الرئيسية / أخبار ثقافيه / الشاعر سعيد الصاوي يكتب حكايته مع اللاوندي

الشاعر سعيد الصاوي يكتب حكايته مع اللاوندي

طموحٌ مغاير


في أواخر العقد السابع من القرن السابق ، كنت أحد المصريين المقيمين في باريس منذ مدة طويلة ، و ذلك في الفترة التي انتشرت فيها ظاهرة سفر طلبة الجامعات المصرية ، للعمل في مزارع العنب أو غسيل الصحون في المطاعم ، و هي الأعمال التي لا تتطلب أي نوعٍ من الخبرة ، و لأنني قضيت فترة طويلة اقتربت من الأربع سنوات بشكل متواصل ، بالإضافة إلى فترة أخرى اقتربت من العامين ، و في أثناء هذه الفترة كنت قد تعرضت للكثير من المواقف الحرجة ، و التي كان من الممكن الخروج منها بسلام ، لو كنت أمتلك ناصية اللغة الفرنسية ، و بسبب تلك المواقف قررت تعلم اللغة ، و عملتُ على ذلك بجد ، مجندًا حاستي السمع و النطق ، بالإضافة إلى الانتباه الشديد للأحاديث التي تدور حولي ، حتى أتت القرصة التي أتاحت لي العمل كجرسون في أحد المطاعم ، و كان اسمه ، (بيتزا دون فيتريو) ، مما مكنني من تحسين مستوى اللغة ، نظرًا للاستخدام الدائم للفة ، و التعامل المباشر بها ، كما حقق لي ذلك العمل بسرًا ماديًا ساعدني على القيام بواجب الاهتمام بأمور غيري من المصريين المحتاجين للمساعدة ، و خاصة القادمين الجدد ، و اشتهرتٌ بذلك في أوساط المصريين في باريس ، و في مصر .
و في أحد الأيام أتاني شخصٌ أتي إلى باريس حديثًا ، لم أكن أعرفه ، و لا هو كان يعرفني ، و لكنه يسكن إحدى الشقق في حارة مجاورة للحارة التي وُلدت و نشأت فيها في روض الفرج بالقاهرة ، و عندما فكر في خوض تجربة السفر ، سأل أصدقائه ، و لأن المسافرين في تلك الفترة ، كانوا يٌعدٌّون على أصابع اليد الواحدة في الحي كله ، دلوه على منزل أهلي ، و هناك أـخذ عنواني في باريس ، مع صورة صفيرة الحجم تعينه على التعرف عليّْ ،
كل ما سبق كان عاديًا و متكررًا ، و لكن اكتشافي للجديد في حالة سعيد اللاوندي بدأ منذ اللحظة الأولى ، فقد كان جميعنا من التاركين لكلياتهم ، مؤجلين دراستهم استغلالاً لفرصة التواجد في باريس و عثور البعض منا على عملٍ يدر عليه دخلاً لا يحلم به كبار موظفي الدولة في مصر ، أو انتظارًا من البعض الآجر للحصول على فرصة مشابهة ،
و هنا كانت المفاجأة الأولى في مشواري مع هذا الشخص القادم من مصر ، فقد كان سعيد اللاوندي حاصلاً على بكالريوس اقتصاد و علوم سياسية من جامعة القاهرة ، و هذه الشهادة كانت – و ما زالت – تحظي بسمعة جيدة ، فالكلية إحدى كليات القمة ’، و المتخرج منها مغبوطٌ و محسودٌ معًا ، و متوقع له مستقبلٌ مرموق ، فلماذا أتى ذلك الشخص الحاصل على هذه الشهادة إلى باريس إذًا ؟؟؟ ، هل جاء ليعمل بعض الوقت في تلك الأعمال المُشارِ إليها آنفًا ، ليعود إلى أهله ببعض النقود ، و بعض الملابس التي لا يرتديها أحد غيره ؟ ، فقد كنا نرتدي جميعنا ملابس متشابهة ، لأن مصدرها كان محلات القطاع العام في زمن عبد الناصر و السادات ، قبل أن يحوِّل السادات مصر إلى الانفتاح الاقتصادي سيء السمعة ،
يحكي لي صديقي سعيد اللاوندي فيما بعد أنه أتى إليَّ في المطعم ، فطلبت منه الرحيل و المجيء في الثالثة موعد راحتي بين فترتي العمل ، ذلك لأن طبيعة الأعمال في أوروبا عمومًا لا تسمح بالزيارات أثناء العمل ، و عندما آتاني في الموعد أخذته و ذهبنا إلى حيث أسكن ، و يكمل صديقي أنه حكى لي حكايته ، و أثناء الحكاية نمت ، فانصرف هو ، دون أن بعلق أي آمالٍ على شخصٍ نام أثناء استقباله ، و لكن بعد عدة أيام فوجئ بي أذهب إليه حيث يقيم – فلم نكن نملك وسائل اتصال ، لا في أيدينا كما الآن ، و لا حتى في أماكن إقامتنا – لأخبره بوجود قرصة عمل في المطعم الذي أعمل به ، و بالفعل تسلم العمل الذي كان بالضرورة عملاً من أعمال التنظيف ، و كلمة التنظيف في فرنسا ليست كلمة عابرة ، و لكنها كلمة شاملة ، فالزجاج له منظفٌ ، و الجلد له منظف ، و الأرضيات لها منظفٌ ، و الحمامات لها منظف ـ فالنظافة في فرنسا لها مفهومٌ أعمق كثيرًا من مفهومها في بلادنا , و كانت طبيعة عمل سعيد هي أن يأتي من الثامنة صباحًا ليبدأ رحلة التنظيف العميقة تلك ، لينتهي منها في الثانية عشرة ظهرًا ، و هو موعد بدأ استقبال الزبائن ـ ليتناول وجبة غداءٍ قبل أن يرحل ، ليعود في السادسة ليقوم بعملية تنظيفٍ سريع لا يستخدم فيها إلا المكنسة ، ليتناول وجبة طعامٍ أخرى و يرحل .
بعد فترة لم أعد أذكر طولها ، وجدنا فرصة عملٍ أفضل ، أما وجه الأفضلية فكان في الأجر ، فقد كان أجر العمل الذي يقوم به سعيد في مطعمنا أربعين فرنكًا في اليوم ، و كان أجر العمل الجديد ستين فرنكًا على ما أذكر، و هو فارقٌ كبير بالنسبة للمعيشة في مدينةٍ كباريس ، و بالنسبة لأمثالنا الذين لم يأتوا إلى باريس إلا لتكوين مبلغٍ من المال ، يكون سندًا لهم في الحياة عند عودتهم إلى مصر ، و عند عرض الأمر على سعيد كانت المفاجأة الثانية ، فقد رفض سعيد ، و حيثات الرفض كانت مُفاجِئةً أيضًا ، قال لي سعيد : – إن مواعيد العمل الحالي تناسب مشروعه الذي أتى إلى باريس لتحقيقه ، و بالسؤال عن هذا المشروع كانت المفاجأة الثالثة ، فقد قال لي سعيد اللاوندي : – ” لقد أتيت إلى باريس لكي أُحاضر في السربون ، و بعد انتهائي من العمل في الفترة الصباحية ، أذهب إلى مدرسة ال (إليانس فرانسيز – ) يا الله ، ما هذه الإجابة ؟ ، و ما هذا الطموح ؟ ، المسألة لم تكن مادية إذًا ، و لكنها كانت مشروعًا طموحًا يريد تحقيقه ، بصراحة أصابتني هذه الفكرة بالدوار ، فالطريق لتحقيق هذا الحلم ليس سهلاً ، و هو ، أي سعيد ، لا يعتمد إلا على نفسه ، و على عشمه في توفيق الله .
منذ هذه اللحظة تغيرت مشاعري تجاه هذا الشخص ، تحمست له ، و لمشروعه الطموح ، و أصبحت مساعدتي له تأخذ معنى جديدًا ، معنى أسمى و أعمق ، فقد أصبحت أتصور أنني أساهم في رسم أحد ملامح مستقبل مصر المشرق و المشرف ، بسعيد اللاوندي و أمثاله من هؤلاء الطموحين .
لم تكن أيام سعيد اللاوندي سهلة في مطعم (دون فيتريو) ، ليس من ثقل العمل بالطبع ، فكل الأعمال في فرنسا سهلة ، إذا توفر لها الأدوات اللازمة ، أمَّا وجه الصعوبة و المضايقات فقد كانت من طاقم العمل ، المصريون منهم بالذات ، فقد كان كل من يعمل في المطعم من ذوي التعليم أقل من المتوسط أو المنعدم ، باستثناء كريستيان المدير الفرنسي و ماسك حسابات المطعم ، و أنا ، فقد كنت في الجامعة ، صحيحٌ أنني لم أكن حاصلاً على البكالريوس كسعيد ، و لكني كنت على وشك ، إذ لم يكن متبقيًا لي إلا عامًا واحدًا لأحصل عليه ، و لكني في النهاية أدخل في زمرة أصحاب الشهادات غير الجامعية ، أمَّا سعيد فهو ليس جامعي فحسب ، و لكنه ذو طموح معلن ، و هو ما أظهر عقد النقص عند هؤلاء المصريين بالاشتراك مع التوانسة الذين كانوا كلهم بنفس المستوى التعليمي ، و أصبح سعيد محور الأحاديث الساخرة منهم ، و كانت سخريتهم تربط بين شهادته الجامعية ، و ما يقوم به من عملٍ أدنى كثيرًا مما يقومون به ، فقد كان المصريان يعمل أحدهما جرسونًا ، و الآخر مساعد طباخ .
كنت المدافع الوحيد عن سعيد ، ليس فقط لأني أتحدث الفرنسية ، و أفهم تمامًا ما يقولون ، و لكن أيضًا لتوحدي مع ذلك الحلم السامي الذي يعمل سعيد على تحقيقه ، أما سعيد فهو لم يدخل مرة واحدة في تلك الأحاديث التي كان يسعدهم كثيرًا الخوض فيها ، ليس لأنه لم يكن يفهم أن تلك الأحاديث تدور عنه ، فقد كان يتعلم الفرنسية ، و يحيا في فرنسا ، و هو الأمر الذي يجعل المرأ يفهم بشكلٍ عام موضوع الأحاديث ، و لكنه لا يستطيع الكلام ، و لكن سعيد لم يكن يخوض مع الخائضين لهذا السبب ، فقد كان يستطيع أن يجعلني واسطته لترجمة ما يود قوله ، لم يخض سعيد إذًا في تلك الأحاديث لعجزٍ عن الخوض ، و لكن لأن حلمه و طموحه كانا أكبر و أسمى من أن يبدد طاقته و وقته و ملكاته العقلية في مثل تلك الأحاديث التي ستأخذ منه أكثر مما ستعطيه .
مرت الأيام ، و حدثت لي ظروف جعلتني أتخذ قرار العودة ، و لا أستطيع أن أنسى دموع سعيد اللاوندي التي سالت عند لحظة الوداع ، و لا أستطيع أن أتحدث عن هذه الدموع كما تحدث هو عنها في أكثر من مناسبة .
لم تنقطع صلتي بسعيد بعد عودتي ، و كان بيننا كثيرٌ من الرسائل التي أعتبرها قطعًا أدبية ممتعة ، و أرى أنها تستحق أن يقرأها عاشقوا الأدب الرفيع ، و هو ما أنوى أن أفعله عند كتابة سيرتي الذاتية التي بدأت في تسجيلها ، فقط ادعوا لي أن أعثر عليها وسط أطنان الكتب و الأوراق التي تزدحم بها صومعتي ، و بالطبع حوت تلك الخطابات أخبار مشواره العلمي ، و ما أنجزه من خطى كانت دائمًا محل تقدير و افتخار .
كان كثيرًا ما يطلب مني شراء كتبٍ قديمةٍ يحتاجها في دراسته ، فكنت أشتريها له ، و أقرأها قبل أن أرسلها إليه في باريس ، و كم قرأت من كتبٍ فلسفية ممتعة و محركة للعقل ، لم يكن لي أن أقرأها ، أو أعرف عنها شيئًا لولاه .
متع الله صديقي و رفيق درب الغربة المليء بكل الصعوبات و الأشواك د. سعيد اللاوندي بكل الصحة و العافية ، و أكثر الله من أمثاله ، و جعل هذا الكتاب قدوة لشبابنا الذي لم يعد يرى له قدوة إلا النماذج السيئة .

الشاعر سعيد الصاوي
عضو اتحاد كتَّاب مصر
الإسكندرية
24 يونيو 2019

شاهد أيضاً

د. أحمد يوسف سعد /التعليم المصري بين الإنسانية والتوحش

قدمت لنا مدرسة فرانكفورت النقدية نظريات أرادت بها تعزيز إنسانية النظم الاجتماعية، بالإشارة إلى خطاياها ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *