الرئيسية / أخبار ثقافيه / شادي جمال *: تجربه في التعلم النقدي

شادي جمال *: تجربه في التعلم النقدي

قراءة الكلمه لقراءة العالم

تجربه في التعلم النقدي

دائما ما يختلف الناس حول الغرض من التعليم الذي يقدم للتلميذ في المدرسة، فهناك من يقول إن الهدف من التعليم هو إعداد التلميذ لمستقبله المهني، ولذا يجب أن ترتبط المواد الدراسية باحتياجات السوق. وهناك من يختلف مع هذه النظرة ويقول إن الغرض من التعليم هو أن يكتسب التلميذ المعرفة، ومن ثم لا مانع من تدريسه علوما أو دروسا لن يستخدمها في حياته العملية. ولكل وجهة نظر المؤمنون بها والمدافعون عنها. هذا بالإضافة إلى جدل آخر يشغل المساحة الأكبر من فكر الناس خاصة المنخرطين منهم في العملية التعليمية من أولياء أمور ومدرسين بل وأيضا وزارات التربية والتعليم المتعاقبة، وهو الجدل حول محتوى المقرر الدراسي ونظام حساب درجات الامتحان، وشكليات أخرى حتى أصبح الجدل حاليا حول نوع الأداة التي يستخدمها المتعلم في القراءة والكتابة إن كانت كراسة أم تابلت. بعيدا عن كل هذا الضجيج من الجدال فى مسألة التعليم، هناك نظرة مختلفة تماما جاء بها رجل من خارج الصندوق، هو المربى والفيلسوف البرازيلي باولو فريرى الذي ولد عام ١٩٢١ وتوفى في عام ١٩٩٧. فقد رفض فريرى أن يكون الغرض من تدريس المقرر الدراسي هو فقط تقديم المعرفة العلمية المتعلم. كما رفض أيضا أن يكون بهدف إعداد المتعلم لمستقبله المهني. كانت نظرة فريرى إلى التعليم من زاوية مغايرة تماما، حيث دعا إلى أن يكون التعليم من أجل الوعي. فيصبح التعليم هو أداة المتعلم لفهم ما يحدث في حياته اليومية، فيستطيع أن يحلل الواقع الذي يعيشه. فيتخطى المقرر الدراسي وظيفته من مجرد اكساب المتعلم المعرفة العلمية وهو ما سماه فريرى قراءة الكلمة، ليكون وسيلة المتعلم في قراءته للعالم. يقول باولو فريرى في هذا السياق: “وبما أنى مرب تقدمي، فلا يجب على أن أختزل ممارساتي التدريسية إلى مجرد تعليم الطلاب بعض الطرق والأساليب والمعارف فقط، متخليا عن تدريبهم على فهم الواقع فهما نقديا. فعندما أتحدث عن الجوع، ينبغي ألا أقنع بتعريفه بالقول بأنه الحاجة الملحة للطعام، أو الشهية المفتوحة، أو نقص التغذية، أو الحرمان من الطعام وندرته؛ بل يجب على أن أتعرف على أسباب حدوث الظاهرة ومبرر وجودها. وإذا تجاوزت الإحساس بالآلام التى يشعر بها هؤلاء الجوعى”. بهذه الكلمات لا نتعرف على منهجية باولو فريرى التربوية فقط، بل على أيديولوجيته الفكرية أيضا، الأيديولوجية التقدمية التي تسعى إلى التغيير، دافعها إلى ذلك آلام البشر. فقد نشأ في مجتمع يعاني من الفقر والجوع وتنتشر به الأمية، بالإضافة إلى الاستبداد السياسي من أنظمة ديكتاتورية ظلت تحكم البرازيل لعقود متتالية، مما كان له الأثر في تشكيل وعى باولو فريرى. إلا أن أكثر ما ألمه وأغضبه في حال هؤلاء المقهورين، هو تمتعهم بالفكر القدري الاستسلامي ونظرتهم الدونية تجاه أنفسهم. من هنا أصبح الوعي هو قضية باولو فريرى الأساسية، وأن يكون التعليم فاعلا في ذلك. لقد حظيت بتجربة شخصية في معايشة هذا النوع من التعليم مع تلاميذ من الصف السادس الابتدائي في المدرسة التي أعمل بها (كلية سان مارك بالأسكندرية) . فبجانب الحصص الدراسية المعتادة التي يحضرها التلاميذ، تم تخصيص عدة حصص لكى نمارس من خلالها مع هؤلاء التلاميذ منهجية التعليم النقدي التي ابتكرها فريرى. قمنا بطرح إشكاليات حياتية على التلاميذ ليقوموا بتحليلها انطلاقا من موضوع علمي يدرسونه في مناهجهم الدراسية والذي يكون بمثابة انطلاقة للنقاش، على أن يكون في كل لقاء مادة جديدة. وكان كل تلميذ يقدم تحليله الشخصي في الإشكالية الحياتية المطروحة، ويعرض رأيه أمام زملائه ومدرسيه دون مصادرة من أحد. قد لاحظت ثلاثة أشياء تميزت بها آراء هؤلاء التلاميذ، وهو ما لفت انتباهي حقا في هذه التجربة التي عايشتها على مدار السنة الدراسية الماضية والتي لازالت مستمرة إلى الآن. أولا أن هؤلاء التلاميذ ذوو الاثنتي عشرة عاما لديهم المقدرة على تحليل ما يدور في حياتهم اليومية بشكل عقلاني، ثانيا أن الأفكار التي يطرحونها تمتاز بالأصالة الشديدة، وثالثا أن هؤلاء التلاميذ لديهم ميل واضح نحو العدالة الاجتماعية. ومن الأشياء الهامة التي تمت في هذه التجربة، أن إدارة المدرسة كانت تستطلع رأى التلاميذ في هذه التجربة التعليمية التي عاشوها، لينقدوها بكل حرية. فسماع تقييم التلاميذ واقتراحاتهم لما يقدم إليهم سيساعد في تقدم هذه التجربة، كما أنه ممارسة عملية وحقيقية للديموقراطية ولفكرة الحوار التي قدمها باولو فريرى كوسيلة للتحرر. آمل أن تقوم المدارس -الخاصة والحكومية-أن تتبنى في التعليم النقدي في مناهجها واستراتيجيات التدريس وهو الأمر الذي يمكن أن يحدث بمبادرات من جانب المعلمين أنفسهم، فهو لن يحتاج لميزانيات أو يتطلب إمكانيات. وما سوف يقوم به المعلمون سيكون نواة قد تصبح ثمرة كبيرة، كما يقول باولو فريرى إنما نشق الطريق بالسير فيه. وهذا الطريق من حق تلاميذنا أن يسيروا فيه حتى وكان عسيرا، لأنهم يستحقون أن يصبحوا مواطنين يتمتعون بالوعي النقدي، الذي يمكنهم من قراءة الواقع، ويدفعهم إلى تغييره، بالتأكيد تغييره إلى واقع أكثر عدالة.

*معلم بكلية سان مارك -الاسكندريه

شاهد أيضاً

د. سامي نصار*/ فصل المقال فيما بين الخشت والطيب من الانفصال

كشف السجال، وليس الحوار، الذي دار بين الدكتور محمد الخشت رئيس جامعة القاهرة والدكتور أحمد ...