الرئيسية / أخبار ثقافيه / دكتور سامي نصار*/المستقبل في الزمان الرقمي

دكتور سامي نصار*/المستقبل في الزمان الرقمي

تلوح في الأفق نذر ثورة جامحة هي الثورة الصناعية الرابعة بما تحمله إلينا تغيرات معرفية وتكنولوجية مذهلة تقوم على الذكاء الاصطناعي بمختلف تطبيقاته في كل جوانب الحياة الإنسانية. وتشي كتابات المختصين والمهتمين وكأننا على أعتاب عصر جديد منبت الصلة بما قبله، وكأننا فوجئنا بما يحدث حولنا وأخذنا على حين غرة. وكأن هذه الثورة الرابعة لم تسبقها ثلاث ثورات صناعية غيرت وجه الحياة على الأرض. من هنا أخذت تتوالى علينا التقارير والكتب والدراسات حول المستقبل وما يحمله لنا من نذر، وما يخبئه من مفاجئات، وما يعدنا به من رفاهية. ولعل الجانب الأكبر من هذا الاهتمام يرجع إلى حالة القلق التي نعيشها لأننا لم ننجز شيئا، وأضعنا وقتنا ومواردنا هباء، وصرفنا جهودنا إلى أشياء تجاوزها الزمان، فنحن ننظر دائما إلى الوراء بإعجاب وفخر، وإلى الأمام بخيفة وتوجس حتى وجدنا أنفسنا في ذيل القائمة نحاول اللحاق بمن سبقونا فلا نعرف لذلك سبيلا. وقد يكون مفهومنا وفكرتنا عن الزمان في ثقافتنا العربية هما السبب في ذلك، فنحن نضع الماضي فوق رؤوسنا، والحاضر تحت أقدامنا، والمستقبل في علم الغيب. وتاريخيا منذ بدء الخليقة وفي جميع الثقافات، يرجع انفصال المستقبل عن الحاضر في الوعي الجمعي في جانب كبير منه إلى الموروثات الدينية والفولكلور الشعبي على اختلاف أشكالهما عبر المكان والزمان، حيث اختصت الآلهة بمعرفة الغيب، وأوكلت إليها رسم شبكات القدر التي يتحرك في إطارها البشر وهم لا يعلمون ما ينتظرهم في غدهم، موزعين في مواقفهم بين الجبر والاختيار، وبين المصادفة والقدر.
ولقد غاب عنا أن لا وجود للزمان خارج المكان، وأنهما القالب الذي صب فيه الوجود في صيرورته، كما أنهما جزء من تكوين العقل الإنساني الذي يقوم بعملية المعرفة في سعيه لصنع الحياة وتحقيق التقدم، ويتم، وفقا لهما، ترتيب معطيات التجربة الإنسانية ومكونات السياق الاقتصادي والاجتماعي، فهما شرطان للمعرفة فضلا عن كونها إطارين سرمديين للوجود. والزمان والمكان لا وجود لأحدهما دون الآخر، بل إن البعض يوحد بينهما على نحو ما ذهب إليه بعض المتصوفة مثل محيي الدين بن عربي عندما قال: ” الزمان مكان سائل، والمكان زمان سائل” وهذا ما ذهبت إليه أيضا نظرية النسبية لأينشتين في القرن العشرين من أن مفهوم الزمان ليس ثابتاً ومُحدّداً، كما ربطت بين الزّمان والمكان بحيث تتعامل معهما كشيء واحد يُسمى ” الزّمكان” بعد أن كان يتم التّعامل معهما كشيئين مُختلفَين، وربطت الوقت بسرعة الجسم وحركته، كما أصبحت هناك مفاهيم تتعلق بتقلص الزمان وتمدده في الوجود.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه الزمان الوجودي أن ” الزمان مكون من آنات (جمع آن) يرفع كل منها الآخر، فهو في تغاير مستمر، موجود بوصفه غير موجود، وغير موجود بوصفه موجودا” كما ترى الدكتورة يمنى الخولي أن الزمان مرتبط بالوجود، ونحن لا نفكر في أحدهما دون الآخر. والوجود منذ فجر الفكر الفلسفي مرادف للحضور، والحضور يكون في أفق الحاضر. والحاضر بعد من الأبعاد الثلاثة التي تلازم تصورنا للزمان الذي يسير على طريق لا رجوع فيه من ماض إلى حاضر إلى مستقبل. وحضورنا هو الذي يعطينا شعورنا بالحياة والتفرد، فنحن أحياء بين جيل مات وجيل لم يولد بعد. إن الزمان -دون المكان-هو الكائن السيال المنقضي دائما: ماض لم يعد، ومستقبل لم يأت، وحاضر لا يكون أبدا، فهو يتسرب من بين أصابعنا دائما، ومجرد الإمساك باللحظة الراهنة يعني انفلاتها، لتحل محلها لحظة أخرى في توال لا يتوقف أبدا.. فالوجود تيار متجدد من القديم والحديث أو كما يقول ابن عربي:

    انظر إلى بدء الوجود وكن به *** فطنا تر الجود القديم المحدثا

والشيء مثل الشيء إلا أنه *** أبداه في عين العوالم محدثا
إن أقسم الرائي بأن وجوده *** أزلا فبر صادق لم يحنثا

وإذا كان الزمان تيارا متصلا مستمرا يتوزع بين حنايا الوجود ويكتسب خصائصه من معطيات المكان طولا وعمقا واتساعا وتقدما وتخلفا، وليس له بداية معلومة ولا نهاية محتومة، فإن المستقبل، كجزء من هذا الزمان، ليس مرحلة تقف البشرية على أعتابها تنتظر المرور إليها. فالمستقبل حالة نسبية تتوزع عليها الشعوب والمجتمعات وفقا لحظها من التقدم والتخلف، فما أصبح من الماضي في مجتمع ما، قد ترنوا إليه، في نفس اللحظة، شعوب أخرى باعتباره مستقبلا.
لقد عصفت التكنولوجيا بفكرة المراحل التاريخية، وبأن هناك مسافة تفصلنا عن المستقبل، وأنه مفارق لنا قرب أم بعد، وعلينا أن نقطع هذه المسافة أو نرأب ما بيننا وبين المستقبل من فجوات. لقد أصبحنا نعيش في محيط معلوماتي Infosphere يتم خلاله رقمنة الاقتصاد، والعلاقات الاجتماعية، والتعليم والخدمات الصحية، وحتى الأعمال الفنية. كما أصبح المستقبل بداخلنا، ويبدأ بمجرد التفكير فيه بفعل التكنولوجيا الآنية Real Time Technology . وطالما أن المستقبل في عقولنا، وطالما أن عقولنا تتراكم فيها كل بقايا الماضي، فلا سبيل إلى صنع التقدم والعيش في المستقبل ما لم تتحرر عقولنا أولا من سلطان الماضي، وأن نتبنى رؤية جديدة للزمان وأن ننظر إليه باعتباره وحدة واحدة، وأن تكون لدينا إرادة العيش، من الآن، في المستقبل باعتباره حاضرا، مسلحين بأدواته التي لم تعد بعيدة المنال عنا، فليس لدينا خيار التأجيل، ولا رفاهية المناورة وإلا سنغرق في بحر الظلمات.

*مفكر مصري

شاهد أيضاً

د.فاطمة واياو*/كورونا فايروس دروس وعبر

ربما أن التردد في الكتابة عن كورونا وفي زمن كورونا، كان بالنسبة لي أمرا منطقيا ...