الرئيسية / أخبار ثقافيه / الباحثة سعاد زريبي */ الصورة الحقيقة ومجتمع المشهد

الباحثة سعاد زريبي */ الصورة الحقيقة ومجتمع المشهد

يعيش الإنسان المعاصر حلقة تاريخية مفزعة ،انها حرب الكل ضد الكل وتزايد أعداد الضحايا والأبرياء من اجل إنجاح خطط وأجندات سياسية تضمن البقاء للدول الكبرى في حين تموت الشعوب وينفتح الفضاء على “الكارثة” و تشويه الحياة .إزاء واقع شبيه بالعدم نحن بحاجة عنيفة لخلق فضاء حرية تؤسس للحياة و لإمكانية المعنى .إن الإنسان المعاصر بحاجة لفضاء تشهد على الحقيقة وتدافع عنها ،قادر على أن تندد بما يحدث ضد البشر وضد كل القيم الإنسانية . ما تبقى من الإنسان هو مسؤولية كونية على عاتق الفنانين ـوحده الفن قادر على حفظ الإنسان و التنديد بما يحدث ضد الحياة .في هذا السياق تندرج كل الإرادات الفنية والجمالية المعاصرة وخاصة منها التصوير الفوتوغرافي .إننا نعيش عصر الصورة ليست الصورة السلعة والصورة المظهر هي المقصودة في هذا المقال بل كل الصور القادر على” بالشهادة على ما يحدث”على حد عبارة جاك رنسيار.ان الصورة من منظور جاك رنسيار قوة تحرر ،فضح فعلي لما يحدث ضد الإنسان وضد القيم الإنسانية . ان الصورة هي “الحقيقة” التي سعت الأنظمة السياسية الى طمسها وتغيبها ومسحها ،”لا احد بوسعه اليوم ان يقول انأ لا اعرف الحقيقة ” . يشتغل جاك رنسيار في كتابه “تحرر الجمهور” في الفصل الرابع على الصورة اللامتسامحة ،انها تصوير” لما لا يطاق ” تصوير لبشاعة الكوارث الإنسانية التي تحدث ضد الأبرياء .يشتغل رنسيار على عدة عديد الصور التي هزت العالم لقسوتها و القوة الإبداعية للفنان ـاشتغل رنسيار على تقنية الكولاج في الفن الفوتوغرافي في الصور الفوتوغرافية للمصورة الأمريكية مارتا روزلر.لقد استعملت الفنانة الفوتوغرافية الأمريكية مارتا روزلر في معرض للصور الفوتوغرافية بعنوان “لقد آتت الحرب إلى البيت” Bringing the War Home و في معرض Ballooms تقنية الكولاج ، حيث تشتغل روزلر على الصورة و حقيقة “الأنظمة السياسية الأمريكية المعاصرة” وحقيقة الحرب الامبريالية التي يعيشها الإنسان المعاصر . تجمع روزلر بين صورة “فضاعة الحرب ” صورة الدمار ،الجوع ، التشرد والموت بصورة “السعادة “في المجتمعات المسؤلة عن هذه الحرب ،جمع بين صورة الموت و صورة الحياة السعيدة في فضاء واحد من اجل ان تحدث صدم تفتح العين أمام الحقيقة حيث تقول الصورة “هاهي الحقيقة التي أخفيت” ، الحقيقة الواضحة التي لا تريدون رؤيتها لأنكم تعلمون إنكم انتم المسئولون عن هذا الواقع” تكشف الصورة الفوتوغرافية عن التواطؤ العالم المعاصر مع الحرب ضد الإنسان. “لقد تبخر كل شئ صلب في الهواء” . تكشف الصورة حقيقة العالم المعاصر الذي فقد فيه الإنسان” الإيمان” بنفسه و بالحياة لقد أصبح “كل شئ رخو و سائر و بخار. تفضح الصورة “الحقيقة الكريهة ” لمخططات الهيمنة . ان تقنية الكولاج تضع واقعين وجها لوجها حقيقة حياة الشعوب التي نظمنها الأنظمة الاستعمارية المعاصرة لشعوبها وحقيقة الحرب في كل أنحاء العالم . كشف للاعدالة على مساحة واحدة تلطخ الصورة بحقيقة العالم ، الموت و المأساة و الألم موت الأطفال وصراخهم في وجه الحكام والساسة بجانب الصور الاشهارية “التي تكشف سعادة العيش في بيوت عصرية في بلدان ذهبت حكامها لتحرق ارض الفيتناميين” ان صورة الطفل الميت داخل صورة البيت الأمريكي تمزق حدث الرؤية تفتح العين على الحقيقة التي طمست .إن الكولاج هو العنف الذي يجذب هذا بذاك من اجل الحقيقة . فضح للهيمنة التي تثير “الصدمة ” من واقع ما يحدث “ان ردة الفعل الطبيعية إزاء هذه الصور هو إما يغمض العينين أو أن يلتف المرء عنها او يؤثم الحرب و جنون المميت للإنسان ” .إن الصورة الفوتوغرافية هي انفتاح على ما لا يطاق ، من ما لا يطاق في الصورة إلى الصورة التي لا تطاق لأنها” واقعية جدا” على حد عبارة جاك رنسيار .تؤسس الصورة الفوتوغرافية إلى انزياح جذري من الصورة /المظاهر والسلعة والاستهلاكي والاشهاري إلى نظام جديد “اللاتسامح”
ليست هذه الصورة معدة للفرجة او الهروب من حقيقة ما يحدث بل يجب ان يشعر كل إنسان في العالم بالذنب والمسؤولية إزاء ما يحدث لأن” الصمت” هو طواطئ مع هذه الأنظمة الامبريالية . لقد ترافق معارض الصورة الفوتوغرافية مع ظهور فيلم مجتمع المشهد لجي دي بور حيث يعرض هذا الفيلم صورا حقيقة حياة الإنسان في “مجتمع المشهد ” يكشف الفيلم عن “واقع لا يطاق “،” واقع حياتنا المنفصلة عنا ” ، تمر أمامنا في “صور ميتة” تعمل “ضدنا”حيث اقتصر دور الإنسان المعاصر على “الفرجة” مما أدى إلى تضخم الجماهير سلب عنيف وتشكيل لكائنات مرنة و طيعة .ان الفضاء المجمل للصورة يبدو مقسما : في الواجهة صورة الطفل الميت في حركة تقدمه للمشاهد هاهي الحقيقة ،موت الأبرياء أما خلف الصورة فتكشف عن من هم وراء هذه الصورة .تكشف الأعمال الفوتوغرافية لمارتا روزلر من وجهة نظر جاك رنسيار عن منظومة اللا عدالة في العالم المعاصر .ان الصورة في الفن المعاصر هي فضح للمأساة كشف “للحقيقة الكريهة”verité sordide للإنسان المعاصر .ان أعمال روزلر هي إجابة ومشي على خطى الأعمال الفوتوغرافية المعاصرة التي تعتبر الفن الفوتوغرافي هو فن الشهادة على التاريخ. ان الصورة هي القدرة على التحرر من الأوهام والمغالطات التي تصنعها الأنظمة الامبريالية .ان الاعمال الفتوغرافية لمارتا روزلر ، كافن كارتر ،الفريدو جار ،ريس تعكس معظلة اساسية في العالم المعاصر وهو انتشار الصورة من جهة وغياب الحقيقة وهو ناتج عن سياسة صناعة الفرجة في مجتمع المشهد بين عصر الصورة ومجتمع المشهد بون شاسع على الصورة هي الحقيقة فحين ان مجتمع المشهد يصنع صور مغالطات .
ان ابرز مظاهر مجتمع المشهد هو التحول في قيمة “الحقيقة” ليتحول كل ماهو حقيقي الى خاطئ وكل ماهو خاطئ الى حقيقي انها الجدلية المقلوبة للعالم المعاصر،عالم –المشهد هو ناتج و مبني على تحويل وعي الافراد الى وعي تعيس بقتصر على الاستهلاك الاعمى للمادة ، انقسام مطلق ،تشظي للعلاقات قائم على سيادة المشهد واقتصار الافراد على الفرجة السالبة ” توحد في النظر” ،توحد في الوعي” في عالم التمثيل والقبول السالب للاشياء ،قبول المشهد ،سيادة المظاهر بوصفها النفي المرئي المطلق للحياة ، نهاية الوجد، المتعة الكاذبة ، اصبح الوهم ضروريا ،تشقق المجتمع عن ذاته ، نقصان في الترابط تزايد التضاد ، الفكرة الخاطئة تزيح الفكرة الحقيقة ، انقلاب في القيم ،سيادة السطح ، فقدت الحياة عمقها، ، تشوه معمم ، الواقع المقلوب للاشياء .ان مجتمع المشهد يوحد الافراد ويقسم المكان الى مناطق نفوذ .اقتسام العالم حسب سياسة من يمتلك المشهد ومن يصنعه .ان صناعة الجماهير وصناعة المشهد هما السياسة العالمية المعاصرة للتحكم في الافراد ،وخلق الجماعة الوهمية، “الوحدة البائسة” . كل ما يحدث في المشهد هو سلسة من سياسة صناعة “المغالطات” معدة لجمهور سالب مقبل على الاستهلاك .ان التحكم في صناعة المشهد يكشف عن النوايا السياسية الكبرى للسيطرة على العالم . ان المشهد هو سياسة العالم المعاصر في صناعة كونية مزيفة قائمة على اللاعدالة ، لا وجود لوحدة حقيقية او مشترك بين البشر ،لقد ضمنت سياسة صناعة المشهد نجاحه بتفقير العالم روحيا لتصنع عالم –السلعة، تعميق بؤر اللامعقول . تصاعد الاستهلاك وتفقير الحياة من عمقها هما ابرز رهانات مجتمع المشهد . يتأسس مجتمع المشهد على المسافة ، صناعة الفواصل بين الممثل و الجمهور بين من يصنع المشهد ومن يشاهده بين الفعل والمشاهد بين من يصنع ومن يستهلك ، ان تقنية الفصل هي المسؤولة عن” الجغرافيا الجديدة للعالم “، وعن القدرة على تحويل وتغير جغرافية العالم ان اعمال روزلر هي شكل من محاكاة لتصميم العالم بين المقهورين والمشردين وضحايا الحروب ومن يصنعون المشهد . “ان الفاصل بين المشاهد والمشهد أمر سيئ “، لانها سياسة فظيعة في تأسيس العالم على أساس منطق المشهد والمشاهد، بين من يتحكم في المشهد و توجيهه للاستهلاك والفرجة .لئن وحد المشهد العالم تحت مركب بؤس فانه مسؤول عن انقسام العالم و فرض “قانون اللعبة ” مشهد و متفرج .ان الكولاج في الصور الفتوغرافية لمارتا روزلر تجمع بين الصورة الحقيقة الظالمة وبين الصورة المشهد التي عبر عنها غي ديبور في فيلمه مجتمع المشهد.ان الصورة اليوم تعيش إحراج حقيقي بين الحقيقة والمشهدي ،اي بين الشعور بالمسؤولية إزاء الظلم الذي يعيشه الإنسان وبين المتعة في مجتمع المشهد .
ان هذه الازدواجية بين من يملك الحقيقة ومن يصنع المغالطات بين من يملك الحق في القول ومن لا هو مجبول على الصمت بين الحقيقة العادلة والواقع المظلم بين من يملك و من لا يملك ناتج عن منظومة معرفية بين من يعرف ومن لا يعرف”الجاهل”.ان هذا التميز هو أساس على أشكال اللا عدالة ،لا وجود لأفراد لا يعرفوا ،كل شخص يعرف امرأ ما جزءا ما من الحقيقة وهو قادر على معرفة الحقيقة لا وجود ل”معلمين للحقيقة” ان الحقيقة ليست بحاجة لوصي عنها انها هنا تنكشف في صمت بين أعيننا ،هي تحتاج لعيون قادر على التحديق جيدا من اجل المعرفة .هنا نكتشف تشعب العلاقة بين الفنون في فن الصورة بين الفوتوغرافيا والمسرح .المسرح يصنع الفرجة والفوتوغرافيا تصنع الحقيقة الصامتة وبين هذا وذاك هنا فن اخر وهو السينما تمثل البديل مضاد لسكون الفوتوغرافيا وللفرجة في المسرح من اجل فن صورة النشيطة .

*باحثه بالمعهد العالي للعلوم الانسانية تونس

شاهد أيضاً

د/فاطمه الحصي*/الباحث ما بين مطرقة عقدة الإضطهاد وسندان نظرية المؤامره

الباحث ما بين مطرقة عقدة الإضطهاد وسندان نظرية المؤامره ما بين مطرقة عقدة الإضطهاد وسندان ...

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *