الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. فوزية ضيف الله*/قراءه في كتاب رسول محمدرسول (هيا إلى الإنسان)

د. فوزية ضيف الله*/قراءه في كتاب رسول محمدرسول (هيا إلى الإنسان)

من عتمة الغريزة إلى نور الإنسانية

(هيا إلى الإنسان).. رؤية فلسفية

صدر للفيلسوف العراقي رسول محمد رسول كتاب جديد عنوانه (هيا إلى الإنسان.. من الكائن البشري إلى الموجود الإنساني) الصادر عن مركز سلطان بن زايد في أبو ظبي (2018). ويُعدّ هذا المؤلّف الجديد أثرا متفرّدا ومتميّزا في المسيرة الفلسفية للفيلسوف العراقي تتشكّل فيه المفاهيم وتُنحت على جهة البحث عن “الإنسان”، خروجا من الطور الغريزي الذي يتعيّن في القسم الأوّل من العنوان “الكائن البشري”، إلى الإنسان المتفرّد في الوجود، كما يشير إلى ذلك القسم الثاني من العنوان “الموجود الإنساني”، وهو الذي “يصنع الحياة الأبهى والأجمل للإنسانية”.

امتدت رحلة الطواف الباحثة عن الإنسان، على ستّة فصول استهلّها أستاذ الفلسفة الألمانية برسالة يستدعي فيها إنسانية القارئ، ويستثني منها كلّ ما يحول دون اكتمال هذه الإنسانية، أي ما سمّاه “الغريزة البشرية”، هذه الرسالة هي “رحلة إلى  الإنسان ذاته، إلى الإنسان فينا”.

التحرّر من الاستعلاء

لقد فكّك الفيلسوف المفاهيم الدالة على التمركز الاستعلائي باحثا في أصولها الإغريقية ورابطا دلالاتها الاشتقاقية قديما بدلالاتها الاصطلاحية في المرحلة المعاصرة.  يعود الاستعلاء إمّا إلى تمركز عرقي أو غربي أو ديني، وتشترك هذه التمركزات كلها في تكريس رؤية تميّز طرفا عن طرف، أبيض عن أسود، غربي عن عربي أو ديانة عن أخرى. يستدعي رسول محمد رسول الإنسان في الرؤيةالقرآنية، ويعود للآيات التي تحتفي ضمنيا بنزعة إنسية، وينظر في جملة الأحاديث النبوية التي رسخت جملة من المعاني الإنسانية ظلّت راسخة إلى اليوم وإن كانت “الإنسية الإسلامية” في هذا السياق لم تتشكّل بعد كمفهوم أو كمذهب. يبدو النصّ القرآني ثريّا بعبارات “الإنسان” و”الإنس” أو “بني آدم” و”ابن آدم”، وهو الذي شُرّف بأجمل الصفات وأعلى المراتب.

تبدو المكانة الأنطولوجية للإنسان في القرآن، مكانة متراوحة بين الخير والشر وبين الثواب والعقاب، ولا سبيل للخروج من التأرجح إلاّ بالعقل الذي يميّزه عن المخلوقات الغريزية الأخرى؛ فالإيمان بالإنسان إنما هو إيمان بالعقل، وبالحرية. لا تخاطب الأديان الإنسان الذي يولد ويتكاثر ويموت، لكنها تخاطب الإنسان الموجود، الذي يتحقق كحرية وكسيرورة منتجة وفاعلة، خُلق الإنسان لذاته، أنثى أو ذكر، ليتواصل تقديسا لحق الاختلاف ويتطوّر ويتقدّم، تشريفا وتكليفا. إنّ الإنسان التعارفي هو إنسان الدازين الهيدغري، منفتح على نوافذ المفهومية والمعروفية، متحرر من الاستعلاء، ومن الانغلاق.

الحق بالأنسنة

يعود المفكّر العراقي إلى جذور “فكرة الأنسنة” في الموروث الفلسفي والثقافي ، ليجد أنّها  في الأصل حقّ مشاع منذ القدم، عبّر عنها عبد الرحمن بدوي في كتابه (النزعة الإنسانية والوجودية في الفكر العربي، 1947)، ومحمد أركون في كتابه (نزعة الأنسة في الفكر العربي) الذي درس تجربة ابن مسكويه الإنسية، وقبلهما الخلفاء الراشدون ومثقفون آخرون من القرن الأول للهجرة.  

ولعلّ أبرز حدث في تلك الفترة  هو انبثاق “فكرة الأنسنة” في مطالع (الرسالة/ العهد) التي كتبها الخليفة/ الإمام علي بن أبي طالب لعامله مالك الأشتر، احتوت الرسالة روحا جنينية للنزعة الإنسانية، تصدّت للقمع والتهميش، وأرست منظرا هويّاتيا إنسانيا مشتركا يرزخ بمرجعيات مختلفة ومتنوعة.

 لقد توّجت هذه النزعة نحو “التطلّع الأنسي” في إيطاليامن القرن 14م إلى القرن 16م. فولد الإنسان، مرة أخرى، ولادة مختلفة، وتطوّر مصطلح “الإنسيين” ليصبح “النزعة الإنسية”. غر أنّ هذه النزعة صارت عرضة للتطرّف عندما اقترنت بصناعات أيديولوجية، انتسبت إليها أو خلقتها لنفسها. لتتواصل مع إدوار سعيد في كتابه (الأنسنية والنقد الديمقراطي)، الذي لا يتفكّر الإنسانية؛ بل في الأنسنية، وهو لا ينظر إليها كمذهب (Humanism) ولا حتى كنزعة (humanity)؛  بل كممارسة.

لقد وقع حصر “الأنسنة” ومحاصرتها لدى الزراعيين الأمريكيين، ولجّوا بها في منحى متعصب، يسّر انتهاكها وكرّس لها العداء وخصوا بها فئة دون غيرها، في حين أنّ رسول محمد رسول كان يضمّ صوته لإدوارد سعيد مناديا بربط الأنسنية “بالمشترك الإنساني” أو “بممارسة المواطنة التشاركية” (إدوارد سعيد). لكنّ التساؤل قائم هل لكلّ لغة أنسنيّتها إذا كانت هذه النزعة تُخلق في اللغة، وفي منتجات اللغة تاريخيا؟

إنسانية مفرطة في الإنسانية

تبدو المسيرة الإسلامية في فهم المفكر العراقي رسول محمد رسول، “إنسانية مفرطة في الإنسانية”، يرتكز جوهرها على الطابع الإنسي، وتكتسي أبعادا تاريخية وأخلاقية وأنطولوجية، إيمان مطلق بالإنسان، فالإنسان كائن لله وكائن لذاته كما يقول عبد الوهاب بوحديبة في كتابه (الإنسان في الإسلام).  

تناول محمد العزيز الحبابي في كتابه (الشخصانية الإسلامية) في نظر بوحديبة –  الذي مثّل تاريخانية الأصل وعصرانية الرؤية – جانبا واحدا من النزعة الأنسنية في القرآن وفي اللاهوت الإسلامي، فهي في نظره أكثر شمولية وأكثر منهجية. وقد ثمّن رسول محمد رسول  جهود بوحديبة في تأصيل تجربة ابن رشد، المنبثقة من الجاحظ ومن التوحيدي، وعرّج  على عباس محمود العقاد ومرتضى مطهري بعد أن ركّز على تجربة ابن طفيل في الإبانة على ثراء الإنسية الإسلامية، وكان ذلك فاتحة انتقال الإنسية إلى أوروبا قبل أن تشمل التاريخ الكوني كلّه.

الأنسنة المنقوصة

يُوجّه رسول محمد رسول لومه لجوليا كرستيفا، لكونها  أقصت الإسلام  في حديثها عن الأنسنة واكتفت بالاشتغال على بلاغة  اللاهوت اليهودي والمسيحي، ماضيا وحاضرا. إنّها تقفز إلى الموروث الغربي متناسية الموروث العربي الإسلامي، استعلاء غريب لدى مفكرة تفتخر بغربيتها وتستشهد بدانتي الذي أضرّ بالإسلام في (الكوميديا الإلهية – النشيد الثامن)، مكرّسا لمركزية مسيحية موغلة في الاستعلاء، لا يبدو دانتي من المدافعين عن الأنسنة في قراءة رسول محمد رسول؛ فرؤيته للآخر مشحونة بالكره الصارخ!

بل توغل جوليا كرستيفا في الإساءة للإسلام  من خلال تأويلية خاطئة لنصّ دانتي نفسه. وإن حاولت كرستيفا إرساء “أنسيّة علمانية” في مقابل “نزعة تأليهية للإنسان” متحدية الفاتيكان، داعية لإعادة قراءة النصوص الدينية، فهي تحشر القرآن في لائحة الأساطير التي ينبغي تجاوزها.

لا تعتبر فيلسوفة التناصّ تأسيس الإنسية رهانا روحيا أو تمرينا ذهنيا؛ بل رهانا علميّا، لذلك سمّاها الفيلسوف العراقي “الإنسية المنقوصة”، لكونها تصدر عن أنثوية متمركزة، مستعلية، منتصرة للغرب، في حين أنّ الأنسنة تشمل كلّ التأريخ؛ السماوي، والإنساني والأسطوري.

التأويلية الإسلاموية

طالما تهيمن الغريزة، ستستباح الأنثى، لذلك كان كتاب (هيا إلى الإنسان) مغادرة للكائن البشري (الغريزة) نحو الموجود الإنساني (الإنسان). يستوعب مفهوم “الموجود الإنساني” الإنسان عامة؛ ذكرا كان أم أنثى؛ بل إنّ الفيلسوف العراقي هاهنا يدافع عن الأنثى المستباحة تحت وطأة الغريزة البشرية المدمّرة.

تبدو الغريزة موطنا أصليا لكل أنماط العنف المتوحشة، مهما ارتبطت بسياقات مقدّسة توهم بشرعيّتها الواهية؛ فلا ينبغي توظيف المقدّسات لتحقيق استراتيجيات العنف الطائشة، فكم من مشهد مؤلم مرّ بإيعاز من رايات المقدّس الديني أو باسم الدّين الإسلامي؟

يدعو رسول محمد رسول إلى الحدّ من دوّامة العنف من خلال الحدّ من الممكنات التأويلية المخيفة والخاطئة، وعبر إنشاء رؤية تشرّع للتعايش السلمي، من داخل النصّ الدّيني نفسه، احتراما للمعيش وللمُعاش.

إنّ قيام الإنسية أو اندثارها يكون رهين الفاهمة التأويلية الإسلاموية، فالقراءة التي تحرّف هي السياق الذي تموت فيه الإنسية وتتلاشى. لذلك يعبر رسول محمد رسول هذه الفاهمة ناقدا شاخصا، إنّ القراءات المفخخة هي قراءات تلفيقية، مبرمجة، عقائدها تكفيرية، طائفية، وتهديميّة. تدمّر الإنسانية تحت وطأة عقائد جذرية، تشرّع للدموية والوحشية بتوسّط الكره المزدوج؛ كره الذات في تنوّعها وكره الآخر من غير الملّة.

يخترق العنف كلّ المجالات باسم الجنة الموعودة، مستبطنا شرا كامنا ومُظهرا سلوكات  ميدانية مشينة، تصبح فيها الأنثى وليمتها الأولى، ويكون فيها “المجاهد” قاتلا ومقتولا.  فكيف يصبح العنف باسم القداسة وليمة بشعة لإبادة الإنسان؟

فيلسوف الإنسانية المأمولة

لا يحتفي التدميريون الأصوليون بالإصلاح، لذلك غاب لديهم البديل الإصلاحي.  كما لم يستندوا إلى مقولات عقلانية، لذلك غاب لديهم الاهتمام بالكينونة الإنسانية. إنّهم متأسلمون مخادعون، سواء كانوا قدامى أو جدد، تقسيماتهم للإنسانية مؤدلجة وكينونتهم جهوية وشاذّة، تقود إلى عنف ميتافيزيقي مطلق. يفضح رسول محمد رسول الكائن الغريزي الداعشي الذي يعود بالأنثى/الوليمة  إلى الوراء، اختراقا لراية الإسلام المقدّس ويفضح مخيالا ذكوريا متطرّفا أقرب إلى معاني الحيوانية. يشيّدون “طقوس العري” ويبيعونها في سوق النخاسة، نفس بهيمية تعبث بالأنوثة /الإنسان، في حين أنّه من الأوجب التمسّك بإنسيّة قوامها الحريّة المشتركة لبناء تداولية للموجود الإنسانيّ. 

إنّ الإنسانية هي تلبية للنداء، نداء  ممكنات الحرية المتعقلة والمسؤولة لأنها إرادة واختيار، مؤمنة بالموجود الإنساني لأنها تؤسّس كيانا لحريّة مُعاشة ومشتركة، تلبي نداء الربّ المقدّس وتحفظ كرامة الحياة. ينشد المفكّر العراقي إنسية إسلامية ممكنة قوامها العيش المشترك المرن، إنسية تحدّد تأويلية مختلفة لمفهوم “المقدّس الديني”، تدرس بجرأة أدبيات العنف على اختلافها، وتحيي مفاهيم “الإنسية الإسلامية” ضمن عقلانية إنسيّة.

الشرانية وفجر الإنسانيّة

يعود رسول محمد رسول إلى الإنسان، لإحياء مبدأ الإنسان في الإنسان الكائن، هو الإنسان الذي فقد وزنه ومكانته،  يظهر “خفيفا” كرقم في عالم إلكتروني؛ بل صار “نسيا منسيّا”.

يغدو نداء الفيلسوف العراقي “هيّا إلى الإنسان” استنهاضا للمثقف، للضمير الجمعي في الإنسان، إنّ النهوض بالإنسان هي مهمّة كلّ مثقّف، فهو الذي يدعوه إلى خلق أجواء “السكن الأنطولوجي الإنسي”، وهو الذي يبادر بإرساء ثقافة التسامح إجرائيا لا مفهوميّا، ويبتني أفقا للتعارف الخيّر. ذلك هو الوزر الذي يلقى على عاتق الفيلسوف اليوم وغدا، هو وزر “العالم هنا – بحسب لغة هيدغر- بوصفه مأخوذا بعين الانشغال كعالم محيط”.

يقتضي “فجر الإنسانية” إحياء مبدأ الإنسان، مبدأ نظيرية الخلق، مبدأ الهويّة الإنسيّة، مبدأ التعارف الإنساني، تجاوز أطروحة جان جاك روسو التي تعود بالإنسان إلى الطبيعة الأولى، وتصوّر التراث على أنّه تجربة إنسية مشتركة.

ينبثق الموجود الإنساني في هذا الكتاب “فجرا صادقا”، تاركا “مرجعية هجينة” هي الكائن البشريّ. تلك هي رحلة الفيلسوف العراقي رسول محمد رسول، رحلة الطواف “المقدّس” حول الإنسان.

*نونس

شاهد أيضاً

مؤتمركلية الإعلام الثامن بالآهرام الكنديه يكرم د. سعيد اللاوندي

تنطلق الأربعاء القادم فعاليات مؤتمر العلمي الدولي الثامن لكلية الإعلام بجامعة الأهرام الكندية بعنوان « ...

2 تعليقان

  1. Avatar
    د. رسول محمد رسول

    شكرا لك دكتورة فوزية ضيف الله على هذه القراءة المكثفة والدقيقة. ممنون لك ..

  2. Avatar
    د. رسول محمد رسول

    شكرا لك دكتورة فوزية ضيف الله على هذه القراءة المكثفة والدقيقة. ممنون لك ..