الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. أحمد يوسف سعد /التعليم المصري بين الإنسانية والتوحش

د. أحمد يوسف سعد /التعليم المصري بين الإنسانية والتوحش

قدمت لنا مدرسة فرانكفورت النقدية نظريات أرادت بها تعزيز إنسانية النظم الاجتماعية، بالإشارة إلى خطاياها الخفية وهي تعمل فى ظل التوجهات الوظيفية للمجتمع الرأسمالي الطبقي، رؤي ونظريات حاولت بها خلق نموذج مجتمع يسوده العدل والمساواة يحيا فيه الإنسان في آمان، عوضاً عن العيش داخل النموذج الرأسمالي تحت تهديد الافتراس.
وكان للنظام التعليمي نصيباً وافراً من هذه النظريات التي حددت له مواصفات تجعله أكثر إنسانية، أو أكثر تحقيقاً للعدالة وتكافؤ الفرص ومساواتها بين جميع أبناء وفئات الوطن، بعيداً عن صيغ التعليم اللاإنساني الذى يتم فيه الفتك بالفقراء والفئات المهمشة عبر إجراءات وسياسات متعسفة.
وهي نظريات يتردد صداها بوضوح في شعارات ونشاطات منظمة اليونسكو التي تركز على البعد الإنساني لجهود التعليم حول العالم، وتصطدم مع توجيهات البنك وصندوق النقد الدوليين لحكومات العالم الثالث ودفعها نحو تبني النموذج الرأسمالي الذي يحوّل التعليم بالتبعية إلى كائن يفترس أبناء الفقراء والمهمشين بين أحشائه، وكأنه التناقض بين حرص نداءات اليونسكو لمنح هؤلاء فرصة الالتحاق بسفينة التعليم، وضغوطات البنك والصندوق وهي تجهز على فرصة استمرارهم فوق سطحها.
وفيما يلي نقدم نماذج لهذه النظريات، نفسر من خلالها مبررات الحكم على التعليم المصري – بسبب مشكلاته المزمنة والتحولات الجارية فيه وفى المجتمع الكبير – بأنه قد فقد ولا زال يفقد مضمونه الإنساني، لتهيمن عليه بعنف نزعات التوحش والافتراس لغالبية مستفيديه من أبناء فقراء مصر وأبناء الشريحة الدنيا وربما المتوسطة من الطبقة الوسطي، ممن تحتشد بهم المدارس الحكومية:
جاءت نظرية الذكاءات المتعددة التي اعتبرت أن الفروق بين الناس ليست فروقاً فى درجة الذكاء، بل في نوعه (إن كان ذكاءً لفظياً، أو ميكانيكياً، أو رياضياً أو اجتماعياً أو موسيقياً …الخ) فظهر التعليم متعدد المسارات، الذى خصص لكل نوع ذكاء مساره المكافئ لبقية المسارات فى قيمته الاجتماعية وتقديره، لتختفي مصطلحات الفرز والتصنيف المعيبة كالطالب الذكي والطالب الغبي، واختفت أو كادت مظاهر الهدر كالرسوب والتسرب، فالكل يبقي على سطح التعليم حتى المرفأ الآمن، ، نظرية خلقت واقعاً تعليمياً يحتضن الجميع، داخل مجتمعات احترمت إنسانية أفرادها، ولم تسمح بتفاوتات بينهم يترتب عليها مظالم.
أما نظم التعليم المتوحشة لازالت محكومة فى بنيتها ومحتواها بنظرية الذكاء العام التقليدية – والتي تعتبر أن جميع البشر يملكون نسباً متفاوتة من نمط ذكاء واحد – فكان تعليماً طبقياً بامتياز، وهو يفرز ويصنف أبناء الوطن وفق درجة ذكائهم هذا، على غرار الطبقات الاجتماعية داخل المجتمع الكبير، فهناك الأقلية النابغة والعبقرية (معادل الأثرياء في المجتمع) وأقلية منحطة الذكاء (الفقراء والمهمشين) والغالبية العظمي من متوسطي الذكاء (أفراد الطبقة الوسطي) وأصبح تعليماً أحادياً يسعي لإنتاج مخرجات بنفس المواصفات والملامح والقسمات، كأنه مصنع ينتج شحنة من نفس السلعة بدرجات جودة متفاوتة، تبرر للمتعلمين وأفراد المجتمع – بشكل غير مباشر – واقع التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن تفاوت مقدار ما يملكه البشر من ذكاء، وبالتالي تقبل مظاهر تصفية الفقراء والمهمشين اقتصادياً واجتماعياً.
وفي اجتماعيات التربية ظهرت العديد من النظريات التى رصدت انعكاسات الواقع الطبقي داخل المجتمعات الرأسمالية على حقل التعليم، والتى تتجسد فى العديد من ممارسات التوحش وافتراس أبناء الفقراء:
فهذا الواقع أنتج تعليماً أكثر تناغماً – فى بنيته ومحتواه – مع ثقافة الطبقة المهيمنة داخل المجتمع، بالتالي هو مجهز لهيمنة أبناء نفس الطبقة على فرص النجاح والتفوق (نظرية الهيمنة)
وهو تعليم يبدو من حيث الشكل ديمقراطياً وإنسانياً وهو يمنح فرص الالتحاق لكل أبنائه من الأغنياء والفقراء، لكنه في الواقع يغمض عينيه عن التفاوت فى كمية ونوعية خبرات ما قبل المدرسة لدي هؤلاء الأطفال، أو ما يملكونه من رأس مال ثقافي، والذي يكون بطبيعة الحال لصالح أبناء الأغنياء، بالتالي يتجاهل واقع انعدام الفرص المتكافئة بينهم وأبناء الفقراء منذ بداية السباق (نظرية رأس المال الثقافي)
يترتب على ما سبق أن يفقد التعليم دوره فى تحقيق الحراك الاجتماعي واتاحة فرص الترقي والصعود لأبناء الطبقات الأدني، ويصبح مجرد آلية فرز ومصفاة تؤهل الناجحين والمتفوقين من أبناء الأغنياء لاحتلال مواقع ومكانات آبائهم فى قمة الهرم الاجتماعي، وتلقي بأبناء الفقراء من الراسبين والمتسربين عند نفس مواقع الآباء فى القاع (نظرية إعادة الإنتاج)
وكان من تداعيات هذه النظريات أن اتخذت إجراءات ورسمت سياسات فى نظم تعليم الدول المتقدمة تحافظ على العدالة والمساواة بما يحفظ لها طابعها الإنساني.
وفي كتابه “تربية المقهورين” أدان المفكر التربوي البرازيلي “باولو فريري” آلية التلقين السائدة في بيئات التعليم المتوحش، وما يترتب عليها من تخريب لهذا العقل وتعجيزه عن إنتاج وتشكيل وعيه بالعالم من حوله، وتحويل المتعلم إلى كائن سلبي يشبه عروس الماريونيت التي يمسك بخيوطها المعلم والوزارة وكتاب الحكومة، يلقنونه كيف يفكر، وكيف يشعر، وكيف يسلك، أو كيف يقرأ السطور والكلمات الرسمية ” كما وردت في الكتاب المدرسي” وما ينبغي أن يعبر به حول الواقع المعاش بعد تجميله وتلميعه (تزييفه) بدلاً من مساعدته على تنمية قدرته على قراءة العالم كما يراه ويشعره، أو كما هو بلا تجميل أو تزييف، هو التعليم الذى يصنع المواطن المقهور، ليتم تسليمه لسلطات الاستبداد.
واستجابت نظم التعليم في الدول المتقدمة – مع محاولات بائسة أو فاشلة لبعض الدول المتخلفة – واعتمدت التعليم الحواري وتربية الحرية، وفق تسمية فريري، من أجل تحقيق إنسانية المتعلم، وتحويله من مجرد شيء داخل العملية التعليمية، إلي إنسان كامل الأهلية، ساعد على ذلك ثورة المعلومات التي نوعت وعددت مصادر التعلم والمعرفة، لتفقد سلطات التعليم الرسمية احتكارها للعملية التعليمية.
وفي النهاية، فإن التغيرات الجارية على ساحة التعليم المصري، قد افتقدت الرؤية المستندة على ما يطرحه العلم التربوي من نظريات، وللقراءة الاجتماعية الواعية للواقع المصري بكل تضاريسه وتعقيداته ومشكلاته، واكتفت بالحديث عن فنيات تماشياً مع استمرار التعامل الميكانيكي مع التعليم كآلة، وليس نظاماً له جذوره المجتمعية، الأمر الذى أدي إلي حالة الارتباك الحاد التي يشهدها واقعنا التعليمي، ومسار النقاش العام حوله، ويصعب وصفها بأنها إجراءات اصلاح تربوي حقيقي، تدفع في طريق النهوض بالمجتمع بكل طبقاته وفئاته.
وأبعد من ذلك نقول أن ساحة التعليم فى مصر بسبب هذه التغيرات – قد تحولت لغابة ملؤها القسوة والتوحش والهمجية – حيث تعددت أنماط التعليم (وفق القدرة الاقتصادية للمستفيدين لا وفق تعدد مساراته أمام الجميع) وتم تعميق الفجوات بينها، اتساقاً مع اتساع وعمق تنامي الوضع الطبقي بالمجتمع الكبير، وبدلاً من السير في اتجاه تحقيق إنسانية هذا التعليم، تم الانصياع لتوجيهات البنك والصندوق، من حيث تقليص تمويله الحكومي، وترك ساحته للقطاع الخاص، فتحول داخل مدارسنا – الحكومية بالذات – إلى وحش كاسر له أنياب شيطان يمتص بها رحيق الأطفال، يقضي على استعداداتهم الفطرية، ليتم حشوهم بغث الأفكار وفتات المعلومات، في بيئة تعلم غير آدمية متهالكة، وأمام معلمين مقهورين لا يملكون سوى صب الغضب والانتقام لهشاشة أوضاعهم، مرة بهدر كرامة تلاميذهم داخل المدارس، وتارة بابتزاز آبائهم داخل المنازل، بعد أن تحول هذا التعليم الرث المشوه إلى سلعة رديئة يتم تداولها في سوق يحكمه الغش والتلاعب والدعاية الكاذبة.

أستاذ اجتماعيات التربية بجامعة طيبة – المدينة المنورة


شاهد أيضاً

د. احمد يوسف سعد*/تربية وتعليب تجربة جيل ما قبل الإنهيار

في كتب النصوص كانوا يقدمون لنا شعراً خشناً قديماً يحتشد بالعديد من الألفاظ المهجورة، يأمروننا ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *