الرئيسية / أخبار ثقافيه / أ.د. أسامة نبيل*/قراءه في خطاب ماكرون إلى مسلمي فرنسا

أ.د. أسامة نبيل*/قراءه في خطاب ماكرون إلى مسلمي فرنسا

فى إطار اهتمامى بأحوال المسلمين والإسلام فى فرنسا منذ نهاية سبعينات القرن الماضى وحتى الآن، أحرص دائما على الاطلاع على ما يتم نشره من تقارير أو كتب أو أبحاث أو تصريحات فى هذا الشأن. فى الواقع، لا يأتى اهتمامى هذا من حب الاطلاع والتواصل الفكرى مع الآخر فقط، لكن ينبع أيضا من إدراكى لحالة الانقسام والتمزق التى يعانى منها المسلمون فى فرنسا، وسيطرة رأس المال الأجنبى على العديد من المساجد والمراكز الإسلامية لأهداف منها السياسى أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الطائفي أو لكل هذه الأهداف مجتمعة

وسبق وأن صرحت فى أكثر من محفل ثقافى أو دينى وفى الصحف والإعلام الفرنسى بأهمية وجود مرجعية دينية فرنسية تعمل على الاهتمام بالشأن الإسلامي فى فرنسا والذى يـتأزم يوما بعد يوم بسبب الفهم المغلوط لبعض المفاهيم الإسلامية لا سيما تلك التى تتعلق بالآخر، وبسبب نظرة الآخر أحيانا بشكل غير صحيح  للإسلام والمسلمين.

وكنت أتساءل: إلى متى يستمر هذا الوضع الذى يهدد استقرار المجتمع الفرنسى بالنظر إلى أن المسلمين أصبحوا جزءا لا يتجزأ من نسيجه؟ وتشير بعض الإحصائيات غير الرسمية إلى أن عدد المسلمين يتراوح بين 7 إلى 12 مليون مسلم، لكن لا يمكن الاعتماد على مثل هذه الإحصائيات غير الدقيقة لأن القانون الفرنسى لا يسمح بعمل إحصائيات على أساس المعتقد! فكيف إذا يمكن معالجة مشكلة وليس لدى الدولة والمراكز البحثية الإحصائيات الضرورية لدراستها بطريقة علمية؟

بطبيعة الحال، نقدر وجهة نظر النظام العلمانى الفرنسى الذى يحترم الأديان والمعتقدات، لكن أحيانا تستوجب المصلحة العامة النظر فى إجراءات تعديلات فى القانون للتأكيد على قيم الدولة (الحرية والمساواة والمؤخاة) والتى تلخص “معنى دولة فرنسا” كما أكد الرئيس الفرنسى فى خطابه الأخير فى 17/02/2020 بمدينة ملوز بمناسبة افتتاح مسجد النور الذى تم بناءه بتمويل من بعض دول الخليج وتديره حركة الإخوان المسلمين، وقد بلغت ميزانية هذا المسجد وفقا له “حوالى 28 مليون يورو دفع نصفها منظمة أهلية قطرية”.

أرى أن خطاب الرئيس الفرنسى ماكرون الذى اعتمد على تقارير “معهد موناين” و”مؤسسة جان جورس” جاء ليعطى بصيص أمل فى إمكانية إيجاد حلول عملية تعالج تفكك المسلمين فى فرنسا وإدارة  الدولة لهذا الملف بعد تحديد الأسباب وكيفية التغلب عليها.

وقد جاء فى صدارة أسباب المشكلة التى ذكرها ماكرون تهديد التيار الأصولى وما أسماه الإسلام السياسى والإرهاب وتطرف التيار السلفى لقيم الدولة الفرنسية: “هذه الأصولية التى تستخدم تارة العنف، وتارة أخرى طريقة أكثر نعومة لتهاجم القيمة الأساسية لجمهوريتنا: ألا وهى العلمانية”. وفى هذا الإطار ذكر السيد ماكرون ما أحدثه التيار المتشدد فى إيران والإخوان المسلمون فى مصر وفلسطين من تقييد للحريات.

وبناء عليه، يرى رئيس فرنسا أن التيار الأصولى يعمل فى فرنسا على تطرف المسلمين وعزلهم عن المجتمع الوطنى، كما يتهم هذا التيار بأنه “اخترع مفهوم الإسلاموفوبيا” من أجل “خداع المسلمين” والادعاء بأنهم “ضحايا للعنصرية وأن الدولة الفرنسية تشجع على ذلك”. وأن العلمانية التى يصفها المتطرفون بأنها “عدو للدين” هى التى تضمن حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وتؤكد على التعايش المتناغم والأخوي بين المؤمنين وغير المؤمنين دون تفرقة.

واعتبر الرئيس ماكرون أن التمويل الأجنبى هو أحد أسباب التطرف فى فرنسا، ويتعين على الدولة أن “تساند المواطنين الفرنسيين المسلمين فى رفض تأثير وتمويل الدولة الأكثر تشددا”. ورفض السيد ماكرون “استغلال العادات والتعاليم الدينية لغايات سياسية ومجتمعية”.

ويجب أن أعترف بإعجابي بشجاعة الرئيس ماكرون الذى اعترف برغم أهمية قانون 1905 إلا إنه لم يعد كافيا لإدارة وضع جديد، ولا يرى أن هذا القانون أكثر قدسية من الدستور الذى تطور بمرور الزمان. فعدم الاعتراف بقدسية قانون 1905 يسمح للرئيس الفرنسى والبرلمان باقتراح حزمة من التعديلات التى تسمح بإدارة الدولة لشئون تعليم الإسلام والأديان الأخرى فى فرنسا وفقا للمادة الأولى من الدستور الفرنسى، وإنشاء مرجعية دينية إسلامية واضحة المعالم والأهداف تساعد الدولة فى تنظيم دور العبادة وتجيب على تساؤلات المسلمين الفرنسيين وتساند الدولة فى مناهضة التطرف والإرهاب باسم الدين من خلال تكوين أئمة فرنسيين على قدر كبير من فهم الدين ومقاصده قادرين على حماية المسلمين من الوقوع فى براثن التطرف.

لذا فإننى أجد فى مقترح إنشاء جامعة دينية معترف بها من الدولة، فكرة يمكن أن تكون مفيدة فى هذا الإطار وإن جاءت متأخرة إلا أن تنفيذها بمعايير دقيقة، سوف تساعد الدولة فى التخلص تدريجيا من الأئمة الذى يدعون إلى التطرف ونشر المفاهيم المغلوطة التى تؤدى إلى الإضرار بنسيج المجتمع الفرنسي بكل طوائفه.

وفى هذا الشأن، أقترح بحث فكرة التعاون مع الأزهر والاستفادة من خبراته التى تعود إلى أكثر من ألف عام، وباعتباره مرجعية علمية ودينية لأهل السنة فى العالم كله.

وقبل أن أختم مقالى هذا، أود أن أوضح أمرا مهما يتعلق بضرورة علمنة الإسلام التى دعا إليها السيد الرئيس ماكرون: إن الدين الإسلامي نشأ فى بيئة متعددة الثقافات والأديان، فكفل حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر وحرم الاعتداء على الآخر ودعا إلى المواطنة والمؤاخاة والمساواة بين البشر، وأكد على رفض العنصرية. فقد جاء الإسلام لينظم العلاقة بين الإنسان وخالقه، وينظم العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، وحث على التعارف بين الأفراد والأمم، وإذا كانت العلمانية فى إطارها العام على الأقل تضمن ذلك، فالإسلام كما أفهمه وكما أوضحته لا يتعارض مع ذلك فى قليل أو كثير.

وبصفتى إنسان مسلم مصرى فرانكفونى، أثمن أفكار الرئيس ماكرون فى مجملها، وأحييه على شجاعته فى مواجهة الإرهاب الذي لا دين ولا معتقد، بل له أهداف معلنة نرفضها، وخفية نحذر منها ونناهضها مسلمين وغير مسلمين. فالإرهاب عدو للإنسان والإنسانية والأديان والأوطان وهناك من يتخذ من الدين ستارا بهدف تدمير وتشويه الدين والفكر الإنساني. ويستوجب ذلك التعاون بين الأفراد والمؤسسات والدول للخلاص من هذا الوباء الخطير.

*المشرف العام الأسبق لمرصد الأزهر 

شاهد أيضاً

د.فاطمه الحصي*فراشات ملونة تحترق:مي وميلينا !

مي زياده وميلينا يسنسكا : فراشات ملونة تحترق ! لرسائل المفكرين إلى بعضهم البعض أهميه ...