الرئيسية / أخبار ثقافيه / نوال السعداوى* العلاقة بين تحرير الطبيعة وتحرير النساء

نوال السعداوى* العلاقة بين تحرير الطبيعة وتحرير النساء

أصبحت قضية المرأة علما من العلوم ، له كُرسى فى الجامعات مثل الطب والهندسة ،
وأصبح علينا النظر الى قضايا النساء نظرة علمية شامله ، لأنها ترتبط بكل مجالات الحياة
العامة والخاصة .
هناك فكرة خاطئة تقول أن حركة تحرير المرأة ، هى فكرة مستوردة من الغرب .
لكن دراسة تاريخنا قديما وحديثا ، تكشف لنا أن حركة تحرير المرأة قديمة فى بلادنا ،
قدم نشوء العبودية ، وأن فلسفة ايزيس المصرية لم تنهزم بسهولة ، وظلت تقاوم
عشرات القرون حتى منتصف القرن السادس الميلادى ، وفى عام 380 ميلادية أصدر
الاميبراطور ثيوسيوس أمره بحرق كل مخلفات ” ايزيس ” وغيرها من رموز الحضارة المصرية القديمة ، وقُتلت ” هيباثيا ” أستاذة الفلسفة فى جامعة الاسكندرية ، وحُرقت الكتب والمكتبات . نجا من هذا التخريب والحرق ، بعض الآثار فى أقاصى الصعيد وخاصة فى جزيرة فيلة التى أصبحت الملجأ الوحيد لأعوان ” ايزيس ” . ويُقال أن أربعين ألف صورة ، وتمثال لايزيس تم تدميرها دفعة واحدة .
اذن القول بأن حركة تحرير المرأة هى مستوردة من الغرب ، أكذوبة ، متعمدة لالغاء
نضال المرأة فى بلادنا ، وقطع الجسور بين النساء المكافحات على مر العصور . أو ربما الأمر جهل بالتاريخ ، وعدم استعداد لبذل الجهد لاعادة قراءة التاريخ ، وانصاف النساء .
ان حركة تحرير المرأة ، تتميز بأنها حركة محلية وعالمية فى آن واحد . مثلها مثل
الحركات التحريرية الانسانية الأخرى ، مثل حركة العبيد وحركة الزنوج وحركة الشباب ،
وحركة العمال وحركة الخُضر وغيرها .
ان المؤتمرات الدولية التى تُعقد فى مختلف أنحاء العالم ، تساعد هذه الحركات التحريرية

على تبادل الخبرات والأفكار والتعاون واستعادة الروابط المفقودة بينها ، من
أجل تحرير البشر فى كل مكان ، من بقايا العبودية ، والعنصرية التى تفرق بين الناس ،
على أساس الطبقة أو الدين أو الجنس أو العرق أو اللون أو السن .
وبسبب الخطر الذى أصبح يهدد البيئة بالتلوث ، وازدياد الاهتمام بحماية الطبيعة
من جانب النساء ، برز سؤال : هل هناك علاقة ترابط بين المرأة والطبيعة ؟. هل تحرير
المرأة يعتمد على تحرير الطبيعة ، أو تحرير الطبيعة يعتمد على تحرير المرأة ؟ .
ان الفكرة الأساسية وراء تحرير المرأة من العبودية متنوعة الأشكال ،

هى أن العبودية الأولى فى التاريخ البشرى ، كانت عبودية المرأة وسيطرة الرجل عليها .

وقد أدت هذه السيطرة فى العلاقات البشرية الى فكرة السيطرة على الطبيعة .
ان استعباد الطبيعة واستغلالها بواسطة النظام العبودى ، الذى تتطور الى النظام
الرأسمالى الأبوى ، مرتبط فى جوهره باستعباد المرأة واستعلالها . وليس صدفة ،
أن غالبية أعضاء أحزاب الخُضر والبيئة هم من النساء ، غربا أو
شرقا . لقد أدركن الترابط العضوى بين ” الذكورية ” القائمة على قهر النساء والعنف الموجه لهن ،

من ناحية وبين ” الرأسمالية ” القائمة على تضخيم الربح ورأس المال ،
الذى يقتضى التوسع فى الاستثمارات ، وهذا التوسع لن يتم الا بالمزيد من قهر الطبيعة .
” الاغتصاب ” ، ” التحرش ” ، ” العنف ” ، ” التخريب ” ، ” التشويه ” ، ” الحرق “،

كما هى ممارسات ضد النساء ، هى كذلك ممارسات تخضع لها الطبيعة والبيئة والموارد.
لكن الفكرة القديمة التى تبنتها بعض القيادات النسائية فى الغرب ، ومنهم الكاتبة
الفرنسية ” سيمون دى بوفوار ” ، كانت تقول أن تحرير المرأة يقتضى الفصل بين
المرأة والطبيعة . كان هذا رد فعل ، تجاه الفكرة العنصرية التى تهتبر الرجل رمزا ،
للعقل والفكر والفلسفة والحضارة والتاريخ ، أما المرأة فهى رمز الجسد والأرض ،
والطبيعة . لكن التطور العلمى والفكرى أدى الى الغاء هذا الفصل التعسفى ، بين
الجسد والعقل ، وبين المرأة والرجل . وساهمت النساء من خلال حركة الخُضر ،
وجمعيات حماية الطبيعة والموارد ، الى استعادة العلاقة الوثيقة الحميمة ، بين
الطبيعة والانسان رجلا كان أو امرأة ، والى رفع الوعى الانسانى بأننا جميعا
جزء من طبيعة أكبر ، تحتاج الى التحرير والحماية والتقدير . ونتيجة لذلك ،
ظهر مصطلح جديد اسمه الحركات النسائية الايكولوجية ، أى الحركات النسائية
البيئية .
لقد قامت النهضة الصناعية الأولى ، وحتى يومنا هذا ، على ” تسخير “
الطبيعة من أجل المزيد من الصناعة والمزيد من الاستهلاك والمزيد من الأرباح .
ولكن بعد التلوث الهائل لكوكب الأرض ، للماء والهواء والنبات والحيوان ،
والمخلفات الصناعية فى المدن الكبرى والصغرى ، وقطع الأشجار ، وما نتج
من ظواهر مستحدثة ، مثل تغير المناخ والاحتباس الحرارى ، وظهور أمراض
التلوث والتى تؤدى الى الوفاة مبكرا ، أو حدوث اعاقات ، أو تكون أجنة مشوهة ،
والكثير من الاضطرابات العضوية والنفسية أصبحت من أثار التلوث البيئى . كل هذا
وغيره ، أدى الى ثورة فكرية مختلفة تعتمد على أن نجاح الرجل فى الحياة ،
لا يعنى سيطرته على المرأة أو على الطبيعة ، أو على أى انسان آخر . أصبح
نجاح الانسان فى الحياة ، هو ادراك العوامل التى تؤلف بين الانسان وبين
البيئة المحيطة ، وبين النساء والرجال ، وبين الكائنات الحية الأخرى ، التى تشاركنا
الحياة على هذا الكوكب ، وعادت الفكرة الانسانية الأولى القائلة ، باحترام الحياة
الكلية ، وعدم انتهاك تنوعها البيولوجى ، واعتبارها شيئا مقدسا .

* الأهرام

شاهد أيضاً

د.فاطمه الحصي *الإعلام الجديد والتحرش**

دور الإعلام الجديد فى علاج بعض الظواهر الإجتماعية السلبية بالمجتمعات العربية (ظاهرة التحرش أنموذجا) · ...