الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. سامي نصار*/ فصل المقال فيما بين الخشت والطيب من الانفصال

د. سامي نصار*/ فصل المقال فيما بين الخشت والطيب من الانفصال

كشف السجال، وليس الحوار، الذي دار بين الدكتور محمد الخشت رئيس جامعة القاهرة والدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، في مؤتمر تجديد الفكر الديني عن الهوة والفجوة التي تفصل بين الفلسفة والشريعة في الفكر العربي المعاصر. وهي القضية التي تناولها الفيلسوف العربي ابن رشد منذ ما يزيد عن ثمانية قرون في كتابه الصغير والشهير والهام ” فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال “. وقد كان من الممكن أن يثمر هذا السجال عن رؤى تفيد في تجديد الفكر الديني، وهو الهدف من هذا المؤتمر، إلا أنه أن الطريقة التي تم بها السجال حالت بينه وبين أن يكون حوارا بناء يستهدف الوصول إلى نتيجة أو اتفاق حول رأي ما. فالخشت، كأستاذ للفلسفة بجامعة القاهرة، طرح رؤيته لتجديد الفكر الديني تقوم على القطيعة المعرفية مع الفكر الديني التقليدي القديم الذي سيطر على عقولنا وعشش فيها لقرون، وما يستلزمه ذلك من تفكيك كل صور التفكير التقليدي القائمة على الأحادية، والانغلاق، واحتكار الحقيقة، ونفي الآخر، مؤكدا على ضرورة الاتجاه نحو إعمال التفكير النقدي والعقلاني في مقاربة التراث وتجديده، وذلك من منطلق أنه لا يمكن تأسيس عقل ديني جديد دون تغيير القواعد والأسس والطرق التي ينتج بها هذا العقل خطابه. ومن هنا أكد الخشت على ضرورة تجاوز فكرة “إحياء علوم الدين” التي قال بها الإمام أبو حامد الغزالي وسيطرت على عقولنا قرونا عديدة. ففكرة الإحياء لا تعدو أن تكون مجرد إعادة إنتاج لفكر قديم في ظل شروط موضوعية جديدة ومختلفة، مما يعني استمرار حالة التخلف وما يرتبط بها من ظواهر الإرهاب والتعصب الديني. ولهذا يرى الخشت أنه من الأجدى إقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة إذا أردنا أن نقرع أبواب عصر ديني جديد. للتجديد. أما شيخ الأزهر، فعلى الرغم من أنه أستاذ للفلسفة والعقيدة، فقد استقوى بمنصبه ومكانته الدينية، وجاء حديثه في صورة إملاءات فوقية لا تقبل النقاش والجدل أو المراجعة.
لقد عبر هذا السجال عن قضيتين تناولهما ابن رشد في كتابه وهما التعارض بين العقل والنقل وكذلك الموقف من تراث الأقدمين. وتجدر الإشارة إلى أن موقف ابن رشد من هاتين القضيتين كان أكثر تقدما من موقف شيوخ الأزهر في القرن الحادي والعشرين. فقد أكد على أنه ” يجب بالشرع النظر في القياس العقلي وأنواعه”، كما شدد على ضرورة نقد التراث بأن نضرب بأيدينا إلى كتب القدماء ” فننظر فيما قالوه، فإن كان كله صوابا قبلناه منهم، وإن فيه ما ليس بصواب نبهنا عليه”. ولكن في هذا السجال نجد شيخ الأزهر يطالبنا بأن نكف أيدينا عن تراث الأقدمين، وأن نترك للمؤسسات الدينية و “لأهل الذكر” و”الراسخين في العلم” هذه المهمة. ومن الملاحظ أن كل هؤلاء، عبر التاريخ، قد اعتبروا أنفسهم أوصياء على الدين، واتجهوا إلى تقديس النقل، وحضوا على ترك العقل، ووقفوا عند تخوم تراث اعتبروه مقدسا لا يجوز المساس به أو التجديد فيه، فعزلوه عن مجرى السياق الاجتماعي فظل تراثا بعيدا عن روح الحضارة الحديثة. وأصبح المطلوب منا أن نسير ورؤوسنا إلى الوراء، وأن نستلهم الماضي في كل خطواتنا وأعمالنا على الرغم من أن الماضي أصبح “تراثا” بالمعنى المعجمي للكلمة في اللغة العربية بكل ما يحمله من دلالات سلبية منها الرداءة والبلى والقدم. ومن المثير للدهشة والشفقة في آن واحد أن المؤتمر الذي دار فيه هذا السجال كان عن تجديد الفكر الديني، وكان رأي شيخ الأزهر، ورأي من وراءه من المصفقين والمهللين، أن لا داعي للتجديد، فلا يجوز المساس بالتراث أو الخروج منه أو الخروج عليه.
ويكشف هذا السجال أيضا عن رغبة الأزهر ورجاله في الاستيلاء على هذا التراث، باعتباره “بيت ابيهم”، ومنع الآخرين من الاقتراب منه أو التجديد فيه، مستخدمين أساليب الوعظ والتأنيب، والتجريم والتأثيم، والتحليل والتحريم، والتعظيم والتقزيم. فقد أعلنوا عن مسئوليتهم عن عملية تجديد “البيت” على طريقتهم، وبأن علينا أن نسكنه على النحو الذي يريدونه دون مناقشة أو حوار، رافعين في وجوهنا نصوصا ثانوية يضفون عليها القداسة، ويقمعون بها الخطابات المضادة وأصحابها مستعينين بالأهل والقبيلة والعشيرة. وهنا نعود مرة أخرى إلى ابن رشد فنجده يرى انه لا يمكن أن “يتقرر الإجماع في مسألة ما في عصر ما إلا بأن يكون ذلك العصر عندنا محصورا، وأن يكون جميع العلماء الموجودين في ذلك العصر معلومين عندنا… وأن ينقل إلينا في المسألة مذهب كل واحد منهم فيها نقل تواتر” !!!
والذي نود أن نقوله هنا، أن التراث الذي نحمله فوق ظهورنا يختلط فيه الإلهي والبشري، والمقدس والاجتماعي، والعقلي والوجداني، والمادي والروحي، ويعتبر مكونا رئيسيا في ثقافة المجتمع وحضارته، فهو من صناعة من عاشوا على هذه الأرض من مصريين وغيرهم من مختلف الأجناس والأديان، ومن ثم فإن دراسته وفهمه وتأويله هي مسئولية اجتماعية، تختلف فيها المدارس والمواقف وتتنوع المقاربات، وينفتح المجال أمام إمكانات التجديد. وهنا يتحول التراث، من كونه مجرد تراث، إلى حضارة متجددة نابضة بالحياة، متفاعلة مع الإنسانية كلها أخذا وعطاء، دون استعلاء أو استبعاد أو إقصاء. فحسب الماضي أن صار ماضيا، كما أصبح التراث في حوزتنا ولسنا نحن الذين في حوزته، فنحن نملكه ولنا أن نغير فيه، وأن نستبعد منه، وأن نضيف إليه ما يتناسب مع مقتضيات حياتنا المعاصرة. وبالتالي لا يصح أن يكون التراث حكرا على جماعة معينة أو وقفا على مؤسسة بعينها، تدعي الولاية عليه، وتقمع كل من يخالفها في الرأي وتفرض رؤيتها ومذهبها في الفهم والتأويل.
إن تجديد الفكر الديني أكبر وأشمل وأوسع من أن تنهض به مؤسسة بعينها، فهو يتقاطع ويتداخل مع غيره من صنوف الفكر، ويأخذ منها ويعطيها عبر مسيرة تكوين الوعي الاجتماعي بأشكاله كافة. ويشير واقع الحال إلى فشل الأزهر ورجالة في الوصول إلى آلية أو صيغة تضمن تجديد الفكر الديني. فتجديد الفكر أو الخطاب الديني لن يتم على أيدي رجال الأزهر وفي أروقته، وإنما هو رهن بفتح المجال العام وطرح هذا الفكر للنقاش في حوار حر. ومن ثم فإننا نقترح هنا أن يتواصل الحوار الذي بدأ في مؤتمر الأزهر، في إطار إحدى الهيئات قومية مثل المجلس الأعلى للثقافة أو مكتبة الإسكندرية أو مكتبة مصر العامة، من خلال عقد سلسلة من المؤتمرات والندوات وورش العمل وغيرها من الأنشطة التي يشارك فيها الأزهر، والمؤسسات التعليمية والإعلامية، والأحزاب السياسية، والمثقفون من مختلف الاتجاهات لصياغة رؤية لتجديد قواعد إنتاج فكر ديني يتسق وروح العصر ومطالب المستقبل. ومن الضروري ألا تقتصر المهمة على تجديد الفكر الديني وحده، بل تتجاوز ذلك إلى صياغة خطاب تنويري عام يقوم على العقلانية، والديموقراطية، وحرية الفكر والتفكير والبحث وإنتاج المعرفة وتداولها ونشرها ومناقشتها دون قيد أو شرط أو وصاية من أي سلطة كانت سياسية أم دينية.

*مفكر مصري

شاهد أيضاً

د.فاطمة واياو*/كورونا فايروس دروس وعبر

ربما أن التردد في الكتابة عن كورونا وفي زمن كورونا، كان بالنسبة لي أمرا منطقيا ...