الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.أحمد يوسف سعد *ما خفيَّ كان أعمق تأثيراً

د.أحمد يوسف سعد *ما خفيَّ كان أعمق تأثيراً

(1)
صحا من نومه متثاقلاً تطارد مخيلته صورة المعلم بصوته المرعب وعصاه المخيفة، تذكر أن هذا الصباح ليس صباحه فى وجبة الإفطار، أرتدي (مريلة المدرسة المكرمشة بجيوبها الممزقة) ولبس حذائه المهترئ وجوربه المزخرف بالثقوب، هبط درجات بيتهم المتآكلة مسرعاً، لفحه الهواء البارد بالخارج، واكتست شفتاه بلون مائل للزرقة بسبب الأنيميا، حاملاً حقيبته المكدسة بالكتب والكراسات راح يجتاز دوائر ماء طفح المجاري التي حاصرته من هنا وهناك، يهش الذباب المتزاحم على وجهه بيده الخالية من الحقيبة ، يمر بأكوام القمامة طوال طريقه للمدرسة. دخل من بوابتها الحديدية الصدأة، استقبله المعلم مشرف الفناء بصرخة سباب ناعتاً أبيه بالكلب، جري مسرعاً لينضم للطابور، وبعد تحية العلم والوطن صعد مع زملائه للدور الأخير حيث فصله الدراسي بجدرانه المشققة المزدحمة بثقوب العنكبوت، جلس على مقعده المتهالك حذراً من المسامير الناتئة فيه، وبصعوبة راح يقراً فوق سبورة كالحة السواد عنوان الدرس “وطنى جميل ومدرستي نظيفة ومتطورة” شرحْ المعلم وحماسه المصطنع في تكرار ما احتواه الكتاب المدرسي لم يفلحا في تغيير معني الوطن الذي كان يتراكم ويُختزن داخل عقله من خبرات البيت والشارع والمدرسة.
(2)
بينما كانت المعلمة تتأهب لقص الحكاية التي تضمنتها القصة المصورة التي ترفعها أمامهم، كان مستغرقاً في الحلم بمدرسة وبيت وشارع وأب وأم ومعلمين أفضل، عالم طالما رآه ملوناً علي شاشة التلفزيون، وتوقف شريط الخيال لما بدأت المعلمة في الحكي، فراح يستمع، كان هناك فأر تخيفه وتطارده القطط، فدعا الله أن يجعله قطاً مثلهم، ولما صار قطاً طاردته الكلاب، فدعا ربه أن يحوله لكلب، فكان له ما أراد، فطاردته الذئاب، فتمني أن يكون أسداً يخيف جميع الحيوانات ولا يخاف منهم، وبينما كان يسير آمناً في الغابة بعد أن أصبح أسداً، وقعت عليه شبكة كبيرة أعدها الصيادون، شُلت حركته، ورأى فتحات الشبكة الصغيرة التي لا تتسع لحجم الأسد لينفذ منها، فدعا ألله أن يعود فأراً حتي يتمكن من الهروب، فكان له ما أراد، فشكر ربه بعد أن عاد لما كان عليه. وفى نهاية الحكي أوصتهم المعلمة بقيمة القناعة والرضا بما قسمه الله لنا.
(3)
دخل عليهم في الفصل المعلم بلحيته الكثيفة، ووجهه المتجهم المخيف، نظر غاضباً للبنات الجالسات في الصفوف الأولي، صرخ فيهن مشوحاً بيده (يلا يا بت أنتي وهي أرجعوا ورا في آخر صف) ونادي على الصبيان بأسمائهم وبنبرة هادئة دعاهم ليحتلوا أماكن البنات، ثم استدار ليكتب على السبورة عنوان الدرس “المساواة بين الجنسين” وراح يشرح ويستفيض ويسترسل، وصوته يرتفع وينخفض، بينما كانت البنات جالسة في حزن وقد هيمن علي نفوسهن إحساس العار، لكونهن فتيات.
(4)
كان معلم التربية الدينية يحدث تلاميذه عن عذاب القبر، وما يحدث للميت بعد موته، رفع التلميذ أصبعه طالباً استفسار، أذن له المعلم بذلك، فانطلق السؤال من فم الطالب كطلقة رصاص (إزاى عرفنا هذه الأحداث على الرغم أن مفيش ميت عاد من موته ليحكي لنا عنها؟) أصابت طلقة السؤال عقل المعلم، فانفجر معنفاً التلميذ قائلاً: هذه حقائق إيمانية لابد من الأخذ بها دون نقاش، وأمام صورة وجهه الغاضب انكمش التلميذ وجلس صامتاً. وربما لم ينطق بحرف في بقية سنوات دراسته اللاحقة.
الخلاصة
هذه الوقائع وما هو أخطر منها يحدث في واقعنا التعليمي، فأطفالنا يتعرضون – كما يعرف التربويون – لنوعين من المؤثرات: مؤثرات مستهدفة ومخططة من الدولة ممثلة في وزارة التعليم تحتويها الأنشطة والمقررات، فيما يسمي بالمنهج المعلن الرسمي الذى يتحدث عن حب الوطن وبث القيم الأخلاقية وتنمية التفكير النقدي واحترام حقوق الإنسان…الخ، ومؤثرات عرضية تأتي على الهامش بشكل تلقائي، وهي مؤثرات غير مستهدفة في الأساس، يفرضها الواقع بتفاعلاته وما يكتنفه من ثقافة وممارسات عشوائية غير مخططة، لا يعي ممارسوها بنتائجها وتداعياتها التي غالباً ما تمضي في طريق مضاد لما ينشده المنهج المعلن، وتُعرف في الأدبيات التربوية بالمنهج الخفي. بالتالي فإن أي حديث عن تطوير للتعليم لا يضع في حسبانه ما يجري خلسة على هامش السياقين المجتمعي والتعليمي، هو حديث نظري ممل عن المعلن والمكشوف، لا يدرك بأن ما خفيَّ كان أخطر وأعمق تأثيراً على أطفالنا.

*مفكر مصري متخصص في الشأن التربوي


شاهد أيضاً

شادي جمال *: تجربه في التعلم النقدي

قراءة الكلمه لقراءة العالم تجربه في التعلم النقدي دائما ما يختلف الناس حول الغرض من ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *