الرئيسية / هوامش تربويه / د. احمد يوسف سعد*/تربية وتعليب تجربة جيل ما قبل الإنهيار

د. احمد يوسف سعد*/تربية وتعليب تجربة جيل ما قبل الإنهيار

في كتب النصوص كانوا يقدمون لنا شعراً خشناً قديماً يحتشد بالعديد من الألفاظ المهجورة، يأمروننا بحفظه، ويسألوننا عن جوانب ومظاهر الجمال فيه، وقبل أن نرد على السؤال “بما نشعر” يأمروننا بأن نردد الإجابة النموذجية كما رآها مؤلفو الكتب.
لم نجد أنفسنا ولا شوارعنا ولا مشاكلنا وأحوالنا في كتب القراءة، قدموا لنا وطناً مزداناً بالبلاغة والزخرفة، ثم طلبوا منا حفظ معاني المفردات، ووضعها في جمل جميلة منسقة، ولم يقدموا لنا أبداً موضوعاً للتأمل، أو سمحوا لنا بالتعبير عما نفكر، ولما طلبوا منا في مقرر “التعبير” كتابة موضوع، حددوا لنا مجاله، ورسموا لنا قضبان العناصر التي نسير عليها.
وفى مقرر العلوم كانوا يصفون لنا داخل الكتاب خطوات التجربة، جهز كذا، ثم أحضر كذا، ثم نضع كذا على كذا، سخن كذا لمدة كذاـ، ثم يطالعنا السؤال في السطر التالي “ماذا لاحظت” وقبل أن نضحك يهاجموننا بالإجابة النموذجية في سطور أخري نلاحظ كذا وكذا وكذا.
لم يسمحوا لنا في حصص “التربية الدينية” بالسؤال أو النقاش، كانوا يطالبوننا بترديد الآيات خلف المعلم، بعد أن نعقد أذرعنا فوق صدورنا، ونروح نتمايل بجذوعنا للخلف والأمام في رتابة، لم نفهم معاني مفردات ولم نجرؤ على الاستفسار، ولم نعي أسباب نزول هذه الآية أو هذا الحديث، ولم يخبرونا وقتها أن النص واحد وتفسيراته متعددة.
وفى التربية الفنية لم يتركوننا نرسم ما نتخيل، بل فرضوا علينا رسم ما يجب أن نتخيله، حددوا الموضوع والشكل والألوان، وطلبوا مننا نسخ ما أمرونا به.
درسنا التاريخ ولم نتعلم أن الحدث واحد، بينما تتعدد قراءة تبريره وتفسيره، ودائماً يكون البطل زعيم فرد، درسنا تاريخ أبطال يُعدّوا على أصابع اليد، ولم نعرف شيئاً ذا قيمة عن ملايين الشعب، ودوماً كان التاريخ يولد بميلاد الزعيم الحالي، عند قدميه تبدأ وتنتهي حياة الأمة، حفظونا التاريخ دون أن نفهم فلسفته.
علمونا في الحساب كيف نجمع ونطرح ونضرب، لكنهم لم يهتموا قط بكيف نفكر عند حل المسألة، كانت علامة الصح والنجمة والدرجة النهائية للنتيجة الصحيحة، لا لخطوات التفكير المناسبة، قد يقول قائل أن النتيجة الصحيحة هي برهان على الخطوات السليمة، وردي عليه بالإيجاب لو كانوا فعلا قد علمونا هذه الخطوات بفهم وتعقل، لكنهم كانوا يدربوننا على خطوات آلية بشكل ميكانيكي للوصول للنتيجة الصحيحة. والنتيجة أننا أصبحنا نتصرف ونسلك في كثير من الأحيان بلا منطق ولا تدبر.
ولما درس بعضنا “الفلسفة وعلم الاجتماع” حاصروا عقولهم بتعقيب ديني على كل درس، خشية الكفر والإلحاد، وقدموا لهم الواقع الاجتماعي والفكر الإنساني، في حالة توازن ووئام، وأخفوا عنهم حقيقة الصراع بين القوي والأفكار، وأن التضاد والتناقض هو سنة التنوع والحياة، وكأنهم يخشون على العقل من وظيفة التفكير.
وبعد أن لفظتنا مؤسسات التعليم، ولو شئنا الدقة مؤسسات التعليب، وجدنا (أغلبنا) لاعبين جالسين بمقاعد المتفرجين في ملعب الحياة، تعلموا الحروف والكلمات الساكنة والمتحركة وقواعد التشكيل وعجزوا عن التعبير، قدسوا “النص” ونفروا من “التجربة” عرفوا قوانين اللعب ولم يمارسوا اللعبة، حفظوا الآيات والأسفار وضاعت منهم معايير السلوك والأخلاق، مواطنون معبأون بشعارات الطاعة والولاء، لا متمكنين من مهارات ممارسة المواطنة الحقة، يملكون عقول ووجدان بعيدة عن المرونة وسعة الأفق والخيال، شخصيات أميل للإستقبال منها إلى الإرسال، تنقل وتقلد أكثر مما تبدع، تأمن للتكيف مع الظلم والقبح وتخشي المقاومة والتغيير، إلى آخر مواصفات منتج هذه المؤسسات.

*مفكر مصري متخصص في الشأن التربوي


شاهد أيضاً

د.سامي نصار*/تكنولوجيا الذات الرقمية

يتغير شكل الحياة في كل لحظة، فالمحيط الحيويBiosphere الذي يمثل الحياة المنتشرة على كوكب الأرض ...

تعليق واحد

  1. Avatar

    مقال رائع رائع جداً.. اهنئ اخي وصديقي الدكتور أحمد يوسف على هذا المقال
    محتاجين اكتر واكتر يا دكتور احمد
    مع تحياتي وتمنياتي بالصحة والسعادة