الرئيسية / أخبار ثقافيه / غيتة الأزرق */ كيف واجهت قبائل غماره الاستعمار الاسباني

غيتة الأزرق */ كيف واجهت قبائل غماره الاستعمار الاسباني

قبائل غمارة في مواجهة الاستعمار الاسباني:

بني رزين أنموذجا:

قبيلة بني رزين هي قبيلة ريفية أمازيغية غمارية تابعة لاتحادية قبائل غمارة، وتحدها شرقا قبيلة كتامة، وشمالا قبيلة بني سميح، وغربا قبيلة بني خالد، وتقع وسط الريف على بضع كيلومترات جنوب شرق ساحل البحر الأبيض المتوسط عند النقطة الساحلية” بويرطو كباص Puerto Capaz” مدينة الجبهة، تبعد هذه الأخيرة حوالي 140 كلم عن مدينة تطوان، ويوجد في هذه القبيلة جبل يسمى جبل بني رزين يكاد يكون ملاصقا للبحر من جهة بلدة ترغة، وهو جبل حصين يوفر لأهله الأمان كما وصفه الوزان. يتكلم أهلها حاليًا اللغة العربية، وهناك أقلية فقط تتحدث لهجة البربرية الزناتية، فقد تعددت العناصر الوافدة عليها، وتضم قبيلة بني رزين خمس فرق، لعبت أدوارا سلمية في تثبيت السلم والهدنة بين القبائل الغمارية، في شخص قائده اليزيد بن صالح، حيث اشتهر اليزيد بن صالح، خلال فترة الاستعمار الإسباني بكفاحه ضد الاستعمار الاسباني إلى جانب الخطابي كما سنرى، حيث أسندت إليه قيادة جيش بني رزين والتنسيق بين قادة جيوش القبائل الغمارية، قبل أن يصبح باشا مدينة شفشاون، وتوفي بتطوان سنة 1957م. إن موضوع المقاومة أسال مداد الكثير من المؤرخين والباحثين وألفت حوله العديد من الكتابات، لكن بعض القبائل لم تنل نصيبها من هذا الزخم الوافر من الدراسات، مثل قبيلة بني رزين الغمارية. لهذا ارتأينا ولو بشكل مختصر النبش في تاريخ هذه القبيلة لما لعبته من أدوار طلائعية في التصدي للاستعمار الإسباني ومساعدة محمد بن عبد الكريم الخطابي في حربه التحررية ضد الإسبان عن طريق مده بالجنود والمؤن، لذا سنعتمد على بعض الرسائل التي تبودلت بين زعيم هذه القبيلة اليزيد بن صالح والخطابي، محاولين قد المستطاع المساهمة ولو بالنزر القليل في التعريف بدور هذه القبيلة في مواجهة الاستعمار الإسباني، فما هي إذن المراحل التي مرت منها قبيلة بني رزين للدخول في المقاومة ضد الإسبان؟ • التدخل الإسباني في قبلية بني رزين ومحاولة الاستعداد للتصدي لها. كان التدخل الإسباني بالقبائل الجبلية والغمارية عسكريا مباشرة بعد احتلال تطوان سلميا سنة 1913 من طرف الجنرال ألفاوAlfau ، مستعملة الرشاشات والبنادق والطائرات لقصف المداشر، تخويف القبائل وإرهابها، لكن سرعان ما تم التخلي عن الأساليب العسكرية واللجوء إلى السياسة السلمية للتخفيف من تكاليف الغزو الباهظة، واللجوء إلى سياسة استمالة الأهالي والشخصيات ذوي النفوذ الروحي والداعية على المهادنة، قبيلة بني رزين كانت متأهبة وتصدت لهذا التدخل المفاجئ محاولة أخذ الحيطة والحذر من السياسة الحربائية لإسبانيا. لقد لعب الكولونيل فرناندو كباص Fernando Capaz دورا أساسيا محاولا عرقلة المقاومة التي قادتها القبائل الغمارية وعلى رأسها قبليتي بني رزين، وذلك عن طريق توزيع الأموال على بعض الغمارين الطامعين في المزيد من النفوذ واكتساب مناصب مرموقة.ويتحدث علي داهش عن هذه القبيلة قائلا:” جل قبائل غمارة مشهورة بالطمع أكثر من غيرهم”. ونتيجة لهذا حاول الرزينين البحث عمن يدعمهم ويحميهم من بطش الإسبان، ففكروا في طلب الدعم من محمد بن عبد الكريم الخطابي، فاستجاب الزعيم المذكور سريعا لهذه الدعوة وأرسل أخوه على رأس جيش كبير لاستعادة المناطق الساحلية ومحاصرة جيش الكباص Capaz، لكن هذه الخطة لم يكتب لها النجاح بسبب المتعاونين مع الكباص والذين تلقوا أمولا طائلة، كما ذكرنا سالفا. وبهذه الطريقة برزت المقاومة القروية بالقبائل الغمارية المتعطشة للدفاع عن الوطن بكل الإمكانيات لدحر المستعمر والتمتع بالحرية والاستقلال، وبرهنت لإسبانيا من خلال كفاحها، بأن المغاربة ليسوا سذجا كما وصفتهم. وقد كان محمد بن عبد الكريم الخطابي يهيأ القبائل سكان البوادي عامة والغمارية خاصة، بالوعي بالدفاع عن حوزة الوطن، فعمل على ربط علاقات مع زعماء القبائل، بالمقابل أنشأ العديد من المؤسسات والتجهيزات حتى تستمر هذه العلاقات في إطارها القانوني. • اندماج قبيلة بني رزين في حركة محمد بن عبد الكريم الخطابي. فتح انتصار المقاومة الريفية في معركة أنوال سنة 1921م، الباب أمام الخطابي لدعوة القبائل للاندماج في مشروعه التحرري، الذي أحكم التخطيط له ورتب كل جوانبه السياسية والعسكرية، وكانت قبيلة بني رزين من بين هاته القبائل التي اندمجت بقوة في هذا المخطط، كما شكلت ظاهرة التواطؤ السابقة الذكر، تحريك الشعور الوطني عند القبائل الغمارية وتوافدوا على عبد الكريم طالبين الانخراط في صفوفه لدعم مشروعه والتصدي للإسبان مقدمين جميع اشكال الدعم. ولقد ظهر هذا التعاون جليا من خلال الرسالة التي بعث بها محمد بن عبد الكريم للقائد اليزيد بن صالح طلبا للدعم، ومنذ هذه الفترة توطدت العلاقة بن قائد قبلة بني رزين والمقاومة الريفية في زعيمها الخطابي، وبدت القبائل تتوافد على عبد الكريم وتعبر عن رغبتهم الصادقة في التعاون معه ضد الاستعمار. ويضيف العربي اللوه والدور الذي قام بمعية بن عبد الكريم في إغراء قبائل جبالة وتحريض رجالها على توحيد الصف والنضال ضد المستعمر، مؤكدا أن أبطال المنطقة عرفوا عموما بشجاعتهم وتمرنهم على الكفاح والنضال وصبرهم على تحمل الشدائد، وأقصى المصائب وأفدح الأزمات. مضيفا أن أبطال المقاومة أنشأوا الثورة ضد الاستعمار وبذروها في جميع أنحاء العالم رغم عوزهم وفقرهم، وفقدهم لجميع الامكانيات. تزامنت فترة دخول قبيلة بين رزين في المقاومة المسلحة مع مجيء المفوض السامي الإسباني دماسو برينغرDamaso Berenguer الذي قامت خطته على غزو القبائل الجبلية، احتلال بلاد جبالة من الشمال الشرقي والجنوب الغربي من البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وبالتالي التسرب إلى خليج الحسيمة بفضل بعض المتعاونين، وبالفعل حقق برينغر جزءا من خطته الرامية إلى غزو بلاد جبالة، في هذه الفترة، مثلا منطقة بني رزين، كانت القرى الساحلية تحت سيطرة الإسبان، كالجبهة بقبيلة متيوة، وتغسة بقبيلة بني سميح، وأمتار بقبيلة بني جرير، وهكذا على حدود واد لاو، فنزل امحمد الخطابي أخ الزعيم الخطابي إلى منطقة غمارة، بجيش قوامه 300 جندي يرأس كل 100 قائد، هم: موح بن عمر الجوع من بني ورياغل، وعمر بن موح من بني سعيد، وعمر بوكليط من بقيوة، وانضم إليهم المتطوعون من جل القبائل الغمارية. أما قائد بني رزين اليزيد بن صالح فقد قام بتجنيد أقصى ما أمكنه من سكان بني رزين، فأقدم بهم على جيش بن عبد الكريم فتقوى هذا الأخير وبدأت معاركه ضد الإسبان وبدا يهاجمهم في المناطق التي سيطروا عليها قرب واد لو. وتذكر المؤرخة” ماريا روسا مادرياغا” طابع الحماس الذي عرفه سكان قبائل الريف، حين جعلهم يلتزمون بتنفيذ أوامره، ومضامين رسائل الزعيم، على امتداد تاريخ المقاومة المسلحة، تبرز العلاقة الوطيدة بين قبائل جبالة والريف في صد العدوان الإسباني؛ قبل وبعد توقيع الحماية على المغرب. هذه الخطة الشجاعة تبرز مدى بسالة المقاومين الرزينين الذي شاركوا في هذا الهجوم، وجراء هذا الإنجاز النبيل قام الخطابي بتشيع القبائل ورؤساء القبائل وتهنئته عن البلاء الحسن الذي أبلوه في سبيل الوطن. لكن الإسبان لن يقفوا مكتوفي الأيدي جراء هذا الانتصار، بل قاموا بنشر المخابرات السرية برئاسة الكباص بهدف عرقلة المقاومة بغمارة وتفكيكها، حيث قام هذا الأخير بدعم مجموعة من قبائل بني جرير وبني سميح، ودفعهم للتشويش على القبائل المرابطة، عن طريق قطع أسلاك الهاتف التي كان محمد بن عبد الكريم قد ربطها سابقا من بني ورياغل إلى مراكز المقاومة. لقد غيرت هذه المحاولة من خطة الخطابي الأخ الذي قام بإعادة توزيع الجيش وتعزيز المراكز الاستراتيجية بأكبر عدد ممكن من الجنود، وكان للقائد اليزيد بن صالح دورا طلائعا في هذا التوزيع، إذ حالت هذه الاستراتيجية دون نجاح أعمال الكباص، حيث تمت محاصرة المتهورين من أتباعه وسحقهم والقضاء عليهم، وقطع أمل الإسبان في المناطق التي استولوا عليها قبل ذلك، مما جعل الإسبان يتعرضون للعديد من الخسائر. ويعود الفضل في ذلك إلى مناعة المقاومة، وإلى زعيم الثورة محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي تميز بنمط جديد من السلوك في تدبير العلاقة مع المحيط، محترما الميكانزمات المعهودة التي تضبط العلاقات بين الأفراد والمجموعات. فحينما يقبل انضمام قبيلة من القبائل لصفه، يحترم زعامتها المحلية ويزكيها في مركزها القيادي. هكذا تمكنت المقاومة الغمارية عامة والرزينية خاصة من المساهمة في إجلاء الإسبان من المراكز التي احتلوها، والدليل هي تلك الرسائل العديدة المتبادلة بين الخطابي القائد بن صالح، مثل الرسالة التي تضمنت أمر الخطابي للقائد المذكور بتزويده بالسلاح لدعم المقاومة، والتي جاء فيها:”.. وبمجرد وصل هذا الكتاب إليك ابعث للحركة بتكساس بالباقي عندك من السلاح في إيالتك علة الفور دون تسويف… أعانك الله والسلام”، فقد كان القائد اليزيد سريعة الاستجابة لطلب بن عبد الكريم وهو ما أوضحه في رسالة أخرى قائلا:” وبعد فقد وصلنا كتابك واستفدنا منه ما أخبرت به من وقوفكم مع محاربة العدو، وقوف الجد وثبات الصابرين وذلك المؤمل فيكم جزاكم الله خيرا”. تبرز هذه الرسالة ملامح الالتحام القوية بين القبائل، خاصة قبيلة بني رزين، والتنسيق بينهما في محاصرة المستعمر وتشديد الخناق عليه، فقد نجح القائد اليزيد بن صالح في خوض حرب اقتصادية على الإسبان المرابطين بناحيته، وذلك نتيجة الدعم الذي تلقاه من بن عبد الكريم، لقد أدى هذا إلى جعل الاسبان ينسحبون من عدة مراكز كانوا قد احتلوها قبل بدء المقاومة، مما جعل قائد الحكومة الإسبانية ريفيرا يستعد للانسحاب من جميع المراكز خارج تطوان. وخلاصة القول، كل ما يمكن تأكيده أن هذا الموضوع فبالرغم من ما كتب عنه فإنه لم ينل نصيبه الأوفر ولازالت العديد من جوانبه مغمورة، وما هذه الأسطر القليلة إلا محاولة منا الكشف عن بعض نقطه المهمة، لكن ليس هذا كل ما يكمن قوله بل هناك العديد من الأحداث المهمة لم يسعنا هذا المقال لإدراجها وهي غاية في الأهمية، نظرا للدور الريادي الذي لعبته هذه القبيلة في التصدي الغزو الاستعماري ومقاومة خطة الإسباني التوسعية.

* باحثة في تاريخ الحماية الإسبانية بالمغرب جامعة محمد الخامس، الرباط ـ المغرب

شاهد أيضاً

صفاء عبد السلام* / برجاء تضييع الثقة

إن الثقة المطلقة في خبرات الآخرين وثقافاتهم ومعارفهم وامكانياتهم الخارقة للعادة تعد من الموروثات التي ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *