الرئيسية / غير مصنف / محمد شوقى الزين * يكتب:الفلسفة العربية في اليوم العالمي للفلسفة

محمد شوقى الزين * يكتب:الفلسفة العربية في اليوم العالمي للفلسفة

محمد شوقي الزين*
في اليوم العالمي للفلسفة، الذي صادف 17 من نوفمبر هذه السنة، كنتُ قد دعيتُ من طرف رئيس الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية للمشاركة في هذه اللحظة الفلسفية. غير أن السفر خارج الوطن، لم يتح لي الإدلاء بدلوي. أنشر هنا نصاً، كان من المفروض أن يُنشر في ملف حول “الفلسفة في العالم العربي”، ولم ير النور (على ما أعتقد).

لقد راهن العديد على موت الفلسفة، وهي اليوم كما كانت بالأمس، بمعنى طريقة مساعدة في ربط علاقة بالوجود تفكيراً وفعلاً وتأويلاً. لماذا لم تمت الفلسفة إذاً، رغم الضربات العنيفة من طرف منافسين: الدين من جهة، العلم من جهة أخرى؟ لسبب بسيط وهو أن الفلسفة مترسّخة في شيء جوهري في الإنسان وهو التفكير. نفكر مثلما نحلم ومثلما نتنفَّس؛ ومعنى التفكير هو العيش وُفق الطبيعة، هو النظر في الآن، وانتظار الآتي، بما يحمله من نفحات في المعنى، وأشكال في الكينونة. صحيح أنَّ الفلسفة خضعت مثلها مثل المعارف البشرية الأخرى إلى نظام في تقسيم العمل، فأصبحت فلسفة مدرسية أو سكولائية، تنتج مذاهب وفلاسفة، وتُدرَّس في مراكز التعليم وفي الجامعات. غير أنَّ الجوهري (l’essentiel) الذي تقوم عليه وهو التفكير، هوية الإنسان وأرضه العقلية، يجعلها في تواشُج مع المعارف الأخرى، وفي متناول كل شخص من خاصيته التفكير.

أما الحاجة إلى الفلسفة، فهي الحاجة التي تمليها الرغبة في التفكير في المعيش، في التأمُّل في القضايا الكبرى التي تمسُّ الإنسان في جوهره: السعادة، الإيمان، الحياة، العمل، العنف الموت. يمكن أن نستعمل استعارة ساذجة، لكنها بيداغوجية في تبيان هذه الحاجة إلى الفلسفة: الفلسفة بالمقارنة مع الإنسان، كالغذاء بالمقارنة مع الجسم العضوي. فهي بمنزلة الغذاء الرمزي والروحي لإنسان لم ينفك عن طرح الأسئلة الكبرى والاستفهام حول الوقائع المدهشة. تمدُّه الفلسفة ببعض الأدوات في طرح الأسئلة الهادفة والبحث عن الأجوبة السديدة، بما يروي غليله. عندما أدركنا قيمة الفلسفة بالنسبة لما هو جوهري وأساسي في الإنسان، ألا وهو التفكير، أدركنا وقتها الحاجة للفلسفة، لأن الفلسفة إنسانية تكون أو لا تكون، من صُنع الإنسان لأجل الإنسان. ويتمُّ اليوم التفكير بجدّية لإدراجها في المدارس الابتدائية في الغرب. لقد كان هنالك العصر الذهبي لما سُمي “الأنثروبولوجيا الفلسفية” وحان الوقت لإعادة إحياء هذه الفلسفة الإنسانية أو هذه الإناسة الفلسفية التي تطرح على ذاتها قضايا ومشكلات من صُلب معيشها في أشكاله السعيدة أو الشقية. لماذا نظرة العربي للفلسفة هي نظرة احتقار واحتراس؟

لذلك أسباب تاريخية بانتصار النزوع الدغمائي الرافض لكل أشكال النظر في الدين؛ وكأن الفلسفة والدين عدوان لا يلتقيان، وكان ابن رشد قد أظهر بالأحرى تآزرهما المشترك من وراء الأمر “الجوهري” الذي يقوم عليه الإنسان وهو التفكير والتأمُّل. ثمة أيضاً أسباب وقائعية (سياسية واجتماعية) ذات خلفيات في السلطة والهيمنة. كل من يسحب البساط من تحت أمير أو سلطان، فهو في عداد “المغضوب عليه”، وحالة الفلاسفة المطرودين والمغضوب عليهم عبر التاريخ مثيرة، لأن الفلسفة، بما هي تفكير حرّ، نابع من “الجوهري” في الإنسان، فهي مضادَّة لمن يسعى للتجهيل وتطويق التفكير الحر.

قد نتساءل: ما الجدوى من الفلسفة في أقاليم عربية تبحث عن ملأ البطون وإعمار الحياة بالزينة والرفاهية؟ الحديث عن الفلسفة بمنطق الذرائعية هو إهدار للأمر الجوهري والفذّ الذي تقوم عليه، ألا وهو التفكير. لا نتجادل حول دور الفلسفة في بلد فقير مثلاً حيث لا تجد البطون ما تسدُّ به جوعها. لأن هذا سؤال مزيَّف. ثمة أمم فقيرة أصبحت غنية بجعل التفكير الهادف في مصاف المنهج والرؤية الحصيفة للحياة. السؤال بالأحرى: كيف توفّر الفلسفة أدوات التفكير القادر على مغادرة الوضعية السافلة من الوجود؟ كيف تصاحب الإنسان العربي في الاشتغال على ذاته والتفكير جوهرياً في تراثه وفي سلوكه السياسي والاجتماعي؟ أي: كيف تساعده على الارتقاء إلى مصاف الرؤية الحصيفة والهادفة؟
* باحث جزائري متخصص في الفلسفة

شاهد أيضاً

الباحث يونس عشور، :هيغل فيلسوف الحرية والقانون

هيغل فيلسوف الحرية والقانون ———   تشكل  الحرية مفهوم أساسي في فلسفة هيغل بشكل عام، ...