الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.فاطمه الحصي* :قراءه في كتاب “الشاعر والطفل والحجر “

د.فاطمه الحصي* :قراءه في كتاب “الشاعر والطفل والحجر “

قراءه في كتاب الشاعر فتحي عبد السميع “الشاعر والطفل والحجر

حول تنمية الروح الشعريه


إنتهيت من كتابة هذا المقال منذ أيام وتم تأجيل نشره؛ إلى أن إستيقظت اليوم 2/1/2020 على حادث تحرش جماعي جديد ، وما إن استفقت من لعنة الأفكار البائسه حول الحادث حتى وجدتني أهتف بداخلي أن الحل موجود في متن كتاب فتحي عبد السميع (الشاعر والطفل والحجر ) وهو تغذية الروح الشعريه لدى الإنسان ، هذه الروح التي إذا ما تم تغذيتها بشكل واضح وعميق فسيتم إنتاج جيل يحب الجمال ويسعى إليه ، يحب الحريه لا القمع ، يتغنى بالطبيعه لا يقضي على الأشجار والحيوانات الأليفه كما نسمع تلك الدعوات الراميه إلى قتل كلاب الشوارع ؛ فما أحوجنا جميعا لقراءة هذا الكتاب الإنساني الفريد ، وما أحوجنا إلى تنمية الجمال في الروح والعقل والقلب …
وأنتقل إلى قراءة الكتاب كما كتبته قبل الحادث الأليم :


فليسمح لي الشاعر فتحي عبد السميع أن أستعير منه تعبير “أكتبُ وفق مفهوم البركه ” فقد تلقفتُ -متأخره- كتابه البديع ( الشاعر والطفل والحجر ) بالصدفه من إحدى مكتبات هيئة الكتاب بوسط البلد، وغلبتني رغبتي في الكتابة حول محتواه ؛وكما يقول المثل الفرنسي أن تأتي متأخرا خيرُ من ألا تأتي عشتُ مع هذا الكتاب أيام ؛ قرأته في صمتٍ مره و بصوتٍ عالٍ مرة أخرى لأولادي ، هذا الكتاب الصادرضمن سلسلة سير ذاتيه من مكتبة الهيئه العامه للكتاب؛و لولعي بالسير الذاتيه واعجابي بقصائد شعريه نثريه قرأتها من قبلُ لكاتبه الذي لم أقابله بعد، لذلك منيتُ نفسي بوجبةٍ دسمةٍ حول سيرته ، والحق أن الشاعر لم يخيب ظني فقد غنمتُ بكتابٍ فكري من الطراز الرفيع ليس فقط مجرد سيرة ذاتيه ولكنه تجاوز ذلك بمراحل ، فالكتاب عباره عن تحليل للذات الإنسانيه عبر أفكار فلسفيه مكتوبه على شكل قصائد نثريه متتاليه ومتواصله تُعبر عن العشق لعالم الشعر والشاعر والقصيده .
المؤلٍف هو الشاعر المصري فتحي عبد السميع حائز على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية

، له مقال إسبوعي بجريدة القاهرة تحمل عنوان “رفرفة الحجر”؛ صدر له ” الخيط في يدي”، تقطيبة المحارب، خازنة الماء، فراشة في الدخان ، تمثال رملي، الموتى يقفزون من النافذة، الجميلة والمقدس ، القربان البديل ، الشاعر والطفل والحجر، أحد عشر ظلا لحجر …
“الشاعر والطفل والحجر:كتب الكاتب كتابه بلغةٍ علميهٍ بإمتياز؛ ولكن بلسانٍ شعري ممتع قراءةً وفكرا ، أحاطه بشجيراتٍ من لوحاتٍ تشكيليه بديعه من صُنع قلمه الشعري ، ومشاهد متكاملة الأركان ، يكتب فيها الكاتب بلا تكلف ظاهر ولا إدعاء معرفي خارق ، يكتب بلغةٍ صادقه تستمتع فيها بجمال اللغة العربيه ، غزل صريح في مًلكة الشعر وفي الشاعر الجيد والقصيده الجيده ، يطلعنا الكاتب على أهمية الشعر للإنسان وللمجتمع وللحياه الإنسانية بصفة عامه .. إلى حد اعتبار الكتاب مجموعة اسكتشات لفنان مغموس في طين هذا الوطن؛ نجد ذلك في صورة الجمل الذي يمرح في خرم إبره ، وصورة عواء عامل الشادوف ، وصورة الأم التي “تعدد” ، وصورة المسخ ذو العين الواحده ، وصورة أستاذ اللغة العربيه ورفضه لأشعار الصبي وقسوته في الإدلاء برأيه حول شعره ؛ وصورة الشاعر المعطوب الرافض للتجديد ؛ كلها صور تصلح للتصوير في عمل سينمائي ..
الجزء الأول من الكتاب قصيدة غزل طويلة في محبة الشعر والشعراء والقصيده ؛حيث كل مقطع منه هو قصيده مستقله بذاتها ؛ المؤلف يتحدث بلغة العاشق ، يصور الصراع ما بين السفاح والفنان ، البشري والإنسان ، المسخ والحقيقي ؛ ويميز بين الإنسان والبشري بشئ مهم وفريد وهو تلك الروح الشعريه التي يمتلكها الإنسان “الإنسان شاعرُ في المقام الأول – والشاعر الذي يحمله كل إنسان هو الخصم الحقيقي لصورتنا بوصفنا وحوشا بشريه جباره “إلخ..
يقول الكاتب :”الشعر بالنسبة لي عملاقُ مناوئ لذلك المسخ ،جمال يصارع القبح على الدوام ؛ الشعر بطلا مناوئا للعنف والفوضى ؛ كل انحطاط ثقافي يعني فتح المجال للوحش البشري وكل رقي ثقافي يعني فتح المجال للنبل الإنساني في أزهى صوره ” …
يتحدث الكاتب حول فلسفة الشعر و أهميتة للذات الانسانيه يقول :” الشعر يرابط على جبهة خاصه ومهمه من جبهات الصراع بين قوى التدمير وقوى التعمير ، والشاعر الحقيقي يعيش في حالة نضال على مستواه الفردي وعلى مستوى الجماعه وعلى مستوى الإنسانيه ككل
“. الشعر لدى عبد السميع انفتاح على الذات بالنسبة للشاعر لكنها الذات غير المعروفه التي تشبه الأخر معتبرا أن “كل كتابه حقيقيه تحمل في طياتها ميلادا جديدا لوعينا الممتد للأمام ” …
اذن الشعر لدى فتحي عبد السميع “غريزي في الإنسان يعمل من أجل الحفاظ على حياتنا من قوى التدمير –ويؤكد أننا بحاجة الى قدرات الشعراء بدرجة لا تقل عن حاجتنا لقدرات الأطباء “، الشعر عنده هو الحبل السُري البديل ، الشعرهو الطفوله التي تظل حاضرة على الدوام وكلما تعمقت علاقتنا بالشعر كلما تعمق اتصالنا بالطبيعه ؛الشاعر طفلُ في المقام الأول ” ؛ ” والشعر يدُ حانية تهتم بهذا الطفل “.
يجيب عبد السميع في هذا الكتاب عن سؤال مهم حول أهمية الشعر فيقول” الشعر ضروره وسيبقى ضروره في كل وقت “-هو بوابه ملكيه للخروج من السطح الى العمق من الحيوانيه إلى الإنسانيه من غلاف الواقع إلى متن الواقع “، الشعرعنده يعلمنا الحريه ويرسخها في أعماقنا يحررنا من العبوديه ككل ما أدركنا منها وما لم ندرك، الشعر يحارب المسوخ في العالم ويقول أيضا ” حسبي من الشعر مقاومته للمسخ الذي ينمو بداخلي ولا أشعر به “؛ “الشعر يمنحني القدره على تجاوز أو ملاعبة كل ما يحًول حياتي الى موت ، كل ما يحاول النيل من طبيعتي ” ؛”مع الشعر كتابة وتلقيا، نمارس الحريه بشكل أعمق ، نمارس الحياه بشكل أروع وأليق بطبيعتنا الإنسانيه .”
يقول عبد السميع ” هناك أمور لا يمكنننا التعبير عنها إلا بالشعر وما لا يمكن التعبير عنه يتحول بداخلنا الى جثه “.. و الحق أن حديثه هذا دفعني أن أشكر الله كوني بدأت كتابتي الشعريه منذ الطفوله فلا يحق لي والحمد لله التساؤل عن عدد الجثث بداخلي .
حول الشاعر يؤكد المؤلف أن عليه أن يكون عضويا فاعلا في مجتمعه الشاعر يقول: ” الشاعر الحق ذهنُ متوقد وحساسية مرهفه وإمعان عمق في الحياه، يغرق في آلام جماعته وآمالها يتطلع لحياة إنسانيه نموذجيه – يتحرك كما يتحرك الحارس الأمين عند نوم الناس – يلعب في قلب البحر لا على الشاطئ ؛ والشاعر طفلُ في المقام الأول -وواجب الشعر هو حراسة الطفل وإطعامه على الدوام ، ولو مات ذلك الطفل نحمل داخلنا جثه”.
ألم أقل لكم أن مؤلف الكتاب يرسم لنا لوحات واسكتشات تشكيليه بل ومشاهد سينمائيه ويعرض علينا أفكارا فلسفيه ،ولكنه يرسمها بلغة فاتنة فاتن ‘وأفكار قوي ، فلسفيه وشعريه..
وحول علاقة الشعر بعمر الشاعر يرى عبد السميع أنها علاقه غير عاديه فالشاعر مهما صغرت سنه لابد وأن يكون شيخا ومهما كبرت سنه لابد وأن يكون طفلا ومراهقا وكهلا “، ” الشاعر يكسر المسافه بين الطفل والكهل ، كلاهما يثري الاخر .
وحول لحظة الكتابه يقول :” لاأفهم تلك اللحظات بإعتبارها إلهاما بل هى نتيجه لعمليه تبدأ بالتأمل والتساؤل والوعي الذاتي بالانفعالات ويلعب فيها اللاشعوردورا “؛ والممارسه الشعريه هى عمليه معقده للغايه.
ميز فتحي عبد السميع بوضوحٍ تام ما بين الشاعر الجيد والشاعر المعطوب والشاعر المغامر ؛ ويرى أن من مميزات الشاعر الجيد بأنه يحرر القصيده من نفسه عبر اصغائه العميق واهتمامه البالغ وادواته المكتمله فيخرج لنا كائنا مدهشا مما يجعله يتساءل قائلا لماذا لا ننظر إلا للأدعياء المستسهلين لماذا لا نحتمل المغامرين قليلا في مقابل توفير المناخ الذي ينجح في تحقيق إضافة للشاعر الحقيقي تُثري شعرنا العربي ؟
ويصف الشاعر الردئ بأنه يمارس القمع على قصيدته ” يقمع ويقمع حتى يخرج من بين يديه كائنا ميتا لا فتنة فيه ولادهشه ؛ أما الشاعر المعطوب فهو ذلك الذي يكره الفم الذي لا يصفق ،لا يفخر بمنتقديه أكثر مما يفخر بمن يكيلون له المديح .؛ في حين ميز الشاعر المغامر بأنه الغناء خارج السرب فالمغامره جزء جوهري في الشعر يؤكد هنا على كون القيمه في الاضافه وليس في الحجم.
خصوصية حالته وتجربته الخاصه :
عن تجربته الخاصه يقول :”الشعربالنسبة لي جزء جوهري من الحياه، جزء فاتن ينفتح على كينونتي كلما اهتممتُ به قراءة أو كتابه” ،
الشعر اذن لدى عبد السميع بمثابة علاج نفسي يقول ” نقلني نقلة كبيره جعلت حياتي ثريه جدا قياسا بالمقارنه مع حياة أندادي الذين أغلقوا أبوابهم في وجه الشعر” / الشعرٌ متراسي ، “يحاول استيعاب الواقع وإعادة تفسير الذات الإنسانيه وفهمها فهما متجددا وعميقا” ، ثم يدق جرس إنذارٍ منبها إلى أن” موت الشعر يعني موت الإنسان، فالعلم يحتاج إلى الشعر احتياجه الى العلم وهو يشير هنا الى الشعر بإعتباره يستوعب القصيده والروايه والسينما وكل الفنون الأخرى حيث الحاله الشعريه واسعه ، فالعلم رافد كبير من روافد عبقريتنا الإنسانيه لكنه ليس الرافد الوحيد وعلم بلا حكمه يعني نتيجة عكسيه تماما يعني دمارا لا عمارا “.
عنالمؤثرات يحدثنا عن تأثره بشعراء الربابه ثم ” عديد ” الأم وعمال الخرسانه اما عواء عامل الشادوف فيحتاج من القارئ ان يلجأ الى الكتاب لقراءته.
يعترف فتحي عبد السميع في هذا الكتاب بأن حياته تغيرت إلى الأفضل بفضل صداقته للشعر؛ لكنه في الوقت ذاته ينبهنا إلى ضرورة ألا أن نتخذ من الشعر تسلية لأن “الشعر أكبر من كونه إبداعا ممتعا فهو وردة وسنبلة في الوقت ذاته “؛وينتهي إلى أن الشعر أمر ثقافي ولكنه أيضا غريزي ودليله على ذلك أن” الشعر موجود في كل الثقافات المعروفه وقدرته تتجاوز الطبقات والإيديولوجيات والعصور “؛ يقول عبد السميع “الشعر أمر غريزي يشبه ابتسامتنا عندما نشعر بالمًسره فالابتسامه الحقيقيه ليست سلوكا نتعلمه لكنها تتداخل مع الثقافه فالثقافات تختلف حول الأمور التي تسعد الفرد وتختلف في أمر البسمات المصطنعه ، فالشعر في أجسادنا يقوم بدوره بشكل غريزي وهذا الدور لا يكفي وعلينا الاهتمام به كما نهتم بعلم الطب ولا نعتمد على الجسد لمقاومة المرض بغريزته فقط؛ لذا علينا الاهتمام بالشعر بتنمية الوعي وامتلاك القدره على تذوقه ،وهنا يتساءل لماذا تتمثل أهداف المؤسسات التعليميه في قتل الشعر بإختيار نماذج توافق قدرات التلميذ أو تعبر عن وجدان وعالم الإنسان في عصر بعيد، ولماذا الشعر غريب في حياتنا !!
علاقة الكتابة بالانخراط في عمل أو وظيفه
ينصح الشاعر فتحي عبد السميع الشعراء بالدخول في معترك الحياه والوظيفه لأنها ستكون الماده الخام التي من خلالها ينسج تجربته الذاتيه وبصمته الشخصيه .والصراع الذي يدور بين الشاعر والموظف فيصل إلى المعادله وهى أن الشاعر والعمل وجهان لعملة واحده ، هما شقيقان متناغمان ، فالموظف الذي تخلو حياته من الشعر جثة والشاعر الذي تخلو حياته من العمل جثه مادام يعيش في مناخ لا يعتبر الشعر عملا .يقدم الكاتب الحل للشعراء الذين يعانون ويريدون الانفراد بعملهم كشعراء فقط يقول :” لم أنظر إلى العمل الإنساني من خلال قيمته النفعه في وجهها المباشر فالعمل الانساني أكبر بكثير من مجرد الحصول على العائد المادي لأن الإنسان أكبر من كونه كائنا يأكل وينام ويتناسل ،العمل في ثقافتنا الشعبيه أكبر من مسألة الربح المادي؛ يخلص الكاتب إلى أن الشعر مربح جدا فهو ليس مالا فقط إنه العيش في الحياة بشكل متناغم والخروج من السجن الكبير الذي شيدناه بداخلنا، وحتى يصبح العمل ممتعا علينا دمج الشعر بالغمل ولابد من تصالح بين الشعر والعمل لينجو العالم من الشقاء …قارئ الشعر شاعر بل ان الشاعر يغار من القارئ ، ويوجه عبد السميع نصيحته لشباب الشعراء قائلا :” واصل طفولتك أيها الشاعر وازرع المحبة في العالم كن نصيرا للعقلانيه المرنه وعدوا للمنطق الحسابي ، قم لتنقذ طفولة العالم لزرع الطفوله في أحداق الكهول والشيوخ “.
يرى الكاتب أن الشاعر لن يفقد دوره التنويري أبدا، لأن مفهوم الشعر نفسه يتجدد ويتسع بفضل حوار الشاعر مع الواقع، فالشعر ليس شيئا معلبا بل هو كائن حي ينمو بنمو الإنسان حضاريا،ويتفاعل مع تحدياته الجديدة، ولاشك أن صورة الشاعر الآن تعبر عن كائن هامشي مهجور ومنبوذ، لكن الوضع الإنساني المأزوم ـ رغم التقدم العلمي والتقني ـ يكشف عن حاجتنا الكبيرة للشعر، كما أن الشعراء الجادين يبذلون جهودا حقيقية لتحرير الشاعر من الصورة المشوهة التي جرحت قيمة الشعر، منذ صار الشاعر يعمل في بلاط الساسة، وراح يوظف الشعر في أغراض غير شعرية، كما هو الحال في الدور الإعلامي والدعائي للشاعر، ذلك الدور الذي تعانق الشاعر فيه مع السلطة فانتقلت إليه أمراضها وهذا تحديدا من أبرز ما ترفضه الأجيال الجديدة.
بدأت صورة الشاعر تتغير في عصرنا، أو على الأصح تحررت من ملامح غريبة عليها لكنها ارتبطت بها ارتباطا جعلنا نعتقد في أصالتها بينما هي زائفة، ومهما كان الوضع الهامشي للشاعر في حياتنا الآن، إلا أنه سوف يستعيد حيويته وعافيته، طالما ابتعد الشعراء عن الجمود ونسخ التجارب القديمة، وانفتحوا على واقعهم، وعلى الشعر، بشكل عميق.
يشبه المؤلف بعض الشعراء بصائدي السمك يقول :” صائد السمك لا يذهب الى النهر عندما يرغب في اصطياد السمك بل يذهب الى الطين ليجمع الطُعم الذي يصطاد السمك ، ثمة شعراء لا يستوعبون الدرس فيذهبون إلى الماء مباشرة يذهبون للصيد بلا طُعم فيصطادون أعشابا وطحالب ونفايات ” يقول ” الشاعر صياد علم نفسه كيف يُلقي صنارته وكيف يصبر وكيف يجذب بمنتهى الخفه والسرعه “
يتأمل الكاتب فكرة الخصوصيه ويقدم لنا تجربته الخاصه وهى جديره بالقراءه العميقه يقول ” لامعنى لشاعر اذا لم يقدم تجربه خاصه، هذه الخصوصيه في رأيه تتمثل في :كل انسان يحمل ذاتا فريده لا تتطابق مع ذات أخرى – الكائن الانساني هو كائن اجتماعي يتأثر بمحيطه الثقافي والمجتمعي والاشتباك مع الحياه هو ما يعطي كينونتنا الخاصه قوامها وخصوصيتها “
ولم يفت الكاتب أن يعرض لنا أزمة الشاعر العربي حيث لا يمكنه أن يعيش معزولا عن صوت الدم الذي يصرخ في أرجاء العالم العربي ولا أن يسد أذنيه عن أنين شعبه الفقير وحياة الناس البائسه مؤكدا على عدم قدرته أن يكون محايدا تماما
يقدم الكاتب روشته لشباب الشعراء يقول “لكي أصون خصوصيتي عليً أولا حمايتها من الزيف والانسياق وراء الرواج الكاذب والقبول بمكانتي الحقيقيه في عالم الشعر مهما كانت صغيرهولا تناسب رغباتي أو طموحاتي وثانيا الإنفتاح الجاد على عالمي الخاص فكل شاعر يمتلك كنزا من المشاهد والخبرات لا يملكه شاعرُ أخر فحياة الشاعر هى النهر الذي ينبغي له الجريان في تجربته الشعريه ليصنع طعمها الخاص ومن هنا يحكي لنا عن تغير نظرته إلى عمله والبدء في قبوله بعد فترة طويله من الرفض المعنوي إلى حد أن إعتبره هديه لا لعنه وبدأ من تعايشه هذا مرحلة التأمل للوجوه والمواقف التي تُولد رغبه في السرد بل ان نظرته إلى مدينته الصغيره التي كان يعتبرها منفى أو زنزانه أكبر قليلا من مبنى المحكمه الذي يعمل به تغير أيضا فبدأ في النظر إليها على إعتبار أنها شريحة من الحياه صالحه لتفتح الكينونه الداخليه بدأت عين المٌنقب في العمل ، ألم يقل لنا الشاعر فتحي عبد السميع أن الشعر أثرى حياته !!
كان لإنفعاله بثورة أطفال الحجاره دورا في تشكيل خصوصية الشاعر ويعتبرها النقطه التي انطلق منها إلى الشعر. الكتاب يعد مجموعة شهادات من المؤلف حول الشعر والشاعر والقصيده والحياه ، لكنها كلمات مكتوبه من القلب والروح والعقل معا ، يقل الشاعر:”في وسعنا أن نكون جذورا تحت الأرض لسنا بحاجه سوى الا للطين”؛ يقول الشاعر :” العبرة بالجذور وهى تسري في صمت تزحف في الأعماق “..
الشعر روح العالم ؛ الشعر هديه وعليه دوما أن يسبق الثوره ؛ومن العبارات التي اعجبتني واضحكتني في آن حين يقول الشاعر “أحبٌ قواعد الشعر واحترمها جدا خاصة تلك القاعده التي تحرضنا على هدم قواعد الشعر ومن هنا يدعو الشاعر الى ان الحريه من الأمور الجوهريه في الشعر .
ربط الكاتب بين ثورة يناير وقصيدة النثر كتجربه جديده وحريه حقيقيه وإضافه فهو يرى أن الشاعر عليه أن يسبق الثوره ؛ أما أدعياء الشعر ففي رأيه أنهم هؤلاء الذين لا يفرحون بالنصوص الجيده فأنت من الأدعياء ان لم تبحث بضراوه عن الشعر الحقيقي وتحتفي به احتفاء الطفل بالعيد ..
والحق أن الشاعر صدمني بقوله في حوار مع جريده انه ينتظر دوره في نشر ديوانه الجديد”ولد على ظهر عقرب” عن قصور الثقافة،كما ذكر في متن الكتاب أيضا أن مما يجعلنا نتساءل حول امكانية ايجاد طريقة أفضل للتعجيل بنشر كتابات المبدعين بشكل عام من خلال هذه الهيئات بشكل أسرع وأكثر إيجابيه وبطريقة مبتكره نوعا ما عن هذا الطابور الذي يقف فيه مبدعين مهمين والذي غالبا ما يمتد لسنوات مما يبعث على الإحباط في روح المبدع .
يقول الشاعر :”انتظرت مجموعتي الشعريه “الخيط في يدي ثلاث سنوات في انتظار دورها في النشر ضمن سلسلة ابداعات هيئة قصور الثقافه وفي حوار بإحدى المجلات يصرح ان ديوانه(ولد على ظهر عقرب) ينتظر دوره في النشر منذ عامين وهو ما يجعلني اتساءل عن إمكانية خلق آليه أخرى ضمن وزارة الثقافه تخفف من طول هذا الطابور حتى لا يتعدى الانتظار اكثر من شهور للتعامل مع المبدعين بدلا من الوقوف في طابور طويل لسنوات كافيه لتحطيم آمال وطموحات أي مبدع ..
*أكاديميه وكاتبه

شاهد أيضاً

د.فاطمة واياو*/كورونا فايروس دروس وعبر

ربما أن التردد في الكتابة عن كورونا وفي زمن كورونا، كان بالنسبة لي أمرا منطقيا ...