الرئيسية / أخبار ثقافيه / نصري الصايغ*:هو وأنا….. ضدان يلتقيان

نصري الصايغ*:هو وأنا….. ضدان يلتقيان

قدم الأستاذ نصري الصايغ هذا المقال البديع بكرمه المعتاد تلبية لطلب من د.فاطمه الحصي لإلحاقه بالكتاب الذي تعده حول المفكر المصري الدكتور سعيد اللاوندي قبل أن يرحل بشهور قليله .


أحار من أين أبدأ …
من العقل ؟من القلب؟ من العينين ؟ من الصمت …؟
كل هذه الأصوات التي غابت ، تعود إلىّ عندما تلوح في بالي صورة باريس ، تتدافع الذكريات في أمكنتي العربيه .
لباريس سحر الأحلام وإيقاعات الخطى ..
هناك، اذ أتذكر ، ألتقي بأصدقائي ، أتسلل في شقوق الذاكره ،أصل إلى شارع 4 سبتمبر المشتق من ساحة الأوبرا ، أصعد الدرج الخشبي اللولبي ، أقرع الجرس ، فينفتح باب مزمن وأسمع كلاما عربيا بنكهه مصريه ..
يالله كأن مصر حضرت ، وفي لحظه أستحوذ على لذة الإصغاء إلى ما يفيض من اللغه من يسر ومتعه ،بلاد هذه صوتها موسيقى .
من هنا أبدأ…
يدخل شاب مكتبي ، أصافحه ويصافحني ، لا يدخل في صلب الموضوع ، نتحادث قليلا ، أعرف أن الذي أمامي لا يشبه الآخرين ، إنه سعيد اللاوندي الباحث عن المعرفه في عاصمة الفكر والتجديد ، ولم أعد أذكر ما الذي دفعني لأن أصدقه ، كنت صلفا معه ، وكان مبتسما وهادئا ، ولم يندم على صمته ، عرفت منه أنه بصدد إعداد أطروحته عن عباس محمود العقاد ، بادرته :” ألم تجد سواه ، لم يعد العقاد يصلح لعصرنا “، تجرأت أكثر ، الحاحي لتغيير أطروحته أضاف ابتسامه على وجهه ، لم يقتنع ولا أنا اقتنعت ، وصرنا كلما التقينا نتحدث في كل شئ بإستثناء العقاد ، نفيناه عن مجالسنا ، لدينا هموم أخرى وقضايا أخرى .
المكان سياسي بالكلمه والصوره ، كنتُ هاربا من حروب بيروت ووجدتُ عملا في مجله سياحيه ،وهناك تعارفنا ، لا أنا سائح ولا سعيد كذلك ، لذا كانت لقاءاتنا تدور حول الثقافه والسياسه والأفكار الجديده .
ما زرعه سعيد فيً أنه كان مؤمنا بالمستحيل والصعب وأنه برغم قسوة الحياه في باريس وندرة العيش والمال لابد من ثروة الإيمان والتضحيه ، كنت أتساءل متى يتسنى له الوقت كي يتابع أطروحته وهو يكدّ ويجدّ في طلب العيش؟
شكى لي مرارا ، كنت أكذب عليه وأشجعه على المثابره برغم معرفة المسار .
لم يكن بحاجه إلى تشجيعي أبدا ، كانت لديه إراده صلبه وإيمان كبير وطاقه على تحمل المشاقات بهدف بلوغ المعرفه ، أحيانا كان يصل إلى حافة اليأس ولم يكن عندي غير أن نعبث معا لدقائق فيستعيد سعيد ضحكته ويجلجل المكان بلهجته المصريه المحببه ، إنه بجد الفرح المصري بلغه فصيحه جدا .
كان يلومني بمزيج من الجد والفكاهه ، كنتُ عبثيا جدا ، مٌن فقد أحبابه وبلاده وصار شريدا في شوارع باريس لا يجد متسعا من الوقت ليكون جديا ، تصير الحياه لُعبه ، كنتُ ألعبها ، أغالب اليأس بالعبث فيما سعيد يغلب القله القليله التي هو فيها بكثير من الجد والإحتراف ، كان يقف على أرض رخوه بإراده صلبه ، وهكذا وجد طريقه إلى جريدة الأهرام ومكتبها في باريس ، وبدأت رحلته السياسيه إلى جانب مشروعه الأكاديمي .
جلساتنا كثيره ، أنسى كل شئ فيها بإستثناء حواراتنا السياسيه التي كانت تشغلني كثيرا مبتعدين عن الفكر لعدم قناعتي بأن للفكر مقاما عند عرب الأزمنه الحاضره والماضيه.
سألت نفسي :” مالي وللعقاد ، حاول أن تعيد قراءته ” وخفية عن سعيد رحت أقرأ العقاد بكل شجاعه ومراره ، لم أقتنع ، هذا رجل يصلح للماضي فاتحت سعيد بما قرأته فضحك ملأ قلبه وعينيه ، وعندها أصبحنا صديقين مختلفين بالرأي ، وكم كان خلافنا حيويا ومفيدا .
بت أقرأ له ما يكتبه في الصحافه ، سُررتُ به ، كان لينا في لغته ، واضحا في عبارته ، صادقا في صياغاته ، ودقيقا في معلوماته ، إلا أني كنت أشاكسه سياسيا ، وما أجملنا نقيضين !
لم يكن الذكاء ينقصنا ، كانت القصه التي في القلب تكتم الكثير من البوح الضروري ، أجهزة الرقابه أشد قمعا من شياطين السلطه .
عشنا باريس على مزاجنا ، أخلص سعيد لنفسه ،عبًأ عقله فكرا ونقدا وممارسة ، فيما كنتُ مراودا للشكوك اذ لا يقين عندي حتى كدت أن أتدرج من العبثيه إلى العدميه .
كيف لضدين أن يجتمعا ؟
سعيد الطيب استوعبني وعرفني كما عرفته وأحببته ، كان نسيجا خاصا في العقل والمعاناه ، فضيلته أنه انتصر على معاناته بصبره وعقله وإيمانه حتى بلغ مرتبه في الفكر أهلته لأن يكون مسموعا ومقروءا .
اليوم -أقف على عتبه العمر – لا أندم على ما أنا عليه من عبث وفوضى وجنون ، وأظنه هو الضفه الأخرى سيد نفسه وعقله وتجربته ، ولا شك أن انسانيته هى متكاه الأخلاقي الذي لم يحد عنه .
تجربتي مع سعيد فريده جدا ، نحن نقيضان متحابان ومتفاهمان بأن العالم يتسع للأختلاف ، لا بل إن الاختلاف شرط من شروط الصداقه الدائمه والصعبه .
تحيه لأخي عن جد سعيد اللاوندي ، وأختم بسؤال :هل مازلت عند موقفك من العقاد ؟”، أنا لاأزال على موقفي.
أيها الضدان الجميلان تليق بنا الحياه…

*أديب وكاتب من لبنان

7/9/2019

شاهد أيضاً

د/فاطمه الحصي*/الباحث ما بين مطرقة عقدة الإضطهاد وسندان نظرية المؤامره

الباحث ما بين مطرقة عقدة الإضطهاد وسندان نظرية المؤامره ما بين مطرقة عقدة الإضطهاد وسندان ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *