الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.عماد بسام غنوم* :الانتفاضه اللبنانيه خطاب الهامش في مواجهة خطاب المركز

د.عماد بسام غنوم* :الانتفاضه اللبنانيه خطاب الهامش في مواجهة خطاب المركز

الانتفاضه اللبنانيه

خطاب الهامش في مواجهة خطاب المركز

يركز النقد اليوم في بعض جوانبه على أشكال الخطاب ويقارن بين ما يسميه خطاب المركز وخطاب الهامش، وإن كانت نظرية المركز والهامش ولدت بفعل آثار العولمة التي طرحت نفسها بديلاً عن التنوع الثقافي، واكتساح الهوية الحضارية للشعوب، فشاع الحديث عن الصدام الحضاري ونظرية المركز والهامش أو الأطراف،التي وظفت لدى العديد من المفكرين شرقًا وغربًا، وهذا ما ولد تساؤلات جوهرية: ما مصداقية موضوع تواصل الثقافات في عصرنا وآفاقه في ظل ثقافات تمارس الاستعلاء على بعضها الآخر؟ وما حقيقة التواصل في كنف ثقافات تؤججها مواقف إيديولوجية متصارعة؟ وكيف يمكن أن نقيم حوارًا بين طرفين غير متكافئين؟ هل يمكن تحقيق تواصل قادر على إقامة جسور من التفاهم تتجاوز الصراع؟ وتقوم على مبدأ الإيمان بالتنوع بدل لغة الهيمنة والإلغاء التي يمارسها الآخر؟ إن هذا الشكل من نقد الخطابات الثقافية يمارس اليوم في محاولة تفكيك الخطاب الغربي أو بالتحديد الكولونيالي في الغرب، لكن بإمكان هذا الخطاب النقدي أن يتسع ليشمل أشكال الخطاب المتباين تجاه بعض الأجناس أو الأعراق داخل الدولة الواحدة، كما هي حالة السود في أميركا في منتصف القرن العشرين، حيث شكل وجودهم حضوراً هامشيًا إذا ما قارناه بالحضور المركزي للبيض، وتفوق خطابهم الثقافي والسياسي. ويمكن القول حول جدلية المركز والهامش في الدولة الحديثة بأنها منهجياً، الوضعية التاريخية للدولة التي تجمع فيها كيانات متنوعة ثقافيًا ومتمايزة عرقيًا ومختلفة دينيًا ومتفاوتة تاريخيًا، في شكل الدولة الحديثة. وتقول الفرضية أنه غالبا ما تقوم بعض هذه الكيانات بالسيطرة على جهاز الدولة وتستثمره إقصائيًا على مستويات عديدة، وتتحول المحددات الثقافية من لغة وآداب وفنون وعادات وتقاليد وعقائد وتراتبيات اجتماعية إلى أسلحة أيديولوجية، ويتمفصل العرق واللون مع الطبقة وتقسيم العمل، والديني مع السياسي، والمذهبي واللغوي مع الاجتماعي، وتكون النتيجة وضعية تاريخية مأزومة ويكون الصراع فيها صراعًا شاملاً، صراع هويات ضد هويات، صراع كل ضد كل، صراع ثوابت ومتحولات عند كيان اجتماعي ما ضد ثوابت ومتحولات عند كيان آخر. هذه الوضعية نسميها جدلية المركز والهامش التي هي ليست بالضرورة قائمة على البعد الجغرافي، بل هي جوهريًا تمركز وتهميش عرقي وثقافي وسياسي واقتصادي وديني. وقد تأخذ أبعادًا مذهبية في الدين الواحد، وتتطور بإعادة إنتاج نفسها في شكل أزمات متصاعدة. وتتعارض هذه الوضعية التاريخية جوهريًا مع الديمقراطية والتنمية مما يقود إلى أقصى تجليات أزمتها في الحروب الأهلية وأزمات الهوية. في الحقيقة يشبه هذا التوصيف واقع الدولة اللبنانية، لذلك تعرض الكيان اللبناني للعديد من الأزمات عبر تاريخه منعًا لمحاولة همينة أحد المكونات الإثنية على الكيان اللبناني، وبالتالي تهميش المكونات الأخرى. لكن ما جرى منذ اتفاق الطائف عام 1991 هو عمليًا تقسيم دقيق للسلطة والنفوذ بين الطوائف العديدة التي تشكل الكيان اللبناني، ونحجت السلطة إلى حد ما في فرض رؤية موحدة أو خطاب موحد على اللبنانيين وتشكلت طبقتان في الواقع، طبقة سياسية من أمراء الحرب السابقين ومن رجال الأعمال ومن يدور في فلك هؤلاء وقد تكونت من مختلف الطوائف اللبنانية، وطبقة ثانية شعبية مهمشة خضعت لهمينة خطاب السلطة وراحت تكرره في كل مكان، فيكفي أن يطلق سياسي تصريحًا ضد خصومه، ومهما بدا غير واقعي وغير منطقي، حتى يردده التابعون له ويصير أمرًا واقعًا بفعل تكراره. لكن ما حدث في الانتفاضة اللبنانية الأخيرة سعى إلى قلب الطاولة على خطاب السلطة، التي كانت تسخدم للمحافظة على بقائها، خطابًا يمنيًا حادًا، قائمًا على التخويف من الفريق الآخر في الوطن، متجاهلة كل أشكال الفساد وتراجع الخدمات، واستغلال النفوذ الذي كانت تمارسه الطبقة الحاكمة، الأمر الذي أدى إلى تدهور اقتصادي كبير، وتراجع في الواقع المعيشي للبنانيين، ما فجر الانتفاضة الأخيرة في وجه أركان السلطة مجتمعين. ولأنه لا بد للحراك الشعبي من إطار ثقافي يعبر عنه، فقد شهدنا ولادة شكل جديد من أشكال الخطاب، خطاب كان هامشيًا في السابق، بلا صوت مسموع، لكنه كان يغلي في نفوس اللبنانيين. وعلينا أن نعترف أن تقاليد الحرية في لبنان، وتقدم وسائل الإعلام وامتلاك بعضها استقلالية عن السلطة السياسية إلى حد ما، قد ساعد على تظهير هذا الخطاب الهامشي، ووضعه في صلب الأحداث، وفي مواجهة خطاب السلطة المركزية الذي تراجع في أثناء الحراك اللبناني. لقد شهدنا منذ اليوم الأول للانتفاضة اللبنانية التي عمت مختلف المناطق على مساحة الوطن، نزول أعداد كبيرة من الناس العاديين والمهمشين للاحتجاج على سياسات الدولة الاقتصادية، وكانت وسائل الإعلام تغطي الحدث بكفاءة عالية، وتتنقل بين المتظاهرين والمحتجين وتستمع إلى آرائهم وشكواهم، لقد تكلم على شاشات التلفاز في أيام الانتفاضة عدد كبير من اللبنانيين الهامشين إن صح التعبير، فقد تكلم سائقو الحافلات وسيارات الأجرة، وباعة الخضار، والعمال في الورش، ومعلمو المدارس والجامعات، والنقابيون…، والنساء وربات البيوت، والفتيات المهمشات، والطلاب من مختلف المراحل الدراسية ومختلف الأعمار، صحيح أن بعض الصحفيين كان يرفض أخذ تصريحات من الأطفال، إلا أن هناك استثناءات قام بها الصحافون لصالح الأطفال المفوهين والمتكلمين. لقد منحت وسائل الإعلام اللبنانية صوتًا قويًا لهؤلاء المهمشين، الذين كان بعضهم ينتقل من شاشة إلى شاشة أخرى ليتكلم ويعبر عن رأيه، فكأنما كان يريد أن يعوض عن الكبت الطويل في التعبير عن الرأي، وأن ينتقم من التهميش الذي لحق به وبرأيه، وقد مر على الشاشات الكثير من الأشخاص الذين نعرفهم، ونلتقي بهم دائمًا، وقد سمعنا صوتهم هادرًا مدويًا في وجه خطاب السلطة ومركزيته. وفي أثناء صعود خطاب الهامش الذي ترافق مع الحراك، شهدنا انكفاء خطاب المركز والسلطة وتراجعه، فقد كان السياسيون تحت وقع الصدمة يجهلون ماذا يجب عليهم قوله، ومن النكات التي تندر بها الحراك اللبناني أن أحد الوزراء الذي كان يغرد مرارًا كل يوم على تويتر بقي 13 يومًا من دون أن يغرد، لقد كانت القنوات اللبنانية تستقبل في استديوهاتها مساء شخصيات من الحراك، وتتجنب السياسيين (وإن كانت لاحقًا عادت إلى استقبالهم)، ما شكل تراجعًا آخر في خطاب المركز أمام خطاب الهامش. أما عن مضمون خطابات المهمشين من مختلف ساحات الوطن، فقد تلاقت الخطابات عند مجموعة من النقاط التي اتفق عليها الجميع، واختلفت في نقاط أخرى، لقد اتفق الجميع على تحميل الطبقة السياسية من مختلف الطوائف المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية في البلاد من تراجع وتدهور من دون إعفاء أحد، وقد اتفق الجميع على نبذ الطائفية والاختلافات الدينية والمذهبية التي غذاها أهل السلطة للبقاء في مواقعهم، كما أجمع المتظاهرون على ضرورة محاسبة كل المرتكبين والمقصرين في أداء واجباتهم من أهل السلطة، ورجال الحكم، وكبار موظفي الدولة الدائرين في فلك المركز. أما النقاط التي يمكننا القول إن الحراك اختلف حولها، ولكنه أجلها إلى بحث لاحق، قضايا الدولة المدنية أو العلمانية، وإلغاء الطائفية السياسية، وسلاح المقاومة، والزواج المدني، وفي الواقع تعتبر هذه القضايا نقاطًا خلافية، ويعود الاختلاف حولها إلى مجموعة من العوامل الاجتماعية والاختلافات الدينية والثقافية وغيرها… وليس المجال هنا للحديث عنها. باختصار يمكننا القول إن الانتفاضة اللبنانية قد أدت إلى صعود خطاب الهامش الذي ابتعلته المدينة الحديثة، خطاب المهمشين والمقموعين الذين لا يُسمع صوتهم، في مواجهة خطاب المركز، خطاب السلطة التي مارست كل أشكال القمع والاضطهاد بحق هؤلاء.

* محاضر في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية وجامعة طرابلس

شاهد أيضاً

مؤتمركلية الإعلام الثامن بالآهرام الكنديه يكرم د. سعيد اللاوندي

تنطلق الأربعاء القادم فعاليات مؤتمر العلمي الدولي الثامن لكلية الإعلام بجامعة الأهرام الكندية بعنوان « ...