الرئيسية / أخبار ثقافيه / محمد جاب الله* /فلسفة السعاده

محمد جاب الله* /فلسفة السعاده

إن الفلسفة راسخة منذ بزوغ فجرها رسوخ قدم الإنسان في الأرض وحين سار به الزمن وتوالت عليها الأحداث، نضج و أدرك أنّ العقل البشري بصدد ممارسة التفكيــر والتـفلسف وأنّ ما يقوم به في الحقيقة متجذّر فيه ونابع من ذاتــه. أضحت ترتبط بكلّ ما يحيط بالإنسان من شواغل وتختص بمباحث تتناول اليومــي كالسعادة والحزن واليأس والأمل والتفاعلات الناتجة عن علاقته بنفسه وبالطّبيعة من حوله في مختلف بقاع الأرض. الأمر الذي ساهم في دراسة كيان شخصيّة الإنسان كجوهر وليس مجرّد دراسة للبيئة وتأثيراتها.

إنّ السعادة تبدأ من سعد أي فرح وابتهج حسب قاموس ” المعاني “، من سعد يسعد سعدا وسعودا ومنها الفعل والاسم. تعتبر من المفاهيم الرئيسّية في حياة الإنسان بما تحمله الكلمة من معنى حيث أنّ العمق هو سيّد الدلالة والمعاني الواسعة لا تكاد تلحق بركبها، ما جعل الاختلاف فيها يسري في التاريخ مسرى الحاضر بل وحتّى المستقبل عندما تبدأ موجة ركوب الثورة الصناعيّة الرابعة.

أيّ فهم للسعادة يتجلّى في بنية التساؤل الذي يطرحه الفرد بينه وبين نفسه وصراع
الذات الداخلي الذي لا ينتهي بهزيمة أحد وجوه شخصية الإنسان لكنه ينتهي لصالحه
من خلال اكتشاف الإنسان لنفسه وإثباته لكينونته من خلال ذلك الصراع . ففهم السعادة يتأتى من أسئلة بسيطة يسألها الإنسان لكنّ أجوبتها ليست بسيطة مثل : هل أنت سعيد أم لا ؟ ،ماهي السعادة في نظرك ؟، من أين تستقي سعادتك أي مصدر للشعور؟، هل السعادة جزء من الحياة ووسيلة أم أنها غاية يبحث عنها الإنسان من بين الغايات المنشودة ؟…

رغم صعوبة تحديد مفهومها بدقة نظرا لأنها تختلف من إنسان لآخر ومن واقع لواقع
آخر فإن التفكير فيها في حدّ ذاتها هو مبلغ الشعور بها لأن الوعي بذلك يجعل المرء
يفهم الشيء في السياق الذي يريده وينبع من ذاته لا من عامل خارجي .

إنّ التنوّع في النظرة للسعادة ليس وليد اليوم أو الأمس القريب بل آثاره تمّ اقتفائها من خلال نبش منابع أسرار الحضارات المتعاقبة فمن نظريات كبار الفلاسفة كأفلاطون وأرسطو الذي لخصها في التأمل العقلي إلى النفعيين في العصر الحديث، دون نسيان نظرة الرواقيين الذي اعتبروها مجتمعة في السكينة الروحيّة. فمع اختلاط المفهوم بنسق قديم وحديث طرت عليه آراء كثيرة يصعب الإلمام بها كافّة ما يجعلنا نعتمد على الرؤية الفرديّة لكلّ كاتب وباحث في هذا الطريق حتّى يضيف نظرة جديدة للسعادة لعلّها تلتقي مع أناس كثيرين أو تختلف عنهم، لأنّ المفهوم واسع بطبعه وابن الواقع بامتياز.

كلّ تساؤل يعتبر فلسفة وسؤال السعادة يوصلنا كلّ مرّة لنقطة تفتح مجال لنقطة أخرى كشتّى مواضيع التفلسف عامّة، فهي جزء من فلسفة الحياة التي نعيشها والتي لها ثنايا مختلفة يتفرع منها الكثير من الثنايا الصغيرة وتناقض بعضها البعض من حين لآخر لكنّها الحياة ، يجب أن تأخذ شكلها الطبيعي الموجود المتناغم مع تشكّل الوعي الإنساني وإدراك ما يحيط به وفقا لما يطرأ عنده من جديد في قاموس الإدراك.  فازدواجية الحالة في الإنسان تصبغ نفسها على باقي الكائنات الأخرى وعلى مفهوم الحياة ومنها السعادة كجزء من المشهد .

فالسعادة شعور وليد للحظة وموجود في النفس البشرية حيث يرتبط ارتباطا جذريّا
بنشأة الفرد وتكوينه الديني والثقافي والعلمي والاجتماعي … وما يحيط به من
إيجابيات وسلبيات. هذا لا يعني أن الفرد يستمد سعادته من غيره لكن للغير تأثير
وللجوار آثار على حياته ورؤيته للأشياء فالسعادة تتحقق من خلال رؤية الإنسان
ومدى مطابقة رؤيته للشيء المتسبّب في خلق الشعور. فسواء كانت السعادة حقيقة أم
وهمية فهي سعادة، لأنّه يتحتّم وجود انسجام وتناغم كمعادلة كيميائية حتّى تتحقّق النتيجة التي تختلف بالنسب حسب كلّ فرد. أي أنّ حدوثها مشروط بتفاعل عنصرين أولها الشخص بأفكاره ودوافعه ومحركّاته وثانيها المشهد المباشر له والمشارك فيه مثل ما تركّب قطعة في قطعة أخرى كلعب الأطفال.

إنّ السعادة حسب ما نستقيه من تجارب يوميّة حياتيّة تأتي طواعيّة وليست شيئا يتحقّق بمجرّد اعتقاد الإنسان بضرورة تحققه، فهي عملية استمرارية تحدث في الحياة تقل وتكثر وتتضاعف أحجامها وفق لكل مرحلة حياتية وحسب درجة الوعي الموجود.
من الأشياء التي تجعلنا سعداء : الاستقلالية والترفع عن سفاسف الأمور أو خوض
ما يخوض فيه العامّة بطريقة بسيطة ولا يعني ذلك الابتعاد عن دراسة الظواهر
الناتجة عن البيئة الاجتماعية. يمكن أن تكون خصال المثقف الذي يحظى بدرجة عالية من المعارف والعقلانيّة ، لكن يمكن أن يراها شخص أخر على أنّها نخبويّة أو نوع من أنواع الطبقيّة.

فهناك من يرى السعادة في تحديد هدف والسير نحوه وهناك من يرى السعادة على أنّها شيء لا يحدّده زمان ومكان ويأتي أحيانا من فراغ. فأحيانا يبتهج الإنسان في عدم القيام بشيء ويكتفي بالتأمّــل والمشاهدة على عكس الممارسة التي تفرز هرمونات من الناحية العمليّة. فكمن يستمتع بسماع فكرة نظرية ولا تروق له عندما تكون
متجسدة في الواقع. هي ذاتها النظرة لكن التغيّر المفاجئ يحسم الأمور لأنّ الكثير من الصفات البشريّة تتدخّل لتفسد المزاج وتحوّل السعادة لحزن والحزن لسعادة.
اذا تم النظر للسعادة كمشكلة يجب إيجاد حلول لها أي شيء يجب أن يتحقق بمجرد
تطبيق تعاليم معينة فهذا لا شكّ انه ينزع مفهوم السعادة من موقعها ، ولا يحقق
مبتغى الإنسان إلا مزيد الدخول في نفق مظلم من المفاهيم التي تبعده عن السعادة
ذاتها. إذا أردنا أن نبسّط الأمر يمكن أن نقول ” الرغبة في فعل شيء ما ” ، أيّ أنّ الرغبة لم تتولّد من فراغ بل من شعور سابق وهذا الشعور تكون ” البهجة ” مؤهلة تأهيلا أكبر لتحظى به.

قد يقول قائل أن من يطرح التساؤل عن السعادة هو من يفتقدها لأنّ السعادة تعاش
وتأتي بطبيعتها وفق للسياق الموجود على عكس البحث عنها والتنقيب فيها ، لكن
هذا طبعا رأي يمكن أن نقول عنه عفوي وليس فلسفي لأن التساؤل يجعل من فهم
الأمور أيسر ويفك شفرات أي مفهوم مرتبط بالحياة وسرّ تجسده في الواقع المعيش.
فالسعادة ليست فكرة ذات منظور واحد من خلال بعض التفصيلات التي مررنا عليها لكنّ وجودها مشترك، فهي تتجلّى لكلّ الناس في صور مختلفة وحسب عقل كل فرد، مبلغ علمه، تكوينه ، طريقة عيشه والفضاء الذي يعيش فيه .

فنظريّا تمثّل السعادة شعور موحّد لكن تطبيقيا تختلف اختلافا كبيرا في طريقة تمثلها في الواقع، فالسعادة نوعين منها السعادة الفكرية والروحية التي تتعلق بالأفكار والاطروحات التي يتبناها الفرد من ناحية والسعادة الجسدية الماديّة التي تتعلّق
بنشاطاته التي يمارسها وما يقوم به من أفعال تحقق له الفرح من ناحية ثانيــة.
ففي عصر التقى فيه زمن بزمن اخر وتداخل فيه جيل بجيل آخر ، كثر اللغط حول
السعادة ومدى وجودها في الواقع لذلك يحيلنا هذا الأمر إلى مدى حقيقة تجلّي هذا
الشعور من جهة ومدى المقدرة على رصد متغيّراته السريعة من جهة أخرى .

كذلك عندما نحلّل أعماق ما يسود الذّات البشريّة فهي مثل المعيار أو الشيء الذي خلق متجذّرا في الإنسان ويمكن أن نعتبرها دافعا يحرّك الإنسان كلّ مرّة من أجل تحقيق ما يتعلق بحياته من تعليم وزواج وعمل وغيرها، باعتبار أنّ السعادة غاية هو بمثابة تبسيط لهذا المفهوم الشائك الذي اختلف فيه كلّ أهل العلوم بكافة تنوّعها من أجل تحديده أو على الأقلّ الاشتراك في الإحاطة بتفاصيله. عندما نقول مثلا في المجتمعات المعاصرة أنّ الحريّة غاية فهي غاية غير واضحة المعالم فقد يعتقد الحرّ أنّه غير حرّ وقد يعتقد الذي لا يعي المفهوم أنّه حرّ وهكذا فهي أمر نسبي للغاية ويرتبط بالأساس بالوعي الذي يختلف من شخص إلى آخر حسب ما نهل من ثقافة وتجارب ودروس في الحياة.  فالأمر يصعب تحديده تحديدا واضحا، لكن يمكن الإحاطة ببعض جوانبه، مثلا هناك من يعتبر الحريّة لا حدود لها في بعض المجتمعات ويمكن أن تمسّ من خصوصيّة الأفراد والمجموعات البشريّة وهناك من يعتبر الخصوصيات وخاصّة ما يتعلق بالأديان خط أحمر لا يمكن تجاوزه ولا يحقق الغاية من التحرّر.  هكذا هي السعادة التّي ترتبط بعنصرين رئيسيين هما الرغبة والنتيجة أو بشكل أوضح الدافع والنتيجة، حيث يمكن أن يتداخل فيها القرار الذاتي وقدرة الشخص على التحكّم في ذاته ممّا يزيد من ثقته بالنفس كما تتداخل فيها الموروثات الثقافيّة وما يتعلّمه الفرد في كلّ لحظة . فهي تتحدّد وفق للكرونولوجيا التي سبقت هذا الشعور فكل مكوّن يساهم ولو بقليل في إظهار السعادة في الإنسان فهي لا شكّ أنها كامنة في كل نفس بشريّة، ولكنها بتجليات وأشكال ظهور مختلفة . فالشيء المؤكد أنّها شعور يتشابه فيه الناس إلى حدّ التطابق أحيانا، لكنّه يختلف من ناحية التفاصيل أو الظّروف المحيطة به.

عندما يسعد الإنسان، يمكن استنباط الكثير من الاستنتاجات التي تفضي إلى مستويات عديدة أو ما يمكن أن نسمّيه كلّ خانة حسب ما تتضمنّه. مثلا ؛ الفكرة أي تشارك البشر في فكرة يؤمنون بها والمجتمعات في خضم التغيّرات السياسية والتطوّرات في المفاهيم وأن يسعد أحد على أساس الزمان أي حسب الزمن الذي تنشط فيه ما يسمّى ” بهرمونات السعادة ” والمكان أي حسب المكان المفضّل والأمر نفسه بالنسبة للسعادة المرتبطة بالعائلة أي السعادة التي تختلف عن السعادة مع الأصدقاء ومع الزملاء في العمل إلخ… وإذا أخذنا في الاعتبار مكانة المادّة في حياتنا عندئذ يصبح التملّك مع أثر الزمن شيئا طبيعيّا ولا يحرّك المشاعر التي بدأت تركد شيئا فشيئا لأنّنا اعتدنا عليها، فمثلا الذي يملك شيئا رائعا يتمنّى حصوله، بعد مرور فترة سيصبح الأمر عنده اعتيادي وتنخفض جرعة السعادة ليبحث عن شيء آخر أو تجديد غريزة التملّك حتى يملأ جرعة أخرى.
وهكذا تفرض النسبيّة قرارها في تكويـــن الشخصيّة بحيث تتجلّى المشاعر في مواطن وتغيب في مواطن أخرى، في لحظات فارقة وسريعة يصعب على الكثير من الفلاسفة والباحثين إلاّ من خلال الخضوع لنوع من التسليم القائل بتحقيق التوازن في الإنسان بوجوب وجود التضاد أي الفكرة ونقيضها كالسعادة والحزن ،الخير والشرّ واللّيل والنهار إلخ … ممّا قد يحيلنا في المستقبل إلى تعقيدات نظرا لغياب أفكار وحلول أخرى محلّها وتطوّر وسائل مساعدة في حياة الإنسان لتظهر على السطح. بما أنّ الفلسفة أمّ العلوم لا تحسم الإجابة عادة فهل يستطيع الإخصائيون النفسيّون الإجابة ؟

  • باحث من تونس

شاهد أيضاً

حوار مع د.عبد الجواد ياسين صاحب كتاب الدين والتدين*

حوار أجراه : إسلام سعد ** الدين والعلمانية: العنف وإمكانيات التعايش المشترك عبد الجواد ياسين ...