الرئيسية / أخبار ثقافيه / الجزائري أمين الزاوي في حوار مع نضال ممدوح

الجزائري أمين الزاوي في حوار مع نضال ممدوح

قال الروائى الجزائرى أمين الزاوى إن معركة المثقفين العرب من أجل التنوير لن تنتهى بخروج الإسلاميين من المشهد السياسى، مشددًا على ضرورة تفكيك منظومة التعليم التى أسهمت فى نشر أفكار تيار الإسلام السياسى.

وشدد على ضرورة مواجهة «منظومة التعليم الإخوانية» المحرضة على كراهية المرأة والآخر
وذكر الروائى، الذى أصدر روايات وكتبًا نقدية عدة باللغتين العربية والفرنسية، وعمل مديرًا للمكتبة الوطنية بالعاصمة الجزائر، فى حواره مع «الدستور»، أن الحراك الحالى فى بلاده يشهد عودة الأجيال الجديدة إلى عالم السياسة بعد سنوات من «الجمود»، مشددًا على أن المتظاهرين والشعب والمؤسسة العسكرية فى الجزائر لن يسمحوا للإسلاميين بـ«ركوب الثورة» أو تكرار مأساة «العشرية السوداء».

الى الحوار الذي أجريته بمناسبة حضوره الى القاهره لحضور ملتقى القاهره للابداع الروائي :


■ بداية.. لا يمكن الحديث عن المشهد الثقافى فى الجزائر دون التطرق للتطورات السياسية الحالية فكيف ترى الحراك فى الشارع الجزائرى؟
– شاركت مع زوجتى فى المظاهرات التى تخرج كل يوم جمعة، وفى رأيى أن أكثر الأمور إيجابية هو مصالحة الشباب مع السياسة، لأن الجزائر عاشت فى السنوات العشر الأخيرة جمودًا حتى بين السياسيين، ما دفع الشباب إلى العزوف عن هذا المجال.
والحراك الحالى أعاد الجيل الجديد من الشباب إلى السياسة، بهدف البحث عن تغيير وأفق جديد وإنقاذ الجزائر من الفاسدين الذين يريدون أن يرثوا السياسة.
لذا فأنا متفائل جدًا من هذا الحراك الذى اتسم بسلمية وحضارية غير مسبوقتين، ولا يزال الشباب يمارسه بهدوء، رغم وجود بعض القوى التى تريد أن تستثمر الحراك لصالحها، ورغم الخوف القائم من الإسلاميين الذين دائمًا ما يركبون قطار الثورات بعد إقلاعه.
■ أثار المشهد الحالى المخاوف لدى كثيرين من عودة المتطرفين وتكرار «العشرية السوداء».. هل لديك نفس التخوفات؟
– هذا الخوف مشروع، فهناك حذر من مصادرة هذه الثورة لصالح الإسلاميين، ولدينا مخاوف من العودة للعنف، الذى حدث فى التسعينيات، لكنى أعتقد أن الجميع، سواء المتظاهرين أو المؤسسة العسكرية، لن يسمح بحدوث ذلك.
وحتى لو لم نصل إلى الأهداف الكبرى المنشودة من هذا الحراك، فإننا لن نخسر كثيرًا بسببه، بمعنى أننا سنكون فى مرحلة لاحقة أفضل مما كنا عليه فى ظل النظام السابق الذى جمد كل شىء ونشر الفساد وعطل مؤسسات الدولة، إذ كانت كل السلطات بيد الرئيس.
ولدينا اليوم مؤشرات تدل على أننا فى الجزائر ذاهبون إلى مرحلة ستأتى بجيل جديد فى السلطة، وهذا مفروغ منه، لأن القوى التى كانت تسيّر الجزائر لم يعد لها وجود الآن، كما أن الحراك أنتج عقلية جديدة تجعل كل ذلك تحت رقابة وعى سياسى واجتماعى على مستوى الجامعة والإعلام والشارع، فكل القوى تراقب ما يمكن أن يفرزه الواقع الجديد.
■ كيف ترى دور المثقف العربى فى مواجهة ظاهرة الإرهاب التى توغلت فى المنطقة؟
– دور المثقف العربى التنويرى مهم جدًا، وعليه أن يعلن بداية تأسيس عصر الحداثة والتنوير الجديدين وهو وحده قادر على ذلك، لأن الغالب فى واقعنا أنه حين تنتهى المعركة السياسية بهزيمة الإسلاميين، فإن الأنظمة الجديدة تتصالح معهم مجددًا، فى مرحلة معينة، من أجل الحفاظ على المقاعد، وهنا يجب على المثقفين التنويريين أن يكونوا جنودًا لتغليب العقل والقراءة الناقدة فى المجتمعات.
وهذا لا يتحقق إلا عبر نقطتين، أولاهما إعادة النظر فى المنظومة التعليمية، خاصة أنها منظومة إسلامية بالكامل فى المجتمعات العربية، وهزيمة الأحزاب السياسية الإسلامية لا تكتمل إلا بتغيير منظومتها التعليمية السائدة التى تفرخ كل يوم جيلًا مواليًا داخل المؤسسات التعليمية، ومن ثم إغراق المجتمعات العربية بثقافة الكراهية ضد المرأة وضد الآخر.
النقطة الثانية التى يجب أن نعيد النظر فيها هى الإعلام الذى يسوق الأفكار الظلامية، سواء من خلال المحطات الفضائية أو المنصات الإلكترونية، فهذه عبارة عن جيوش لتسويق الأفكار المتطرفة وتمارس فى عملها غسل أدمغة الشباب.
■ حاول مفكرون على غرار محمد أركون وفرج فودة ونصر أبوزيد وغيرهم القيام بدورهم التنويرى فى مواجهة المتطرفين، لكنهم واجهوا التصفية بطرق مختلفة.. ألا يبعث ذلك على الخوف؟
– ما تعرض له فرج فودة وغيره من اغتيال يدل على أن الإرهاب الفكرى مستمر وقائم، وأن كل مختلف مع النقل والسلفية وباحث عن التنوير والعقل والنقد معرضٌ للتصفية.
وكذلك كان محمد أركون الذى كتبت عنه الكثير من الدراسات، وأعتقد أنه عانى الكثير من جماعة الإخوان ومن رموزها، مثل محمد الغزالى ويوسف القرضاوى، حين كانا يقيمان فى الجزائر، ومقربين من الرئيس الشاذلى بن جديد ونظامه، حتى إنه وصل بهما الأمر إلى حد طرد «أركون» من أحد مؤتمرات الفكر الإسلامى واعتباره ملحدًا.
لذا يحمل «أركون» جرحًا كبيرًا، خاصة أنه كان واحدًا ممن حاولوا تقديم الإسلام والثقافة الإسلامية بكل ما فيها من أبعاد روحانية واجتماعية إلى العالم.
ورغم كل ذلك أقول إن علينا ألا نخاف، فالمثقف والمبدع الحقيقى هو الذى يحمل جرأة فى قول ما يعتقده، دون أن يخشى دعاة الإسلام السياسى الذين يستقوون بالعامة، أو التآمر مع بعض الأنظمة فى السر والعلن، ولا يعرفون النقاش والفكر الجاد.
■ ألا تخشى على نفسك من ذلك الإرهاب؟
– الإرهاب له طرق متنوعة أهمها التخويف، لأن التفكير فى الموت أفظع من الموت نفسه، وسبق أن تعرضت شخصيًا لمحاولة اغتيال، بعد تفجير سيارتى وكانت ابنتى معى، كما أن بعضهم أطلق علىّ الرصاص مرتين خلال «العشرية السوداء»، لذا أعرف كيف يكون الخوف من الموت، وكيف أنه أكثر فظاعة من الموت نفسه، إذ يجعل صاحبه يتألم ويموت فى كل لحظة.
■ لماذا لا تنعكس معركة المثقفين مع الإرهاب بشكل جاد فى الإبداع الروائى العربى؟
– الكتابة عن مثل هذه اللحظات تحتاج إلى حساسية ولغة وخطاب جديد وقدرة على استعمال خطاب الآخر أثناء الكتابة، وسبق لى أن كتبت نصوصًا روائية بالعربية والفرنسية تتناول ظاهرة العنف والعشرية السوداء، منها «قبل الحب بقليل» و«الخلان» و«الساق فوق الساق».
كما كتبت دراسة حول الرواية فى «العشرية السوداء» وجدت فيها أن هناك أكثر من 370 رواية تناولت هذه الفترة بالعربية والفرنسية، وأغلبها كان مهمًا من جهة أنها تمثل شهادة تاريخية وإنسانية صادقة لعدد من الصحفيين والكتاب والنقاد، لكنها ليست قوية جماليًا ولم تستطع تناول الظاهرة إبداعيًا بشكل كافٍ.
■ أثار تصريحك بأن «الجزائريين يقدّسون أبوهريرة أكثر من تقديس الرسول نفسه» موجة من الانتقادات.. فما سياق هذا التصريح؟
– الهجوم الذى تعرضت له إثر هذا التصريح ناتج عن غياب الاجتهاد، فنحن- بما فينا الأزهر- ندرس حتى الآن كتبًا تعود إلى القرون الوسطى، دوّن أغلبها بطلب من الملوك والسلاطين، ما يعنى أنها تحاول توجيه النص فى اتجاه خدمة السلطان، كما تهدف إلى الإبقاء على الجهل وإزاحة الآخر المختلف.
والعطب الموجود فى الفكر الدينى سببه غياب الثقافة الدينية العميقة، وغياب الاجتهاد مع الاستحواذ السياسى على الدين من قِبل أحزاب وجمعيات إسلامية لا تفهم فى قراءة النصوص.
وكل ذلك حوَّل المجتمع العربى والمغربى إلى «قطيع» يميل إلى الاستهلاك أكثر من التفكير، كما أنه حوَّل الدين من حالة فردية روحانية وشخصية بين الإنسان وخالقه، إلى مسألة استثمار سياسى وجماهيرى من أجل الوصول إلى السلطة ومقاعدها.
وهذه المجتمعات المفرغة من الثقافة الدينية الصحيحة، هى التى تخلط الأوراق ولا تفهم أن البخارى ليس أكثر من شخص حاول أن يجتهد ويكتب، وما كتبه يستحق المناقشة.
وإذا كان الرسول نفسه لم يطلب من أحد أن يقدسه، بل كان ضد ذلك، فما بالنا اليوم نجد أن العامة يقدسون بعض الشخصيات فى التاريخ الإسلامى، بل ويقدسون أيضًا بعض الشخصيات الموجودة حاليًا.
■ تناولت روايتك «عطر الخطيئة» قضيتى زنا المحارم والجمع بين الزوجات من ديانات مختلفة.. فلماذا تعرضت للقضيتين الشائكتين؟
– فى المجتمعات العربية والمغاربية هناك تسامح مع الكراهية ومعاداة للحب، فأن تسب أحدًا أو تشتمه أو تصف امرأة بسوء فذلك يمر مرور الكرام، أما إذا قبلت حبيبتك أو عانقتها فهذه أكبر جريمة، وفى رأيى أن ذلك يعنى ادعاء الأخلاق ظاهريًا، بينما الحقيقة هى الفساد، فنحن من أكثر المجتمعات استهلاكًا لأفلام البورنو، لأننا نفكر فى الجنس أكثر من التفكير فى بناء دولة أو مؤسسات، ونمارس فى حياتنا ثقافة الاغتصاب.
وكتبت عن ذلك لأنى أحد المثقفين الذين يدعون لعودة الدين إلى الله والوطن للجميع، والمواطنة بالنسبة لى قبل أى أمر آخر، خاصة أن الدين مسألة شخصية بين الإنسان وربه، أما الوطن فهو مشترك بين الجميع وهو ما نحتاج إليه فى الجزائر.
والعلاقة المعقدة التى تناولتها فى الرواية التى جمع فيها «عبدالحق بن بولاى» بين 3 زوجات «مسلمة ومسيحية ويهودية»، هى إشارة رمزية إلى وجوب العودة لقراءة تاريخنا وفهم أن اللحظات الكبيرة جدًا فى تاريخ العرب والمسلمين هى التى استطاع فيها جميع معتنقى الديانات الإبراهيمية العيش معًا فى تسامح.
ففى الأندلس، فى القرن الــ12 الميلادى، نجد أن «طليطلة» هى النموذج الذى عاش فيه المسلمون واليهود والمسيحيون حياة مشتركة بكل تفاصيلها اليومية، فى الشعر والعمارة والتجارة والعلوم والفلسفة، ووقتها كان العلماء يجلسون سويًا لا يسألون بعضهم عن الدين، وإنما حول ما يضيف كل واحد منهم للبشرية.
■ فى رأيك.. لماذا تحتاج الجزائر لدراسة هذا النموذج فى الوقت الحالى؟
– الجزائر فى فترة ما كان بلدًا متسامحًا والثورة الجزائرية كانت نموذجًا لذلك، فقد شارك فيها المسلم والمسيحى واليهودى وكلهم كانوا يريدون بلدًا حرًا مستقلًا، وكثير من شهداء الثورة، من أجل أن تتحرر الجزائر، كانوا من المسيحيين واليهود، ومن بينهم الشهيد «فرناند إيفتون» الذى أعدمته القوات الاستعمارية الفرنسية بالمقصلة فى 11 فبراير 1957 وكان من مناضلى جبهة التحرير.
لذا علينا أن نعلم الجيل الجديد أن الدين ليس سياسة، لكن البعض للأسف يستثمره فى السياسة وهذا أمر شديد الخطورة، وأعتقد أننا نقع فى كثير من الأخطاء لأننا لا نقرأ تاريخنا جيدًا، ولا نعى اللحظات الإيجابية التى يجب أن نقدمها للأجيال الجديدة، كما لا نهتم بتنقيته من كل ما هو عنصرى ويمثل كراهية للآخر.
■ كيف ترى وضع المرأة العربية والجزائرية حاليًا؟
– أرى أن تخلف المجتمعات العربية والمغاربية ناتج عن إقصاء المرأة وتهميشها من الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والنظر إليها بنظرة سلفية ذكورية تختزلها فى الإنجاب، وهذه النظرة جعلت مجتمعاتنا متخلفة ولا يمكنها أن تتقدم فى ظل غياب الوجود الفاعل للمرأة.
وفى رأيى أن تجربة تونس فى مسألة مساواة الإرث أعطتنا مجالًا للنقاش، لأنها حملت رمزية إنسانية حول عدم وجود فوارق بين الرجل والمرأة، لذا أعتقد أنها من أجمل الأمور التى تحققت خلال 15 قرنًا.
■ ماذا عن المشهد الروائى العربى؟
– لدينا حاليا خطابان إبداعيان هما الرواية والسينما، وهما توأم، وإن كانت الأولى لم تستثمر التكنولوجيا كما فعلت الثانية، كما أن كثيرًا من الشعراء والنقاد تحولوا إليها وهذا ليس سيئًا، شريطة أن يمثلوا إضافة وألا يكونوا مجرد تكرار واتباع للموضة فى الكتابة التى تحتاج إلى التجدد باستمرار.
ففى فرنسا مثلًا تصدر نحو 700 رواية سنويًا، لكن هذا الكم الكبير يتجدد ويمثل تحاورًا مستمرًا مع الثقافات المختلفة والفنون التشكيلية والسينما والعمران والتكنولوجيا.
أما الروائيون العرب فيكتبون بعينين مغمضتين، وأغلبهم منفصلون عن باقى الفنون، خاصة التشكيلية، رغم أهميتها للإبداع، ورغم أن الرواية الناجحة لا يمكن أن تكتب دون التأثر باللون والجمال وفن العمارة وغيرها.
*****

*صحفيه مصريه

نقلا عن جريدة الدستور المصريه

شاهد أيضاً

فاطمة قنديل * /هذه بلاد تكره “الشاعرات”

هذه بلاد تكره “الشاعرات” سيحكون عن مغامرات الشعراء لكنهم حين يتحدثون عن مغامراتكن سيتذكرون دائما ...