاولته في اثبات تطورها والحاجة الماسة الي اتباعها ، مما جعله في حيز المتآمر مع السلطة الامبريالية الغربية في نظر من يدافع عن الأصالة . فأضحي يصوغ خطابا دفاعيا ضد مزاعم الاتجاه الاصولي ، فأصبحت سياسة الرفض متبادلة بين الطرفين عاجزة عن انتاج أي خطاب تنويري ولكنها اكثر قدرة علي بناء الخطاب الدفاعي والتبريري .

فالخطاب العربي بشقيه النهضوي والأصولي لا يعرف سوي النمط المنغلق للخطاب الدفاعي الذي يقوم علي الاقصاء ، لا الاعتراف بالآخر والانفتاح والذي هو أداة هامة لبناء الحضارات ، فالخطاب الدفاعي لا يعرف الفهم والتفسير بقدر ما يعرف التبرير والانحياز. والخطاب الدفاعي هو سمة من سمات الطائفية التي ظهرت ابان تبني الخطاب الديني شرعنة السلطة السياسية، وصدامه مع بعض الآراء المختلفة مع السلطة السياسية واتجاهاتها واضفاء الرداء الإيماني علي الاختلافات السياسية ، واصبح الاقصاء الايماني بديلا للإقصاء السياسي ، ويتمخض عن هذا بطبيعة الحال وجود العديد من الطوائف كل منها تزعم امتلكها للحقيقة . فضلا عن ما جاءت به الهزائم العربية الكبرى من خطابات نابعة من محاولة تفسيرها وتقديم مبررات لها ومحاولة فهم اسبابها ، من قبل المفكرين والسياسيين والعسكريين ورجال الدين – بطبيعة الحال – و ما احدثته من تصدع واهتزازات داخل المجتمع من خلال ظهور زيف وكذب بعض السياسيين ورجال الثقافة والسلطة الدينية ، والذي ادي الي انتاج خطابات دفاعية اخرى محاولة الاستقلالية عن الخطابات الرسمية لفقدانها الثقة بهذه الخطابات ، التي اوضحت الهزائم كذبها ممثلة في

التيار الديني الشعبي وفرق سياسية عديدة منها تيارات الاسلام السياسي وغيرها .. , واصبح الفرد يقف موقف العدو من الدولة لفقدانه الثقة بالفئة القائمة علي ادارة مواردها ، محاولا هو الاخر تنظيم خطابا دفاعيا عن مطالبه المشروعة ، وفقا للصورة المعهودة في ذهنه عن السلطة السياسية – التي يصدرها رجال الدين وتعمل علي تعزيزها الطبقة المثقفة – وهي اقرب الي تصور المواطن الآثيني لآلهة اليونان القدامى ساكني جبال الأولمب . فينجم عن هذا انحصار الخطاب العربي( بشقيه النهضوي والأصولي ) في الطور الدفاعي – خاصة وان كان في موقف الضعيف من هو في حاجة للدفاع – عزيز عليه صياغة خطاب الفهم والتفسير عاجز عن ترك مساحة لفهم اخر أوتفسير اخر .

  • باحث من مصر

شاهد أيضاً

صفاء عبد السلام *تكتب:اعرف نفسك

  دائما ما يحاول الإنسان في شغف شديد اكتشاف ماهية ما يحيط به من أشياء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *