الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. سامي نصار* :ماذا تبقى من عروبة ساطع الحصري؟

د. سامي نصار* :ماذا تبقى من عروبة ساطع الحصري؟

أنا من الجيل الذي تربى في أحضان فكرة القومية العربية وعلى مبادئها عندما كانت أعلامها وإعلامها وشعاراتها هواء نتنفسه منذ منتصف الخمسينيات وحتى أوائل السبعينيات من القرن الماضي. وكان التعليم بمختلف مراحله وأنواعه ومناهجه هو أهم النوافذ التي تسطع منها شمس العروبة على الجيل الصاعد من أبناء الوطن العربي المتطلع بكل أمل للمستقبل.
ولم تكن القومية العربية مجرد دعوة سياسية أو شعارات تبنتها بعض النظم السياسية في مصر والعراق وسوريا، بل كانت مشروعا فكريا وثقافيا وتربويا للتخلص من التبعية الثقافية للغرب، ولمواجهة الهيمنة السياسية الغربية ومحاولات تقسيم الأمة العربية إلى دويلات بين الدول الاستعمارية. وكان وراء هذا المشروع القومي عدد من المفكرين العروبيين من مختلف الأقطار العربية ويأتي على رأسهم ساطع الحصري أو أبو خلدون.
كانت حياة ساطع الحصري تجسيدا لفكرة العروبة – كثقافة – حيث ولد بصنعاء في اليمن عام 1879 ومات في بغداد عام 1968، وبين هذين التاريخين ارتحل إلى سوريا وتولى مسئولية وزارة التعليم بين عامي 1919 و 1921، ثم انتقل إلى العراق حيث عمل مساعدا لوزير المعارف حتى تم إبعاده عن العراق عام 1941 بعد خلافه مع نوري السعيد، كما عمل في الإدارة الثقافية لجامعة الدول العربية من عام 1948 حتى عام 1957، وأشرف على إصدار حوليات الثقافة العربية بين عامي 1949 و1963، كما أسهم بشكل فعال في إنشاء معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة عام 1953
سطع نجم ساطع الحصري (أبو خلدون) في خضم التفاعلات السياسية والأيديولوجية التي كانت تعج بها الساحة العربية في النصف الأول من القرن العشرين ليتخذ موقفا متقدما ومسارا فكريا خاصا في ترسيخ الفكر القومي العربي ونشره من خلال التربية والتعليم بحيث أنه عرف بفيلسوف القومية العربية. ويقول ساطع الحصري في مقدمة كتابه ” العروبة أولا ” الذي صدرت طبعته الأولى عام 1955 ” إني أعتقد أن أول ما يجب عمله لتحقيق الوحدة العربية هو إيقاظ الشعور بالقومية العربية، وبث الإيمان بوحدة هذه الأمة. وعندما يستيقظ هذا الشعور تمام اليقظة، ويرسخ في النفوس تمام الرسوخ تتوضح السبل، وتتمهد الطرق أمام الوحدة العربية”
ويؤكد الحصري على البعد الإنساني في القومية العربية حيث يعتبرها ثقافة تتأسس على البعد اللغوي فقط، ومن ثم حرص على استبعاد النزعات العرقية والقبلية والدينية والطائفية من فكرة القومية العربية بعكس معاصريه من رواد التيار السلفي الذين دعوا إلى إنشاء الجامعة الإسلامية.
وقد اختار الحصري التربية والتعليم طريقا لنشر أفكاره من خلال تكوين النخب من القادة والمعلمين. وكان الحصري يعتبر المعلمين هم قادة التغيير في المجتمع، وحاول تطبيق ذلك في العراق، وحقق قدرا كبيرا من النجاح تجسد في قيادة المعلمين للمظاهرات الجماهيرية ضد نوري السعيد عامي 1930 و1931 مما دفع الحكومة إلى إغلاق دور المعلمين. كما كان يعطي التربية الوطنية والقومية أهمية كبرى باعتبارها جزءا من السياسة العليا للدولة هدفها الأساسي تنمية الشعور القومي العربي، وتكوين الإنسان العربي القادر على استخدام طاقاته الفكرية لمواجهة متطلبات العصر، وتحقيق أهداف أمته، وبناء الدولة الحديثة.
ورأى الحصري أن نجاح النظام التعليمي في ترسيخ فكرة العروبة في نفوس طلابه رهن بتوحيد مناهج التعليم، والتركيز على دراسة التاريخ العربي في جميع المراحل الدراسية، والاهتمام بإعداد المعلم مع ضرورة أن يتم ذلك في إطار نظام مركزي تديره الدولة بعيدا عن تدخلات الأحزاب والتيارات السياسية. وقد وجدت دعوة الحصري صداها بشكل واضح في مناهج التعليم في الأقطار العربية التي كانت تتبنى فكرة القومية العربية وتدعوا إليها في النصف الثاني من القرن الماضي مثل مصر وسوريا والعراق وليبيا، وتجلت فيما كانت تذخر به الكتب المدرسية من موضوعات تدور حول مفهوم القومية العربية ومبادئها، وأهدافها، ومؤسساتها الإقليمية، وزعمائها، والتاريخ المشترك الذي يجمع بين شعوبها.
والآن، عندما يقلب المرء بصره في أحوال الأمة العربية، ينقلب إليه البصر وهو حسير من هول ما يرى من مآس وكوارث تتجاوز أقصى ما وصلت إليه مخاوف أبنائها، وأقصى ما وصل إليه طموح خيال أعدائها. لقد تدهورت أحوال الأمة العربية إلى حد أن هذا المصطلح، في حد ذاته، أصبح غير مستخدم في أي جنس من أجناس الخطاب المتداولة اليوم، لأنه ببساطة أصبح غير ذي معنى، بل إن مصطلح العالم العربي أو المنطقة العربية لم يعد يستخدم من قبل المنظمات الدولية التي أصبحت تستخدم مصطلح الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أما النظام الإقليمي الذي يحفظ للأمة العربية كيانها السياسي والاقتصادي ووحدتها الفكرية، ممثلا في جامعة الدول العربية ومنظماتها الإقليمية، فقد تآكلت هياكله الرئيسية وفروعه القطرية بفعل الصراعات العربية العربية، وضعف القدرة على التعاطي والاشتباك مع المتغيرات والقوى والتجمعات الدولية المحيطة. وتوارت عن صفحات الكتب المدرسية دعوات القومية العربية والوحدة العربية لتحل محلها دعوات سياسية ودينية وطائفية، كما تمددت شبكات التعليم الأجنبي بمختلف ثقافاته وأنواعه ومراحله في مقابل تراجع نظم التعليم القومية، الأمر الذي كانت له نتائجه الكارثية التي نعاني منها اليوم، ليس فقط على المستوى العربي، بل حتى على مستوى القطر الواحد.
ويفرض علينا هذا الوضع مراجعة أفكارنا ومفاهيمنا عن العروبة، والأمة العربية، والقومية العربية، لمعرفة ما إذا كانت لا تزال قادرة على التعايش مع عالم اليوم بما يعتمل فيه من تغيرات معرفية وتكنولوجية واقتصادية كاسحة تشمل كل جوانب الحياة. هذا العالم الذي سقطت فيه حواجز الزمان والمكان واللغة، وصارت الهجرة واللجوء، بسبب الاضطرابات والصراعات السياسة أو البحث عن فرص للعمل، روتينا يوميا ثقيلا بضغوطه وشروطه التي تغير من ديموجرافيا المكان وأنساق القيم، عالم أصبح فيه القبول بالتعددية الثقافية واقعا معيشا، ومن الاندماج الثقافي ضرورة حياة. إن حلم العروبة يواجه الآن عقبات لا حصر لها، لم تطرأ على خيال ساطع الحصري وتلاميذه، لعل من أهمها أن العربي أصبح يشعر بالأمان في كنف الغرب أكثر من شعوره بالأمان في محيطه العربي. فهل ثم من سبيل إلى النهوض والتفاعل مع عالم اليوم أخذا وعطاء؟ وهل ثم من سبيل إلى أن توحدنا الثقافة بعد أن مزقتنا السياسة؟

*مفكر مصري

شاهد أيضاً

شادي جمال *: تجربه في التعلم النقدي

قراءة الكلمه لقراءة العالم تجربه في التعلم النقدي دائما ما يختلف الناس حول الغرض من ...