الرئيسية / أخبار ثقافيه / فرج مجاهد* /قراءه في كتاب اللاوندي:حكايات قريتنا

فرج مجاهد* /قراءه في كتاب اللاوندي:حكايات قريتنا

في عزبة المهندس كانت لنا ذكريات
سيمفونية الانتماء وأسطرة الولاء للأرض والإنسان

مَن للمفكر المبدع الذي أمضى حياته في محراب الفكر والتفكر ينازعه حب صوفي، ووجد إيماني حصيف للأرض التي ولد فيها، وتنسّم هواءها، وعاش على خيراتها، ترعرع في أحضان بيوتها الطينية المفتوحة دائماً لكل زائر غريباً كان أم قريباً، وقد فتحت أبوابها على الحب الجمعيّ يلمُّ كل من فيها من أراضٍ وناسي وعلاقات في منظومة الحب والعرفان، والخوف على مصالحها العامة والتمسك بأصالتها الموروثة والتي لابد أن تورّث للأجيال القادمة، ولذلك اشتغل على نقد الأوضاع السلبية التي تسئ إلى وجودها وجهد ناسها عبر الأجيال، فيغرس قلمه متداخلاً في مشكلاتها، ناقداً لسلبيَّاتها، كاشفاً عن مواطن الخلل فيها، واضعاً يده على كل ما يشدّها إلى الخلف مَن لكل ذلك غير ابنها البار ومفكرها الحصيف وما أصابها من إهمال وتقصير بسبب الجهلاء وأنصاف المتعلمين والمرتزقة الذين أتقنوا سبل الحيل والكذب والالتواء على القوانين، وهدر المرافق العامة على حساب مصالحهم الخاصة.
هذا الغوص الجاد والجرئ المدفوع بحب الأرض وحرصاً على مصالحها العامة، أبحر الدكتور “سعيد اللاوندي” في قضايا العزبة التي ولد فيها، عزبة المهندس التي كانت له فيها ذكريات لا يمكن للعقل أن ينساها، وللعقل أن يغفل عنها والشعور الوطني والإنساني أن يتجاوزها ، فأشرع أبواب ذاكرته لتغوص في حالاتها وإحالاتها، فكان كتابه (حكايات قريتنا ) ” شاهد عمر وحياة أرض وناس ومجتمع، مؤكداً على دور المثقف في التنبيْه والتركيز على السلبيَّات في المجتمع المصري عامة والمجتمع الريفي الذي ما زال معظمه بحاجة إلى إشاعة التنوير والتثقيف بين ناسه ومجتمعه.
في سيرة مبدعنا، وهو مفكر سياسي مرموق وخبير دولي في الشئون الأوربية ونائب رئيس تحرير جريدة الأهرام سابقا وصاحب فكر استراتيجي غير منتمي، ورئيس تحرير مجلة “هوامش” الثقافية التي تصدر على نفقته الخاصة، وصاحب عشرات الكتب في الفكر السياسي والثقافي، حاز درجة الدكتوراه في الفكر السياسي عند عباس العقاد من جامعة السوربون في باريس، وصاحب العديد من القضايا الثقافية والفكرية ضد العديد من رموز العهد البائد، عهد حسني مبارك.
في هذه السيرة التي كتبها وخصصها عن قريته التي ولد فيها نرى أنموذجاً حياً لذلك الدور التنويرى الذي ما بخل فيه بالنقد الإصلاحي لقرية عانى من ظلم أهلها الكثير من التعنت والجهل والركوض خلف المصالح الخاصة ، على حساب المصلحة العامة.
نهض الكتاب على أسلوب السيرة الذاتية التي لا تخص إنساناً بمفرده وإنما هي سيرة مكان وزمان وناس وعلاقات عامة وخاصة، ولذلك كان أسلوب التذكر المرجعي هو السائد في بنية الكتاب الذي يعدُ من أهم الكتب التي عنيت بمساحة جغرافية محددة اسمها عزبة المهندس التي شهدت ولادة المؤلف عام 1955 مشيراً إلى أنه لم يتعلم حرفاً واحداً في العزبة وإنما تعلم فقط من رجال القرية “الذين كانوا كلهم أعماماً لي وكذلك نساء القرية اللائي أحترمهن جميعاً وكانوا في حكم الأمهات لي ، والحق أقول: إن عزبة المهندس كانت مرتع صباي، وكنت أعتزَّ بها وأحمل حبَّها بين جوانحي أينما سْرت أو حللت” ص7
ينهي دراسته في جامعة القاهرة قسم العلوم السياسية ويسافر بعدها إلى باريس وأكمل دراساته العليا وعاد ليعمل في مؤسسة الأهرام ولأن جذوره ممتدة في عروق عزبة المهندس آلمه ما وصلت إليه رابطاً أسبابه بأنصاف المتعلمين الذين أساءوا إليها ويُشير كيف كان الحال الاجتماعي المتكاتف في العزبة مما جعله يحترم الآباء والأجداد الذين تركوا لنا سلوكياتهم التي تُعتبر مثالاً يُحتذى في العزبة ولم يفكر أحد في مصالحه الخاصة وتحويل العام إلى خاص وسبوبة من أجل أن تتحقق مصالح ضيقة أقول الحق لقد كنت فخوراً بعزبة المهندس وبأهلها الطيبين وبشبابها الواعد؟
ولما كانت العزبة دائماً في خاطره ، يفتح أبواب ما تخاطر في حياته وذاكرته ليتداخل مع العزبة واصفاً حدودها الجغرافية التي تعود لصاحبها “الكونت عزيز دي صعب” الذي أسس أول مدرسة أوكل مهمتها إلى أحد مشايخ بلدة كفر الترعة القديم كما يشير إلى المدرسة التي أنشاتها وزارة التربية عمل فيها موظفون من العزبة من ذوي الشهادات المتوسطة فحولوها إلى سبوبة ص26
ويروي حكاية الجمعية التي أسسها بتوجيه المحافظ من أجل إنشاء فرن خاص تابع للعزبة وتم ذلك عام 2010 وافتتح الفرن الذي سرعان ما استولى عليه صاحب لحية ما أنزل بها من سلطان كما أنشأت الجمعية مسجد اللاوندي وحضانة إسلامية ومستوصفاً طبياً ومكتب عامة لم يزرها أحد ويصل يأسه لأن يقول: لا أمل لي في عزبتي لأن كبار السن والعقل قد انزووا وتركوا القرية للشباب الذين بلا خبرة فضاع كل شئ ص34
فقد قتلت عزبة المهندس الثقافة، ويتساءل: لماذا يصرُّ أبناء بلدتي على اجتذابي لأسفل، لماذا لا يتركوني مع الإبداع والفن والكتابة ويصّرون على أن أهبط لأمخر العباب الأسود معها ص41
ويروي ثلاث حكايات تشير إلى تساهل الكبار وأطماع أنصاف المتعلمين الذين يقفون بقوة ضد كل من يحاول الإصلاح في العزبة ويرى أنه من المؤسف بأن الجهل وهو عدو الثقافة قد ظل مخيماً على الرؤوس أما النصف المتعلم فلا نشاط له سوى التكالب على جمع المال ويقارن بين عزبته والعزب المجاورة وما يوجد في كل منها من مختصين ومشروعات متميزة ويصل إلى أن عزبة المهندس هي عزبة بين عزب مجاورة لكنها لا تمتاز عنها إلا بالجمود ص61
أما ما هو المسكوت عنه في تاريخ العزبة فقد كشفه من خلال مجموعة من المشاهد التي اختزنها في ذاكرته ولا يهمه في هذا المجال سوى أن يقول الحقيقة دون توش فيتحدث عن
1-جغرافية العزبة وبيوتها وكتابها ومواسم الحصاد وكيف تغيرت القيم الحاكمة والمعادلات الإنسانية التي تربط بين الناس بعضهم ببعض.
2-جيل الرواد وهم خمسة من أبناء عزبة المهندس وهم: “المهندس أحمد اللاوندي والمهندس محمود هلال والعميد محمد رزق والعميد عاطف عوف والدكتور سعيد اللاوندي” ص72 ويؤكد على أن عشق العزبة كان قاسماً مشتركاً للجميع وتعلقهم بالعزبة لم يغادرهم لحظة واحدة أثناء دراستهم في القاهرة ص73 ، ورغم الفرقة كان “حبنا الدافئ لبعضنا البعض ظل قاسماً مشتركاً بيننا جميعاً ص74 ، وباختصار كان جيلاً رائداً وفارقاً في تاريخ عزبة المهندس ص77
3-صاحب العزبة (الكونت عزيز دي صعب) كان قبطياً أسس اول مدرسة بالعزبة وبني مسجداً في القرية ومقبرة، “كان طيباً لا يؤذي أحداً ، خيّراً ينعم سكان القرية باستقرار تام في حياته” ص80
4-المرسى بن حبيبة كان رجلاً طيباً وشخصية هلامية عكس الذين كانوا يضربونه دون ذنب جناه يدخل البيوت دون استئذان يأكل معهم وكان شرهاً في أكله كان كثير الغياب عن العزبة بعكس أمه حبيبة التي لم تغبْ يوماً عن العزبة، تموت ولا يبكي عليها أحد ، واليوم وبعد أن رحلت خالتي حبيبة وولدها الوحيد المرسي أشعر بأن شيئاً أصيلاً من العزبة قد غاب، لقد كانت خالة لنا جميعاً وكان المرسي أخاً لنا جميعاً ” ص88
5- تل العتل وتدور حوله أسطورة أن سيدنا محمداً (ص) قد هبط قرية تسمى قرية العتل كل سكانها من الكفار وقطاع الطرق واللصوص ، ولأمر ما كان يتخفي في ثياب رجل شحاذ وفقير معدم فاضطر إلى أن يطرق الأبواب طالباً الصدقة فكان السكان يغلظون له بالكلام ويسدون الأبواب بوجهه وطرق لــ باب سيدة مؤمنة طلب منها ماءاً فقالت له انتظر حتى أحلب لك البقرة وما إن فعلت ذلك حتى سمعت أصواتاً في السماء فلم تصبر على ذلك ، التفتت إلى الرجل فلم تجده مع الفرقعة الثانية دعا النبي (ص) من الله سبحانه وتعالى أن يقوم بسخط القرية والسيدة فتحولت القرية إلى التل الأحمر الذي يعرف بتل العتل ويسرق تمثال السيدة والبقرة مع أشياء أخرى عندما ظن الناس فيما بعد أن التلَّ عامر بالتماثيل الأثرية ومع ذلك كان التل مرتعاً يؤمه الناس في عيد شم النسيم.
6-توحة والجبار الذي قتل ابنته بعد أن سلبها أحد الشباب والشياطين عفافها يأخذ ابنته إلى غرفتها وقال لها كلمة واحدة ، جئت لكي تموتي أمامي إما بالسكين ذبحاً أو بشرب هذا السم الذي اختارته لتموت وظل الرجل يشعر أنه اقتص لشرفه أما الشاب الذي غدر بها فقد فرح بموتها وعاد يرمي شباكه على الفتيات الساذجات إلا أنه وقع في شر أعماله فاضطر أن يتزوج فريسته الثالثة وعاش معها حتى مات وتعكس الواقعة أن المرأة في الريف المصري لا تتمتع بحقوقها الإنسانية، دائماً يتم التعامل معها كشئ زائد عن الحاجة دون احترام لعقلها وطريقة تفكيرها أو تفهِّهم لغرائزها وطموحاتها وقد دفعت ثمن ذلك كما دفعت ثمن جهل والدها وسلبية المجتمع الذي تعيش فيه ص98.
7-الشيخ شحاته الذي علمه صلاة الفرد والجماعة وكيفية الوضوء ينقطع عنه في كل زيارة لقريته ويروي حادثة شفائه لإحدى المريضات التي أحضره أبوها وكانت مشكلتها أنها تكره زوجها وتحب رجلاً آخر فأوصى أمها على مساعدتها في طلاقها من زوجها وتسهيل زواجها بمن تحبُّ فوافقت وفي الطريق عرض عليه والدها محفظة نقوده ليأخذ ما يشاء وبعد إلحاح أخذ 20 جنيهاً كان في حاجة إليها لشراء الكيماوي للأرض ص104
وبعد أن عاد من باريس بعد عشرين عاماً سأل عن الشيخ شحاته فقالوا: قد مات رحل الرجل ولكن سيرته الطيبة مازال يتذكرها أصدقاؤه وكاتب هذه السطور ص107
8-أبناء العزبة وسلم القيم الذي تغير ليحل محلها قيم جديدة لا علاقة لها بالموروث الأخلاقي ويروي قصة من باع أخته لشيخ كويتي ومن كتب كتابهما “هو أنا هتجوّز البنت وأضمن بختها أنا جوزتها وخلاص، أنا أنعم بالسيارة الربع نقل كما ينعم أخوها بالسيارة الفارهة التي يركبها” ص111
9-الناظر والمجاري وحكاية الوضوء وهي صورة من صور سلبيات العزبة التي يسيطر عليها الجاهلون فناظر العزبة يرفض أن يحوّل مياه مجاري سراي صاحبه عن المجري الصغير الذي كانوا يتوضؤون من مائه غير النظيف.
لقد ظل هذا الحال سنوات وسنوات وتفشت في القرية الأمراض وعندما مات واستلم ابنه محمد مكانه أوقف مجاري السرايا وأعاد للمدرسة ما كان أبوه سلبه من المدرسة.
10- خالتي حفيظة الحبلة التي كانت من أكثر ستات البيوت كرماً وعطاءً زوجت أبناءها وتوفي زوجها ثم أنكرها أولادها ورفضوها فساحت في الشوارع والأولاد يجرون وراءها ويصيحون: حفيظة الهبلة آهي .. ابنك إجه .. ابنك إجه وتشاء الأقدار أن تعذب ابنها الصغير الذي ضربها وأغلق الباب بوجهها فأصيب بمرض جلدي جعل الناس تبتعد عنه ولم يجد له دواءاً وظل يدمي حتى مات ص119
11- الكوبري: أجمل مكان في العزبة فكان من أجمل الأماكن التي يجلس فيها مع اصدقائه ويروي بعض الحكايات الطريفة عنه.
12- مولد النبي وزيارة عبد الناصر حيث يتذكر أن الحاج محمود أبو وطفه خليفة المسلمين في العزبة وكان الوحيد الذي يحي احتفال ذكرى المولد النبوي وبعد العدة له وتبقي على ذلك حتى مات كما يذكر زيارة عبد الناصر لدمياط ومشاركته مع طلاب المدرسة بوقوفهم على الرصيف المؤدي إلى دمياط مرّ الرئيس في القطار وكان يشير إليهم بيده كما قالوا، ويشير إلى أن عبد الناصر هو الذي أنشأ لهم المدرسة الإبتدائية تحت شعار .. مدرسة إبتدائية كل ثلاثة أيام وكتاب كل ست ساعات ص125
13-جمعية رعاية حيث يعود إلى الجمعية التي أسسها ودور المستوصف ومركز التحليل والفرن نصف الآلي وتأسيس مكتبة عامة لتثقيف أهل القرية.
14- أنصاف المتعلمين الذين حوّلوا كل المنجزات لمصالحهم الخاصة فأخذوا المدرسة والفرن (إن هذا النصف متعلم لم يقرأ كتاباً في حياته)
في جزء آخر من الكتاب الذي جاء تحت عنوان تطبيقات يتحدث عن فعل القراءة الذي أمسي بخطر ويشير إلى طلاب الشهرة من المحامين الذين اعتبروا قراءة ألف ليلة وليلة جريمة ص146
أما عن موقع العزبة في الأهرام فيشير إلى مساؤى التعليم وجهل المتعلمين وغباء المعلمين الذين لا هم لهم سوى الدروس الخصوصية ويقارن وضع التعليم بالعزبة بواقع شهده في إحدي المدارس الفرنسية الذي حضر فيها محاضرة وطالب ويكشف عن كثير من سلبيات التعليم في العزبة وفي موضوع قريتي عزبة الشهيد المهندس سابقاً يشير إلى سبعة من شهدائها الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل مصر كما يشير إلى الشهداء الخمسة الذين استشهدوا في عزبة المهندس بمركز شربين محافظة الدقهلية ويذكر أسماءهم وهو يتمنى أن تطلق أسماءهم على مدارس العزبة ومسجدها الكبير لتتضافر مشاهدة الحياتية المستخلصة في عزبة المهندس مشكلة قبراً مهمة لرجل عصامي تعلق قلبه بقريته فأحبها حباً صوفياً نقياً ومن خلال هذا الحب وخوفه على مسقط رأسه فتح أوراقها وكشف عن سلبياتها وفضح أنصاف المستغلين الذين استمسكوا بمواردها وحولوّا الصالح العام إلى مصالح فردية خاصة وضيقة جداً هادرين قيم البلدة وأصالتها في إحالة إلى أسلوب فني عُرف به المؤلف واشتهر بممارسته لهم فأدلى قلمه في موضوعات على قدرٍ كبير من الأهمية وأنصاف المستعلمين حتى يعود للقرية صفاؤها ونقاؤها الذي عرفت به قبل هجمة أصحاب المصالح على خيراتها ونهبوها.
إنه كتاب كاشف صريح وواقعي كتبه مبدع يحب بلدته ويؤمن بأصالتها الفكرية والمجتمعية من خلال سيرة جمعية حفلت بكل ما هو صادق وأمين تبناه مبدع أصيل خلال مسيرة عصامية تستحق التكريم والاهتمام بذلك الرجل الموسوعي المعطاء الذي قدّم إشارات ومواقف وتاريخ أفرزت أروع سيمفونية إنسانية للانتماء الصادق وأعظم مثال لصدق الولاء الواعي والملتزم بالأرض .

*كاتب من مصر

شاهد أيضاً

حوار مع د.عبد الجواد ياسين صاحب كتاب الدين والتدين*

حوار أجراه : إسلام سعد ** الدين والعلمانية: العنف وإمكانيات التعايش المشترك عبد الجواد ياسين ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *