الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.يامن نوح / سوسيولوجيا عبد الجواد ياسين*

د.يامن نوح / سوسيولوجيا عبد الجواد ياسين*

سوسيولوجيا عبد الجواد ياسين

قراءة في المنهج والنظرية
*****

“إن أحسن تكريم نقدمه لمفكر هو قراءة فكره قراءة نقدية”
نصر حامد أبو زيد


ملخص
قدم المفكر عبد الجواد ياسين في كتبه الثلاثة –السلطة في الإسلام بجزأيه و”الدين والتدين”-قراءة متميزة للتاريخ الديني، تميزت – من حيث المنهج -بقدرتها على تطوير ذاتها من الداخل، وعدم اعتمادها على مسلمات منهجية مسبقة. ومن حيث المخرجات النظرية، قدمت قراءة المستشار عبد الجواد ياسين طرحا في تعريف الدين – بوصفه مطلقا لا ينتمي إلى الاجتماع -في مقابل التدين -الذي يعتبر التمثل التاريخي لحضور الدين في الاجتماع. ومن خلال هذا التمييز النظري، قدم ياسين قراءته الدقيقة لآليات تأثير الاجتماع على كل من النص الديني والطقوس والتشريع واللاهوت، حيث استكشف بأدوات تاريخية دقيقة كيف يقوم الاجتماع التاريخي بصناعة الجسم العام “للديانة” – أي ديانة -من خلال التفاعلات السياسية والاجتماعية. وقد استصحب خلال هذه الرحلة البحثية تاريخ الأديان الكتابية الثلاثة: اليهودية، المسيحية، والإسلام.

تقوم هذه الدراسة على قراءة فكر عبد الجواد ياسين قراءة تحليلية تفصيلية، مرة من حيث المنهج، حيث تناقش مرتكزاته المعرفية والمنهجية الرئيسية، وما يميزها عن غيرها من الأطروحات في مجال سوسيولوجيا الدين، ومرة أخري من حيث المفاهيم النظرية، حيث تناقش مفاهيمه النظرية مناقشة نقدية، وتتناول مفاهيم مثل “الدين”، “التدين”، “التنصيص”، و”الأخلاق الكلية”، وهي كلها مفاهيم يستخدمها عبد الجواد ياسين ويوظفها توظيفا خاصا، تتعرض له هذه الدراسة بالتدقيق والمناقشة النقدية.
جدير بالذكر أن هذه الدراسة تأتي كثمرة لمخالطة المستشار عبد الجواد ياسين لمدة عام كامل من خلال ورشته الدراسية الأسبوعية التي تنظمها مؤسسة مؤمنون بلا حدود في القاهرة منذ إبريل 2017.

تقديم

لا يمكن قراءة أعمال المستشار عبد الجواد ياسين علي الوجه الصحيح في تقديري إلا في ضوء ثلاث ملاحظات أساسية:

أولا: التمييز الضروري -من ناحية -بينها وبين الأطروحات السوسيولوجية الوضعية التقليدية، (ممثلة في دوركايم وموس مثلا)، والتي تتعامل مع الظاهرة الدينية كلها بوصفها نتاجا اجتماعيا صرفا، لا تتضمن أي بعد مفارق، ومن ناحية أخري، التمييز بينها وبين الأطروحات الأصولية من داخل الثقافة الإسلامية التقليدية، والتي تنكر أي بعد اجتماعي على الإطلاق في النص الديني الإسلامي، وتتعامل معه بالكامل بوصفه نصا مفارقا. بخلاف هذه وتلك، تأتي أطروحة المستشار لتفتح طريقا ثالثا، يحاول كسر هذا الاستقطاب الثنائي، حيث يحاول التمييز بين “الدين” والذي يتعامل معه المستشار بوصفه “مطلق”، وبين “التدين” الذي هو نتاج الاجتماع. جدير بالذكر في هذا السياق أن المستشار لا يستخدم لفظة “التدين” بنفس معناها الشائع في الكتابات الإنجليزية، أي (religiosity)، فهذه المفردة الأخيرة في الإنجليزية تحيل عادة إلى “مظاهر التدين” أي مجمل الممارسات والسلوكيات الطقوسية وغير الطقوسية والتي يمكن للبحث الاجتماعي رصدها، وليس ذلك هو المعني المقصود من مفردة “التدين” في قاموس المستشار عبد الجواد ياسين. يعتبر المستشار أن “التدين” هو الشق الذي أنتجه الاجتماع في الظاهرة الدينية ككل، ويدخل في ذلك الممارسات والطقوس، كما يدخل فيه غالب النصوص، كما يدخل فيه التشريعات، كما يدخل فيه كذلك البنية اللاهوتية بما هي “نظرية” محددة للإيمان. بمعني أن “التدين” هو الشق الاجتماعي من البنية الكلية “للديانة”. يبقي خارج هذا الجزء – أي خارج “التدين”-ما يعتبر المستشار أنه ينتمي إلى “الأخلاق الكلية” أي الأخلاق بأوسع معانيها، والإيمان بالله أيضا بمعناه الواسع بغض النظر عن التصور اللاهوتي الضيق، وذلك هو الجزء الذي يصفه المستشار بلفظة “الدين”.

ثانيا: تحتاج أعمال المستشار عبد الجواد ياسين إلي قارئ يتمتع بدرجة عالية من المرونة الذهنية، حيث تتطور مفاهيم المستشار ومصطلحاته النظرية باطراد، حتى أنه بإمكانك أن تلاحظ تطورا في دلالة نفس المصطلح بين أول الكتاب وآخره، فالكتاب الواحد أقرب إلى رحلة بحث تنطبع نتائجها مباشرة على أسلوبها في الكتابة، وتطور نفسها بنفسها بحيث تغير النتائج – في شكل تطور تراكمي دوري -من بنية المصطلح والمفهوم، وبالتالي تؤثر على البنية النظرية ككل، وهو ما سنناقشه بالتفصيل لاحقا عند الحديث عن النظرية لدي المستشار.

ثالثا: تتميز أطروحة المستشار عبد الجواد ياسين بمرونة منهجية عالية، بحيث أن المستشار لا يلزم نفسه مسبقا بمنهج للبحث – كما تقضي تقاليد البحث التقليدية – بحيث يتبني مفاهيم المنهج وأدواته في معالجة الموضوع، ولكن علي خلاف ذلك يستخدم المنهج والأدوات المناسبين بحسب طبيعة الموضوع في كل مرة، وهو ما يتغير باستمرار، فبإمكانه أن يتبني أدوات السوسيولوجيا أو التاريخ أو الفلسفة أو الأنثروبولوجيا أو حتى اللسانيات، بحسب طبيعة الموضوع محل المناقشة، وهو ما يجعل تصنيف أطروحة المستشار من الناحية المنهجية أمر في منتهي الصعوبة، وسيعتمد التصنيف في الأغلب علي “المنهج الأكثر حضورا” في كتاباته، وهو أمر سيختلف تقديره من قارئ لآخر. بالنسبة لي أصنفها – في طورها الحالي -كأطروحة تقف في مساحة السوسيولوجيا غالبا، وإن لم تكن السوسيولوجيا بهذا الوضوح في الكتابات المبكرة –أعني الأجزاء الأولي من كتاب السلطة في الإسلام مثلا -إلا أنها –أعني السوسيولوجيا -نضجت بشكل واضح في أحدث أعمال المستشار – كتاب الدين والتدين – وإن شابها حضور متزايد للأنثروبولوجيا، وهو الحضور الذي أتوقع أن يتسع كثيرا في العمل القادم عن اللاهوت ونمط التدين الكتابي. كما لا تخلو أطروحة المستشار منذ بداياتها من حضور واضح وقوي للفلسفة، لكنه حضورا يبقي في خلفية المشهد أكثر مما يتصدره، مما يجعل من الصعب تصنيف الأطروحة كلها كأطروحة فلسفية صرفه.

ما جعلني أميل إلى اعتبارها أطروحة في السوسيولوجيا – أو هي تغلب عليها السوسيولوجيا برغم ثرائها وتنوعها المنهجي كما أشرت -هو طبيعة المفاهيم الرئيسية التي يؤسس لها المستشار ويستخدمها لدراسة الظاهرة الدينية. فمثلا لا يذهب المستشار غالبا بمفهوم “النص” إلى المساحة اللسانية المعتادة لهذا المفهوم – كما تقرأها مثلا عند نصر حامد أبو زيد، أو محمد أركون -ولكن يذهب به إلى دور “الاجتماع” في إنتاج وإعادة استخدام النصوص، وهو ما يسميه المستشار “التنصيص”. كذلك لا يذهب المستشار بمفهوم “التدين” إلى مساحات سيكولوجية معتادة كذلك عند تناول هذه الظاهرة، ولكن يذهب به إلى دور “الاجتماع” في بناء الجسم العام للديانة، وهكذا. تقوم مفاهيم المستشار علي فرضية تنبني – في جسمها الرئيسي علي الأقل -على دراسة العلاقة المتبادلة بين “الدين” كمعطي مفارق من ناحية، و”الاجتماع” من ناحية أخري، وهو ما يجعلني أغلب طبيعتها السوسيولوجية في التصنيف، في الطور الحالي على الأقل.

ولذلك سنقرأ أعمال المستشار عبد الجواد ياسين الثلاثة خلال السطور القادمة من زاويتين: في الجزء الأول سنتعرض لمسألة المنهج، وفي الجزء الثاني سنتعرض للنظرية، حيث سنناقش المفاهيم الرئيسية للنظرية التي يطرحها المستشار عبد الجواد ياسين في دراسته للظاهرة الدينية.

أولا: في المنهج

في حوار خاص مع المستشار عبد الجواد ياسين علي هامش حلقته الدراسية بالقاهرة، سألته عن رأيه بخصوص تصنيفي لأطروحته باعتبارها أطروحة في السوسيولوجيا، فأجاب بأنه يري أنه -فيما يخص المنهج -يحاول الإمساك بالتاريخ والسوسيولوجيا والفلسفة والأنثروبولوجيا في لحظة ذهنية واحدة.

أتصور أن عبارة المستشار تصح بالفعل على الشكل الأخير لمنهجه في لحظة اكتماله الحالية، وفي أنضج صورة له، بعد ان أستصحب هذه المناهج كلها في مشواره. لكن لا أعتقد أن هذه العبارة يمكنها أن تنطبق بنفس الدرجة على المراحل المختلفة لتطور الأطروحة، التي مرت على مستوي المنهج بتحولات عديدة كان بينها رابط أساسي دائما، وهو ما يمكن وصفه اختزالا بالتحرر من إلزامية المنهج من الأصل، أو يمكن وصفها بعبارة أخري بالمرونة المنهجية، وهي عبارة تحتاج إلى تفصيل وتوضيح.

يقول المستشار عبد الجواد ياسين في كتاب السلطة في الإسلام، وفي سياق حديثه عن البنيوية: "ولكني مضطر للإفصاح عن أن هذه الدراسة تتبني عدم تبني منهج بعينه، ليس فقط من منطلق أن موضوع أي بحث هو الذي يفرض منهج تناوله، وأن المنهج هو دائما جزء من الموضوع، ولكن قبل ذلك إدراك لأن الاجتماع الإنساني تماما مثل ظاهرة تعقله، مراوغ جدا ويصعب من ثم الإمساك به من زاوية واحدة مع الهدر الناتج عن ذاتية الفكر وتداخل الظواهر وانعكاسات اللغة"

التحرر من المنهج

لم يلزم المستشار عبد الجواد ياسين إذن نفسه بمنهج بعينه في قراءة التاريخ الديني، بحيث يقرأ التاريخ بعين المنهج وأدواته وانحيازاته السابقة، ولكن على العكس، يدخل إلى التاريخ بأسئلة بكر، متحررة من أي أيديولوجيا منهجية، لتحاول استخراج السوسيولوجيا من التاريخ، وليس العكس. تعني هذه العبارة الأخيرة أن المستشار يحاول استنطاق التاريخ لاستخراج المفاهيم والآليات التي تعمل عملها في الاجتماع الإنساني، لا قراءة التاريخ وفق مفاهيم وآليات سوسيولوجية معدة سلفا و"متوقعة"، بحيث تكون عملية القراءة التاريخية مسألة بحث عنها، مادام وجودها مسلم به مسبقا.

هذه الطريقة في التعامل مع المادة التاريخية، أدت إلى نشوء عدة مفاهيمية غير معبأة سلفا بدلالات مستهلكة في أعمال أخري، ولكن يحرص المستشار علي أن يؤسس بنفسه لحمولات المفاهيم من داخل بيئته الفكرية الخاصة، يعني ذلك أن قارئ أعمال المستشار يحتاج إلى أن ينتبه إلى دلالات الألفاظ داخل قاموس المستشار الخاص، وألا يحيل ألفاظ مثل “الدين”، “التدين”، “النص”…الخ، إلى دلالات شائعة ومعتادة.

على امتداد نفس الخط، يحرص المستشار دائما – كما يتضح من الاقتباس السابق أيضا -على التأكيد على تعقيد الظاهرة الاجتماعية – والدينية بالتبعية -بحيث يستحيل فهمها على مستوي عقلي أو معرفي واحد، ولذلك يصر دائما على استخدام مفردات مدمجة للدلالة على زوايا النظر المتعددة، مثل “الملابسات العقلنفسية”، المنظومة “الفقهفكرية”، “الأسباب السيكوسياسية”، وأحيانا تتعدد زوايا النظر أكثر من ذلك فيستحيل معها دمج المفردة، مثل “التفسير التاريخي (السياسي الاقتصادي الاجتماعي النفسي)”، وهكذا.

يعكس استخدام المفردات بهذه الطريقة إلحاحا واعيا من المستشار علي صرف نظر القارئ عن أي قراءة اختزالية للظاهرة الاجتماعية، بالإضافة إلى الحرص الواعي على تنبيه القارئ “بالهدر الناتج من ذاتية الفكر وتداخل الظواهر وانعكاسات اللغة”.


كما أشرت في الفقرة السابقة، يطرق المستشار عبد الجواد ياسين الطريق الأصعب، فهو يبحث عن ويستخرج السوسيولوجيا من قلب التاريخ، ولا يقرأ التاريخ وفق سوسيولوجيا جاهزة، وبالتالي يصنع السوسيولوجيا الخاصة به. وبقدر ما تثمر هذه المنهجية في التعامل مع المادة التاريخية، طزاجة في القراءة، إلا أنها تطرح على الجانب الآخر إشكالية التعميم.

فدائما ما ستأتي الاستنتاجات السوسيولوجية محدودة بمساحة القراءة التاريخية محل الدراسة، وستتوسع إمكانيات تعميمها كلما توسعت دائرة القراءة. وقد أشار المستشار بنفسه إلى ذلك في مقدمة "الدين والتدين" موضحا أنه "في جميع الأحوال ليس مطروحا هنا تقديم تعريفات جامعة، المطروح هو محاولة للنظر في مفهوم الدين، وفق السياق التوحيدي، من زاوية العلاقة بينه وبين الاجتماع". وبهذه الطريقة يوضح المستشار حدود التعميم الممكن من خلال قراءته للتاريخ، فهو – في هذا الاقتباس على سبيل المثال -لا يتحدث عن "الدين" في العموم، ولكن يتحدث عن "الدين" في سياق خاص، هو السياق التوحيدي، وهو التحديد الذي يعطل التعميم آنيا، لكنه يفتح الأفق أمام توسع التعميم تدريجيا كلما توسعت القراءة، كما أنه يعد بتعميم أكثر تماسكا، وإدراكا للتفاصيل الجزئية، كلما مضت القراءة التفصيلية إلى الأمام.

قراءة ترجع إلى الخلف

والحقيقة أن قراءة المستشار للتاريخ تبدو كأنها – بكثير من المجاز -ترجع إلى الخلف، لا تتقدم إلى الأمام. و"الرجوع إلى الخلف" هنا ليس بمعني الارتداد عن الاستنتاجات، ولكن على العكس، بمعني العودة لمناقشة المسلمات القبلية والافتراضات المسبقة، وهي الممارسة النقدية القصوى التي يمكن للذات الناقدة أن تمارسها، حيث تنقد نفسها بنفسها، وتعود لتتفحص أسس تفكيرها ذاته، فتفتح المجال بذلك أمام اتساع الرؤية تدريجيا، وبالتالي تحقيق إمكانات تعميمية أكبر للفكرة ذاتها، وقد أدت هذه الممارسة النقدية الذاتية إلى تحولات في بنية المفاهيم في مشروع المستشار، سيتم تناولها بالتفصيل في الجزء الخاص بالنظرية.

لكن يهمنا هنا في سياق الحديث عن المنهج، الإشارة إلى هذه الممارسة النقدية الذاتية التي ما فتئت توسع من مجال العمل الفكري للمستشار، كلما توسعت أسئلته. ففي البداية كانت أسئلة المستشار تدور حول “إلزامية الفقه” وهو التساؤل الذي كان يدور في فلك مسلمات قبلية تتعلق بإقرار القرآن والسنة كمصادر وحي خالصة، “فقد صرنا حيال نوعين من النصوص: النص الأصيل المتمثل في الوحي الخالص كتابا أو سنة، والنص الوافد المتمثل في الأحكام المستنبطة من النص الخالص نتيجة لحركة هذا النص في الأخير مع المكان والزمن”

لكنه يعود بعد ذلك خطوة إلي الوراء، لمناقشة هذه المسلمات القبلية ذاتها، ف “عندما شرعنا في البحث، كانت المشكلة في نظرنا محصورة في تلك المصادر المرجعية اللانصية كالإجماع والقياس وقول الصحابي وعمل أهل المدينة ثم أقوال الفقهاء من أصحاب المذاهب، والتي وضعت إلي جوار النص الخالص واكتسبت صلاحياته التشريعية […] فما أن تمادينا في البحث حتي بدا أن التاريخ (السياسي الفقهي) لم يكتف بإنشاء المصادر المرجعية المفارقة للنص…بل حاول التدخل في بنية النص الخالص ذاتها، فأحرز نجاحا كبيرا فيما يتصل بالنص السني، بينما كان نجاحه ضعيفا فيما يتعلق بالقرآن”

وبهذه الخطوة النقدية، مضي المستشار في قراءة التاريخ وفق مسلمات قبلية “أخف”، مفادها أنه “فيما يتصل بالسنة، وصل التدخل إلى حد الوضع والإنشاء، فضلا عن التفسير والتأويل […] أما بالنسبة للقرآن فقد توقف التأثير المباشر للتاريخ السياسي بوجه عام عند حد التفسير والتأويل، وذلك لسبب واضح هو أن النص القرآني الذي تكفل الله تعالي بحفظه كان يكتب لدي نزوله أولا بأول تحت إشراف النبي (ص)، ومعني هذا أن القرآن كان قد اكتمل كنص نهائي مغلق ومنقول بالتواتر قبل أن يبدأ التاريخ السياسي فاعلية التدخل والتأثير”

ويتضح هنا التحول الذي حدث على مستوي الافتراضات القبلية، خاصة فيما يتعلق بالتمييز بين القرآن والسنة، حيث القرآن "نص مغلق" حماه تدوينه المبكر من إشعاعات السياسة، بينما السنة لم تتمتع بتلك الحماية، حيث تعرضت "للتدخل السياسي الذي مارسته كل من السلطة الحاكمة والقوي المعارضة لها في بنية النصوص، على مدي الحقبة الطويلة التي شهدت الصراع السياسي بين الفرق، والتي شهدت في نفس الوقت عملية التدوين النهائي للسنة"

وتحت ظل هذه الافتراضات الجديدة، أنجز المستشار عبد الجواد ياسين قراءته الفريدة للنظرية السياسية في الإسلام، بتجلياتها السنية والشيعية والإباضية، وهي القراءة التي لا أجد من قبيل المبالغة القول إنها ضرورية لكل من يريد الدخول إلى قراءة التراث الديني في الإسلام بمختلف أصنافه.

لكن المستشار سيعاود مناقشة مسلماته القبلية مرة أخري، وهو ما سيمثل قفزة كبيرة على مستوي المفاهيم والنظرية، تتجاوز ما سبقها، وسيصل إلى نتيجة هامة مفادها "أن النص الديني (الصحيح) يتضمن ما هو مطلق ثابت يمكن وصفه بأنه من (الدين في ذاته)، وما هو اجتماعي قابل للتغير لا يجوز إلحاقه بالدين في ذاته، أي لا يجوز القول بتأبيده، لأن طبيعته النسبية المتغيرة سوف تفرض ذاتها في أرض الواقع بقانون الاجتماع وقانون التطور"

كما هو واضح، تحركنا هنا إلى منطقة أخري داخل بنية النص الديني (الصحيح) ذاته -أي القرآن -بحيث أصبح يميز المستشار داخله بين نوعين من المضامين النصية، النوع الأول هو المتعلق "بالأخلاق الكلية" وهي "وحدها التشريع أو القانون المطلق في الدين، وحين يقوم النص بإنزالها تطبيقيا على الواقع متبنيا خيارات اجتماعية فهو يعلن أن شقا من البنية الدينية اجتماعي، وبالتالي قابل للتطور"


هذا التمييز الأخير تحديدا، هو ما أنتج أهم مفهومين في مشروع المستشار عبد الجواد ياسين، وأكثرهما حضورا في الطور الحالي من فكره، وهما "الدين" و "التدين". بحيث يصبح "الدين من حيث يقوم على مبدأ الوحي الإلهي، يرجع إلى مصدر مفارق للإنسان، أي أن له وجودا ذاتيا سابقا على حضوره في الاجتماع، ومن ثم هو فكرة كلية مطلقة ومتعالية، غير قابلة للتغير بفعل الاجتماع"، بينما "التدين" هو "حضور الاجتماع في البنية الدينية الكلية، فلأن الإنسان هو موضوع الدين ومجاله، سيعبر المطلق الديني عن ذاته من خلال التمثل في الواقع الاجتماعي"، وبالتالي لتوضيح العلاقة بينهما وتمظهر كل منهما، نحتاج أن نفهم أنه "يبدأ تفاعل الاجتماع مع الدين بمجرد حضور الدين إلي الاجتماع، ومن هنا صعوبة الإمساك باللحظة الافتراضية التي يمكن عندها معاينة الدين مفارقا للاجتماع أو سابقا عليه، أعني اللحظة المجردة من خيارات النص الاجتماعية" وبالتالي نفهم من ذلك أنه يصعب جدا التمييز الحاسم والدقيق – في داخل النص علي أقل تقدير- بين "الدين" و "التدين"، ولكن مع ذلك "فالأصل الذي يلزم افتراضه هو أن النصوص التوحيدية تتخذ مسارا تدريجيا يبدأ بمقدمات افتتاحية تعرض لأصل الدين قبل أن تنغمس في أي تلزيمات ذات مضمون تشريعي أو طقوسي، ما يوفر مادة مناسبة لقراءة الدين في مادته الخام الأولية"

أي أنه – مع بعض التجاوز-يمكننا عمل هذا “التمييز الموضوعي بين المطلق الإيماني (الألوهية والأخلاق) الذي عالجه القرآن المكي، والنسبي الاجتماعي (التشريع والطقوس) الذي عالجه القرآن المدني”

وفي ضوء هذه الافتراضات القبلية الجديدة – التي يسميها المستشار مصادرات أولية -أنجز المستشار دراسته الموسعة في كتاب “الدين والتدين” حول التشريع الإسلامي بالتفصيل، مستحضرا كخط مواز لم ينقطع التشريع العبري والأعراف العربية قبل الإسلام.

ومرة أخري، يجب أن يكون واضحا من هذه الاقتباسات السابقة -وكما ذكرت في مقدمة الدراسة -لا يستخدم المستشار عبد الجواد ياسين مفردة “التدين” بمعناها الشائع في الدراسات الاجتماعية والنفسية، والتي يقابلها في الإنجليزية مفردة (religiosity)، حيث تحيل هذه الأخيرة غالبا إلى مظاهر التدين الطقوسية والاجتماعية، بمعني الممارسة الفعلية للتعاليم الدينية في الحياة الاجتماعية، والتي منها نشأت مقاييس التدين الكمية في هذه العلوم. تعني مفردة “التدين” في قاموس المستشار عبد الجواد ياسين، الطريقة التي يشكل بها الاجتماع البنية الدينية ككل، أي هي إكراهات الاجتماع، التي يجد الدين نفسه ملزما بتبنيها للتعبير عن نفسه، في لحظة تاريخية بعينها، وبالتالي ينبصم ببصمتها، ويدخل في مفهوم “التدين”، التشريع، والطقوس، واللاهوت، حيث “ما ينطبق على التشريع ينطبق على اللاهوت وعلى الطقوس، من حيث أسفرت جميعا عن مسارات تطور متعددة، تؤكد مصدرها الاجتماعي”، وتجدر الإشارة إذن أن المقصود باللاهوت هنا “الجدل الكلامي حول كيفيات الألوهية، لا في المبدأ في ذاته. ففي حين ظلت الألوهية كما الأخلاق الكلية مبدأ ثابتا داخل السياق التوحيدي، تعددت صور إدراكها وأشكال التعبير عنها، وهو ما نقرأه في تعدد الديانات والمذاهب والرؤى الفردية، وفي تعدد الممارسات الطقوسية المرتبطة بكل مستوي من هذه المستويات، نتيجة لاختلاف البيئة الاجتماعية وتراثها التاريخي”.

ومن خلال هذه الزاوية، صك المستشار مفهوم “نمط التدين الكتابي”، والذي رآه ممتدا في الديانات التوحيدية الثلاث، بداية من اليهودية ثم المسيحية والإسلام، وهو الذي بدأ المستشار في تتبعه خلال كتاب الدين والتدين في منطقة التشريع، ويواصل تتبعه في كتابه القادم في منطقة اللاهوت.


كما أوضحت سابقا، يؤكد المستشار عبد الجواد ياسين دائما على الطبيعة المركبة للظاهرة الاجتماعية، "فما من ظاهرة اجتماعية إلا وتختزن في داخلها ظاهرة تاريخية وأخري نفسية، وهو ما يزيد المسألة تعقيدا"، وبسبب هذه الطبيعة المركبة، لا يمكن أبدا تناول هذه الظاهرة على مستوي واحد من مستويات التفكير، أو من خلال منهج واحد بعينه، "فلا يمكن أصلا حصر العوامل بتركيباتها وعلاقاتها البينية، وعلاقات أجزائها الداخلية، وتفاعل ذلك مع التفصيلات اللانهائية للذات الإنسانية من جهة الوعي والغاية والسلوك علي المستويين الفردي والجماعي".

وتأسيسا على هذا الموقف المعرفي، يؤسس المستشار عبد الجواد ياسين موقفه المنهجي، والذي يقضي بعدم التقيد مسبقا بأي منهج، والتعامل مباشرة مع الموضوع، واستنباط المنهج/ المناهج اللازمة للتعامل معه من خلال طبيعة الموضوع ذاته، ولذلك تأتي كتابته دائما متحررة من أي إكراهات منهجية من خارج الموضوع. تجد مثلا أن بإمكان المستشار أن يقفز بين التأويلات السوسيولوجية أو السيكولوجية أو الفلسفية في لحظات بعينها بحسب طبيعة الظاهرة والموضوع محل الدراسة، كما يمكنه كذلك أن يجمع بين اثنين من هذه المناهج أو أكثر في لحظة بعينها، أو ربما يقف على الحدود الفاصلة بينها، والتي تجسد المناطق المشتبكة والمشتركة كذلك.

على سبيل المثال، عندما يناقش المستشار عبد الجواد ياسين الأسباب التي ساهمت في تطور التشيع الإمامي كظاهرة خاصة نشأت من داخل التشيع العام يقرر أنه "لا يمكن فهم الظاهرتين (التشيع عموما والتشيع الإمامي بوجه خاص) من دون مرور علي الدور الفردي الفاعل لأشخاص مثل علي بن أبي طالب، والحسين بن علي، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق...ومن ناحية ثانية، لا يمكن تصور الظاهرتين خارج سياق الصراع السياسي الذي نشأ عن الواقع (الفتنة) بأبعاده الاجتماعية، وما نتج عنه من ظهور الدولة الأموية، التي فرضت بغرض الدفاع عن ذاتها، مناخا قمعيا...وأخيرا من ناحية ثالثة، لا يمكن تجاهل التأثير الذي أحدثه العامل الأخير (القمع الأموي) في العامل الأول، بتوجيه علي زين العابدين إلي مسلكه العملي المهادن، الذي سيكرسه لدي الباقر جدل المنافسة داخل الحركة الشيعية، وبوجه خاص مع زيد بن علي الداعي إلي الثورة"

وهكذا يستطيع المستشار عبد الجواد ياسين أن ينظر إلى الظاهرة محل الدراسة في بعدها السيكولوجي – ممثلا في دور العامل الفردي وطبيعة الفاعلين على اختلافهم، ما بين ثوري كزيد بن علي، أو مهادن كعلي زين العابدين أو منظر كالباقر والصادق- ولكن في نفس الوقت، لا يختزل الظاهرة في بعدها النفسي، وإنما ينظر إليها في لحظة ذهنية أخري في بعدها السوسيولوجي، لكي يقوم بتحليل العوامل الاجتماعية المختلفة المحيطة بها – كالتنافس داخل البيت العلوي في هذا المثال - وكذلك أن يعيد النظر إليها مجددا في بعدها السياسي، ممثلا هنا في الآداء السياسي القمعي للدولة الأموية.

هذا التركيب المنهجي يتوافق بشكل واضح مع تركيب الظواهر الاجتماعية ذاتها، وصعوبة الإمساك بها من زاوية معرفية واحدة، وبالتالي يتطلب التعامل مع الظاهرة بشكل كفوء هذا القدر من "الرشاقة المنهجية" الذي تراه في كتابات المستشار عبد الجواد ياسين. فمثلما تراه يتعامل مع مناهج متعددة ومركبة –كما في المثال السابق -تراه في موضع آخر يقفز إلى أنثروبولوجيا تاريخية صريحة، في تحليله لمسألة حد الرجم في جريمة الزنا وجذوره التشريعية التاريخية، فنجد أنه "من ناحية العقوبة يحضر القتل في التشريع العرفي الجاهلي كما يحضر في التشريعين المكتوبين البابلي واليهودي. ولكننا سنلاحظ غياب الرجم عن قانون حمورابي الذي ينص على أنه (لو ضبطت زوجة رجل تضاجع رجلا آخر يربط الإثنان ويلقيان في النهر) […] من المفهوم استخدام النهر كوسيلة لتنفيذ الإعدام في الجغرافيا البابلية، وهي جغرافيا مغايرة لجغرافية النصوص التوراتية المبكرة ذات الملامح الصحراوية والتي تضمنت الرجم، ويمكن فهم التناسب بين الرجم وطبيعة الصحراء، ومن هنا وجه التشابه مع البيئة العربية. في هذا الطور التاريخي عموما كان القتل عقوبة مقبولة وسهلة الحضور على المستوي الاجتماعي والتشريعي، وخضعت لوسائل التنفيذ لاعتبارات البيئة الطبيعية والثقافية"

أو يتحرك في موضع آخر إلى تأويلية هرمنيوطيقية واضحة، مثلا عند تحليله لتفضيلات الشافعي التأويلية في آيات القصاص، حيث نجد أنه "في هذا النموذج التأويلي كان أمام الشافعي دلالتان يمكن للنص أن يتحمل بإحداهما، الأولي...والثانية...اختار الشافعي الدلالة الثانية، فما الذي يحكم اختيار الدلالات في التأويل؟ ليست المسألة في الحقيقة مسألة (اختيار) بالمعني المطلق، ثمة جملة من الإكراهات المضمرة التي تصدر عن الثقافة الاجتماعية، وعن تكوينات الذات. على المستوي السطحي يشير التأويل إلى عملية احتكاك مباشر مع النص، وفق ما يبدو أنه قوانين صادرة من داخل النص ذاته (إشارات اللغة) وفيها يبدو النص حاكما أو مؤثرا، وليس محكوما أو متأثرا. ولكن التأويل ينطوي في الواقع على عملية اسقاط مزدوجة (من قبل الثقافة الكلية ودوافع الذات) على النص، مما يشير إلى معطيات صادرة من خارج النص تشارك في إنتاج دلالاته. الجامع النهائي لهذه المعطيات هو الثقافة الاجتماعية، التي لا تعبر عن حضورها دائما بشكل مباشر وصريح. أتكلم هنا عن كل تأويل وكل نص، سواء كان دينيا أو غير ديني، بسبب طبيعة العلاقة بين اللغة ككائن اجتماعي والمطلق العقلي الذي لا يبدو اجتماعيا خالصا."
وهذه "التأويلية" على العموم لا تذهب في النهاية بعيدا عن رؤيته الكلية لطبيعة الظاهرة الدينية، حيث يعود مرة أخري ليدمجها باستخدام مفرداته الخاصة، حيث يري أن "خصوصية النص والتأويل الدينيين تأتي من خصائص اللغة الدينية التي تمزج -خصوصا في منطقة التشريع -بين واقعية الاجتماع وخلفية الروح المطلق (الإيماني الأخلاقي)، وتبدو لذلك في كثير من الأحيان، ذات قوام غائم حمال أوجه".

نفس هذه الرشاقة المنهجية، والتحديد المفاهيمي الدقيق، يمكنا المستشار عبد الجواد ياسين من أن يتحاور حول طبيعة الظاهرة الدينية في موضع مع أهل السوسيولوجيا، وفي موضع آخر مع أهل الفلسفة، وفي موضع ثالث مع أهل اللاهوت.
فقد "كانت مدرسة الاجتماع الوضعي الفرنسية قد انتهت مع دوركايم وموس إلى القول بأن الظاهرة الدينية برمتها، وليس فقط الشق الطقوسي منها، هي ظاهرة اجتماعية، فبحسب دوركايم أصول المقولات العقلية جميعا تكمن في الجياة الاجتماعية، بما في ذلك المقولات التي تتعلق بالمقدس وما يتصل بها من أفعال (طقوس أو شعائر)"، لكن المستشار يري أن "ما أخضعه دوركايم للتحليل "التجريبي" كان في الواقع مظاهر "التدين" وليس جوهر "الدين"؛ التدين هو الممارسة البشرية للمطلق المفارق، الذي وحده يستحق وصف الدين، وهو غير قابل للتجريب. سحب دوركايم نتائج بحثه الميدانية على فكرة المطلق معتبرا أن الدين والتدين شيئا واحدا عنوانه (الظاهرة الدينية)، وهو انطلق في ذلك من فرضيته القائلة بأن مقولات الفكر جميعا، بما في ذلك مقولة الدين، اجتماعية. المشكل في هذه الفرضية هو أنها هي بذاتها محل النزاع. فمقولة الدين تعني تحديدا أنه فكرة مطلقة مفارقة، أي قادمة من خارج الاجتماع، الأمر الذي لا يمكن البت فيه من خلال التجربة، وهو ما يجوز تعميمه على سائر مقولات الفكر الكلية"
بينما في موضع آخر "يؤكد هيجل أن التاريخ السياسي للمسيحية يقوم على (الطلاق بين الدين من جهة والحياة من جهة أخري، وكأن ليس ثمة صلة على الإطلاق بين المتناهي واللامتناهي أو بين الأرض والسماء). ولأن هيجل الذي لم يتصل بالإسلام بالقدر الكافي أو بالشكل العلمي، كان ينظر إلى العالم من خلال العقل والتاريخ الغربيين، ويظهر احتراما كبيرا للفلسفة اليونانية، فقد وجد في وثنية اليونان القديمة مثالا (للدين) الذي يشمل شتي مظاهر الحياة"
ولكن "في هذا السياق يبرز الطرح الذي قدمه إرنست ترولتش كطرح مثير وجدير بالنقاش لكونه صادرا عن أرضية لاهوتية تعترف بفعالية التطور التاريخي في بنية الدين. ففي كتابه الرئيس (التعاليم الاجتماعية للكنيسة المسيحية) ناقش ترولتش علاقة التأثير المتبادل بين المسيحية والبني والمنظومات الاجتماعية، على مدي زمني طويل يمتد لأكثر من ألف وخمسمائة عام"
وفيما يخص ترولتش تحديدا، يجد المستشار عبد الجواد ياسين تقاطعا بين أطروحته الخاصة وأطروحة ترولتش حول طبيعة الدين وعلاقته بالاجتماع، حيث "ينطلق ترولتش من الإيمان بحقيقة الوحي الإلهي، فالله تجلي في العالم ولمرة وحيدة في هذا العالم عبر البشر الخاضعين لقوانين الاجتماع، فتخلقت حول الفكرة (محتويات ثقافية) كانت تتغير بتغير الزمان والمكان والمجتمع البشري الذي تشتغل فيه...بحسب هذا التحليل، الفكرة الدينية ظلت تعمل من خلال الاجتماع، وبالتالي تلونت بألوانه المختلفة التي تتغير في الزمان والمكان، أي أنها كانت تخضع للظروف الاجتماعية الاقتصادية وتتطور معها الي حد التحوير...ومن هذه الزاوية يتلاقي هذا الطرح في خطوطه العريضة مع الرؤية التي تقدمها هذه الدراسة في تمييزها بين الدين والتدين. فما يسميه ترولتش (الفكرة الدينية) يتقاطع مع ما أسميه الجوهر الأصلي للدين أو (الدين في ذاته)، وما يسميه (محتويات ثقافية) يتقاطع مع ما أسميه الشق الاجتماعي المتغير أو (التدين)".
وبالرغم من أن المستشار –فيما يخص المقارنة بينه وبين ترولتش -يقول "بالتقاطع وليس التطابق، لأن ترولتش وإن أشار ضمنا إلي جوهر أساسه مصدر الوحي وعصي على المؤثرات الاجتماعية اللاحقة على زمن الوحي، وهذا موضع التقاء، إلا أنه لم يشر أو لم يتكئ على حضور الاجتماع منذ البداية أي في زمن الوحي ذاته، في بنية الدين، من خلال تبني النصوص التأسيسية لخيارات تشريعية وطقوسية، كانت تعبر بالضرورة عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية السائدة في زمن الوحي"

إلا أنه – ومن الناحية المنهجية التي تهمنا في هذا السياق -يمكن ملاحظة كيف تجمع الأطروحتان بين الحضور القوي للاجتماع، المشرب بالفلسفة، مع – إذا جاز التعبير-قليل من اللاهوت.


ولحضور الفلسفة في فكر المستشار عبد الجواد ياسين موقع هام يستحق المناقشة، كما سيلقي كثيرا من الضوء على طبيعة المفاهيم النظرية التي يؤسس لها المستشار.
فالمستشار عبد الجواد ياسين لا يتعامل مع المادة التاريخية بشكل تحليلي محايد، يقوم على "استعراض" السياقات التاريخية وملابساتها وغير ذلك، ولكنه يتعامل مع المادة التاريخية من منطلق "موقف نقدي" خاص. يتأسس هذا الموقف النقدي علي رفض المقولة الهيجلية التي تقضي بأنه "لم يكن في الإمكان إلا ما كان"، بمعني أن أحداث التاريخ تبرر نفسها بنفسها، فالمستشار ضد الحتمية التاريخية من الأصل، وبالتالي ينظر الي الأحداث التاريخية باعتبار أنه لم يكن يمتنع إمكان حدوثها على طريق مغاير لما حدثت عليه، ومن هنا يتأسس موقفه النقدي حيال الشخصيات والأحداث والأدوار التاريخية المختلفة.

“وربما كان على أن أفصح الآن عن قناعتي بأن العوامل التاريخية – بشكل عام -لا تمارس تأثيرها في الواقع الاجتماعي، أي لا تحدث (التحولات) عن حتمية ضرورية كالحتمية العلية في قوانين الطبيعة، بحيث يكون ما حدث، هو ما كان يجب أن يحدث، ولم يكن بوسعه أن يحدث بشكل آخر. وهي المقولة الهيجلية التي استخدمت في ألمانيا لتبرير وضع سياسي سيء، قبل أن يستخدمها ماركس للتبشير بالتحول إلى الاشتراكية عن ضرورة كامنة في بنية الرأسمالية، يقتصر فيها الدور الفاعل على العامل الاقتصادي (قوي الإنتاج وعلاقات الإنتاج). عوامل التحول، وفق هذه الرؤية، تكمن في البنية الاجتماعية، أي العلاقات المجتمعية الكلية، وليس في الذوات الفردية التي فقط تتأثر بالبني الاجتماعية ولا تؤثر فيها”
ومن هنا، يوفر المستشار لنفسه مساحة أن يتخذ موقفا نقديا عقليا – وربما نفسيا، بمعني مع أو ضد -من سياقات تاريخية بعينها، انطلاقا من اعتباره “لما كان يجب أن يحدث”، أو علي أقل تقدير “ما كان يمكن أن يحدث” لنفس الظرف والسياق التاريخي.
على سبيل المثال، خلال مناقشته لتأثير واقعة كربلاء على نشأة التشيع، يصل إلى أنه “أما السؤال عما إذا كان تخلف حدوث كربلاء كان سيؤدي إلى امتناع حدوث التشيع؟ فهو بحث ليس فقط افتراضيا، بل ويتعارض مع قناعتي المضادة للحتمية التاريخية، التي تشبه علية الطبيعة ولا يدخل في معني “التسبيب” التاريخي الذي أربط به بين الواقعة وظهور التشيع الاصطلاحي”
نجد هنا أن المستشار – من الناحية الفلسفية -لا ينفي “السببية” على الوجه الذي نعرفه في نقاشات “القدر” الكلامية المعروفة في التراث الإسلامي، والتي انتهت باعتماد الموقف الأشعري الميال لنفي السببية مطلقا عن أحداث الكون، مع تخريج يحتفظ ببعض الفعالية الإنسانية الشكلية ممثلا في نظرية “الكسب”.
لكن المستشار عبد الجواد ياسين علي خلاف ذلك، يؤمن بالسببية على مستوي الطبيعة، لكنه يرفض “الحتمية العلية” في مجال العلوم الإنسانية، باعتبار وجود العامل الإنساني الذي يجعل القول بالحتمية أمرا غير ممكن في هذه المجالات، فقد “اعتبرت دائما تسمية علم الاجتماع وعلم التاريخ وعلم النفس تسميات مجازية. من حيث أن ظاهراتها لا تخضع لقانون العلية ولا يجدي من ثم أن تكون موضوعا للتجربة، وما من ظاهرة اجتماعية إلا وتختزن في داخلها ظاهرة تاريخية وأخري نفسية، وهو ما يزيد المسألة تعقيدا. لا يمكن أصلا حصر “العوامل” بتركيباتها وعلاقاتها البينية وعلاقات أجزائها الداخلية وتفاعل ذلك مع التفصيلات اللانهائية للذات الإنسانية من جهة الوعي والغاية والسلوك على المستويين الفردي والاجتماعي”

لكن إذا كان الموقف النقدي للمستشار يتأسس بهذا الشكل، فما هو المرتكز المعياري الذي سيستخدمه المستشار لنقد الشخصيات والأحداث والأفكار التاريخية؟
يبدو أنه في البدايات المبكرة من عمل المستشار الفكري، تمثل هذا المرتكز المعياري في قوانين تنبع من طبيعة النص ذاته، وهي قوانين مثل قانون "النصية" -بمعني حصر الحجية في المصادر النصية الثابتة بالوحي-، وقانون "الإباحة" -بمعني أن الموضوعات التي سكت عنها النص تقع بالضرورة في دائرة الإباحة المطلقة-، وقانون "الإكتناز"- بمعني الارتباط العضوي بين النص وبين بيئة تشكله في التاريخ، وهو ما يجعل قراءته بدون استظهار هذا الجزء "المكتنز" قراءة تفصله عن جزء منه، أي عن تاريخه الاجتماعي (أو اجتماعه التاريخي). وقياسا إلى هذه المبادئ العامة لطبيعة النص، والتي أسس لها المستشار-في هذه المرحلة المبكرة -تأسيسا يجمع بين مرجعية العقل والنص معا، يقوم بتقييم كثير من أصحاب المذاهب الفكرية في التاريخ الإسلامي بحسب اتفاقهم أو اختلافهم مع هذه المبادئ المعيارية، فمنهم من اتفقوا ولو بشكل نسبي معها – كابن حزم -أو الذين اختلفوا معها تماما، كالشافعي.
وفي مرحلة تالية، انسحبت المرتكزات المعيارية النصية – بشكل طبيعي، خاصة مع تطور مفهوم "التنصيص" الذي أتصور أنه أول قدم منهجية راسخة يضعها المستشار في مساحة السوسيولوجيا وهو ما سنناقشه لاحقا -لصالح مرتكزات أخلاقية عقلانية – تبدو شبه كانطية في أغلب الأحوال -يمكن بالقياس إليها ممارسة الموقف النقدي من التراث والمادة التاريخية.

على سبيل المثال، يتحدث المستشار عن شرط تكافؤ الدم في فقه القصاص باعتباره “يكشف عن الحضور المباشر للاجتماع، ولكنه كما يستدعي الحديث عن الطبقية، يستدعي الحديث عن قسوة منافية للروح الإنساني، ولا يجوز صدورها عن الأخلاق الإلهية”، وكذلك لاحقا عند الحديث عن العبودية “فإباحة العبودية لا يجوز إسناده إلي الجوهر الأخلاقي للدين”
لا يمكنك أبدا وأنت تقرأ أعمال المستشار عبد الجواد ياسين ألا تلمح الطبيعة المثالية الكانطية – أو “شبه الكانطية” إذا جاز التعبير- للأخلاق، وتكاد تكون الأخلاق لدي المستشار مكافئة – من وجه ما- للألوهة ذاتها، ولذلك يستخدم المستشار تعبيرات من قبيل “الأخلاق الإلهية”، “الأخلاق الكلية”، “المطلق الأخلاقي”، للتعبير عن مضمون الشق المطلق من الظاهرة الدينية، وهو ما يسميه “الدين” في مقابل “التدين” الذي يعتبر أنه يمثل الشق الاجتماعي من الظاهرة.
لاحقا-ودون أن تغيب المعيارية الأخلاقية تماما-، أسس المستشار عبد الجواد ياسين “لقوانين” معيارية أخري تنبع من طبيعة “الاجتماع” ذاته، لا من طبيعة “العقل” ولا طبيعة “النص”، وهما قاعدتي “التطور” و”التنوع” بوصفهما قواعد جوهرية للاجتماع، يمكن بالقياس إليهما تأسيس موقف نقدي للتراث والتاريخ. فأي فكرة أو تشريع أو توجه عام يتعارض مع قانوني التطور والتنوع، يمكن اعتباره من قبيل “التدين” التاريخي الذي لا ينتمي إلي صميم “الدين” الذي هو مطلق ومتعالي على الاجتماع بحسب المستشار. فقد أصبح واضحا أن “المفهوم السائد عبر نمط التدين التاريخي “الكتابي”، هو أن النص في كل أجزائه عبارة عن حقيقة نهائية ومقدسة، ولا مجال للحديث عن احتوائه على الأحكام المطلقة وكذلك على الأحكام النسبية، المرتبطة بالسياق التاريخي المخصوص الذي أنتجها. ويعني ذلك أن النصوص الدينية هي محصنة تماما بنسبتها مباشرة إلي الله. وهذه الرؤية تثبت وتعمق إشكاليتي التطور والتنوع”
انتهي الجزء الأول الخاص بالمنهج، ويتبع بالجزء الثاني الخاص بالنظرية.

ثانيا: في النظرية
عصا موسي

تكمن أحد أوجه أهمية مشروع المستشار عبد الجواد ياسين، في أنه يناظر السحرة بالسحر، بمعني أنه يناقش الفكر الديني التقليدي بأدواته التي يبرع فيها: أي أدوات التاريخ. فلا يناظره – في العموم – مرتكزا على قواعد الألسنيات، ولا على قواعد السيكولوجيا، ولا على قواعد الفلسفة، فهي كلها علوم ومعارف لا يعترف الفكر الديني التقليدي بشرعيتها أساسا، ولا يعطيها أي اعتبار، وإنما يعتبر هذا الفكر فقط بمرجعية التاريخ، (من حيث هو اتجاه "سلفي" في الأساس، أي يعتبر بمرجعية الماضي مقدمة على مرجعية الواقع أو المستقبل، ويعتمد على الرواية التاريخية أساسا لتأييد مقولاته). ولذلك تأتي المادة التي يعمل عليها المستشار عبد الجواد ياسين -وهي التاريخ، -ذات محل اعتبار بالنسبة لأهل الفكر الديني التقليدي، حيث هي مجال قدسيتهم ذاتها، وهو ما يعطي لأطروحات المستشار إمكانيات مقبولية عالية – أو على الأقل إمكانيات حوارية قوية -داخل دوائر هذا الفكر التقليدي. حتى السوسيولوجيا لا تأتي في كتابات المستشار كمرتكز منهجي مرجعي كما سبق التوضيح في الجزء الأول الخاص بالمنهج، ولكن تأتي كمنتج لقراءة التاريخ –بفتح التاء-، لا كمنتج لها –بكسرها.

ومن داخل هذه القراءة التاريخية، أخذت السوسيولوجيا الخاصة بالمستشار عبد الجواد ياسين تتولد بشكل دينامي، لتشكل ما يشبه "الجسور المنهجية" بين مادة التاريخ، والتصورات العامة عن الاجتماع الإنساني. وكان أول هذه الجسور – وأهمها في تقديري-هو مفهوم "التنصيص". ولمحورية هذا المفهوم، سنفتتح به الحديث عن النظرية السوسيولوجية للمستشار عبد الجواد ياسين.

مفهوم التنصيص

بشكل عام، يعني "التنصيص" في قاموس المستشار، الآلية التي يؤثر بها الاجتماع الإنساني في بنية النصوص الدينية. وقد أخذ المستشار عبد الجواد ياسين في استكشاف الجوانب المختلفة لتأثير الاجتماع على بنية النصوص، ما جعل مفهوم "التنصيص" يتوسع تدريجيا ليشمل مستويات عدة من هذا النمط من التأثير، وهو ما شكل في النهاية أربعة مستويات في تقديري يمكن استنتاجهم ضمنيا من كتابات المستشار:

ففي المستوي الأدنى يعني التنصيص “الوضع المباشر للنصوص” – انتحالها ونسبتها لأصحابها بأثر رجعي – لغرض تأييد توجه أو مقولة أو تبرير تاريخي أو فقهي أو سياسي، مثل أحاديث القرشية، التي بدأت “بواقعة السقيفة، حيث ظهرت المعارضة السياسية الأولي في الإسلام، وذلك حين رفض الأنصار في أول الأمر محاولة المهاجرين الاستئثار بالسلطة، وقد ترافع أبو بكر مدافعا عن حق المهاجرين، فقال (لن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا) […] وفي ظننا أن عبارة أبي بكر عن دينونة العرب لقريش كانت الخميرة التي تحولت عبر مراحل التدوين والفقه المتداخلة إلي أحاديث مرفوعة إلي النبي”. يظهر التنصيص في مثال آخر وهو أحاديث النبوءات السياسية بزوال أو دوام الملك لدولة بعينها، وقد “كانت هذه النبوءات –غالبا-ما تصنع لغرض سياسي بعينه، ثم يتم تركيبها على إسناد مقبول، ليتسنى لها بعد ذلك أن تشيع في الأفاق”

وفي مستوي أعلى من ذلك يعني التنصيص اخضاع الأدوات المعرفية (فقهية – كلامية -فلسفية…) لإنتاج أو تأكيد تصور كلي أو نظرية عامة في معالجة أحد القضايا (مثل كثير من القضايا المتعلقة بالسلطة السياسية على سبيل المثال) وهو ما يمكن أن يتم عن طريق الوضع المباشر للروايات كما سبق في المستوي السابق، أو ربما عن طريق أدوات أخري أكثر تعقيدا، مثل التبويب التعسفي للروايات لتنسج معا سياقا جديدا، ينتج معني يريده صاحب التبويب.

يورد البخاري علي سبيل المثال في كتاب الفتن، بابا بعنوان “باب قول النبي (ص): سترون بعدي أمورا تنكرونها”، ثم يتلوها بسطر ثان يقول فيه: “وقال عبد الله بن زيد قال النبي (ص): اصبروا حتى تلقوني على الحوض”.

“السطر الأول مقدمة تتضمن المشكلة: سترون بعدي (أي من الحكام) أمورا تنكرونها. والسطر الثاني نتيجة تتضمن الحل: اصبروا (إلى يوم القيامة) حتى تلقوني على الحوض. هذا هو العنوان الذي يجب على القارئ أن يحمله قبل أن يدخل إلى عالم الباب ليقرأ الأحاديث من خلاله، وليدرك مقدما أن المقصود منها هو الحض على الصبر على مفاسد الحكام…وعلينا أن نلاحظ الآن أن العنوان مركب من حديثين، بل من طرفين من أطراف حديثين…وهو مثال واضح لآليات الحذف والإضافة والتركيب التي أشرنا إليها من قبل كأدوات مستحدثة في عملية التنصيص السياسي خلال عصر التنظير”

وربما يحدث التنصيص عند هذا المستوي عن طريق التأويل التعسفي للروايات والأحاديث والآيات.

ونجد مثالا على ذلك في الباب الثالث من كتاب الفتن أيضا في صحيح البخاري، والذي “يجعل عنوانه على النحو التالي: (باب قول النبي –ص-هلاك أمتي علي يد أغيلمة سفهاء…والأغليمة تصغير غلمة جمع غلام، وهو الصبي من حيث يولد إلى أن يبلغ الحلم…ويجمع شراح البخاري علي أن المقصود بالغلمة في هذا الحديث هم حكام بني أمية، ولابد أن يكون هذا التفسير مستمدا من خارج النص، إذ ليس في مادته اللفظية ما يشير إلى تخصيص بني أمية. ليس ذلك فحسب، بل إن الحكام من بني أمية ليس فيهم من تولي الحكم وهو دون البلوغ…وحيال ذلك فقد لجأ بعض الشراح إلي تأويل متكلف لمعني الأغيلمة بحيث ينطبق علي حكام بني أمية. يقول ابن حجر: وقد يطلق الصبي والغليم للتصغير علي الضعيف العقل والتدبير والدين، ولو كان محتلما وهو المراد هنا، فإن الخلفاء من بني أمية لم يكن فيهم من استخلف وهو دون البلوغ…وكما هو واضح، فإن ابن حجر يبدأ تفسيره للنص من خارجه، فهو ينطلق من فرضية ثابتة لديه هي أن المراد بالغلمة خلفاء بني أمية، ثم يسقط الفرضية علي النص ليتوافق معها، ولكن هذا التوافق لا يتم إلا بعنت وتكلف شديدين من خلال التأويل البعيد لمعني الغلمة والغلام في استخدام اللغة العربية […] والمعني المستخلص من ذلك كله، هو أن هذه النصوص يراد لها أن توظف ضد بني أمية، أي أننا حيال عملية تنصيص سياسي نظري، تستخدم فيه أدوات التفسير والتأويل والجمع والتركيب، ولا تستبعد منها آداة التنصيص الأصلية، ألا وهي الوضع والاختلاق”

وفي مستوي أعلي من ذلك يعني التنصيص خضوع النص الأصلي نفسه لمقتضيات الاجتماع، واستجابته – بشكل تلقائي وطبيعي-للواقع وإكراهاته. في هذه الحالة لا يكون النص مختلقا، ولا مؤولا في وقت لاحق، ولكنه صدر حاملا بصمات اجتماعه المحيط ومتفاعلا معه بشكل طبيعي، سواء استجاب لهذا الاجتماع بشكل كامل، أو قام بعملية جدل معه، أو قام بزحزحة هذا الاجتماع، ليحرز تغيرا نسبيا في أحد القضايا.

“فالأسئلة المطروحة هنا هي كالتالي: هل كان النص التشريعي يجيب عن أسئلة مفروضة من الواقع المحلي، أم عن أسئلة مفترضة مما يحتمل أن يثيره الاجتماع الإنساني العام؟ إلى أي مدي كان النص يستمد حلوله الموضوعية من موجودات النظام العرفي السائد في المحيط العربي…؟ وإلى أي مدي كان هذا النص يسكت عن التشريع اعتمادا على النظام العرفي؟ هل استحدث على المستوي التفصيلي موجودات قانونية جديدة لم تكن معروفة من قبل لدي هذا النظام؟ أم كان يلجأ، أحيانا إلى الاستعارة المباشرة من مفرداته، وأحيانا إلى تعديلها بشكل جزئي؟…الفرضية المطروحة للاختبار هنا هي: التشريع القرآني اجتماع منصوص”

فمثلا، “لم يستحدث النص القرآني تحريم القتال في الأشهر الحرم، بل أقر بشرعيته العرفية السائدة المستمدة من النظام الجاهلي السائد، ومنه استخرجت أحكام فقهية منسوبة مباشرة إلى الدين، أي إلى المطلق المجرد في ذاته، وقد اعتبرها بعضهم أحكاما محكمة أي نهائية وملزمة أبدا”

وكذلك، الحكم في خمس الغنائم وتخصيصها للرسول، والوارد في الآية رقم 41 من سورة الأنفال، يجد أصله في حكم الربع – أو المرباع -الجاهلي الذي كان يخصص الربع لرؤساء القبائل الأقوياء، “والمصادر الإسلامية المبكرة من كتب التفسير واللغة، وكتب السير والتاريخ، تقرن بينهما من دون استشعار للحرج، الذي ستضمره القراءات اللاحقة على التنظير. أما الفقه فيتجاهل – كالعادة – العلاقة الطبيعية للأحكام بمحيطها الاجتماعي، انطلاقا من كونها واردة في النص وهو إلهي مفارق للاجتماع، وفي واقع الأمر نحن حيال تمدد طبيعي للتشريع كفعل اجتماعي مستمد من بيئته الجغرافية”

كذلك، في مسألة تشريعات القصاص في جرائم القتل، فمن الواضح ” أن القرآن كان يقدم معالجاته الجزائية من داخل هذا السياق العرفي: فهو لم ينشئ مفهوم القصاص إنشاء، بل نقله – كعنوان عام-من حالة العرف الشفوي إلى حالة النص، وظل يحيل على العرف، فيما يتعلق بأحكامه التفصيلية، التي ستنتقل بمصطلحاتها الجاهلية إلى الفقه. وبشكل رئيس أبقي صراحة على مفهوم ولي الدم، ومفهوم الدية كبديل اختياري للقصاص. ومع ذلك تظل للمعالجة القرآنية خاصيتها المميزة في هذا المجال، والمتمثلة في التأسيس الأخلاقي (الديني) للعقوبات، وربطها – كسائر التشريعات-بإرادة الله”

“بوجه عام، كان النص يتحاور مع الواقع بشكل آني ومتجدد، فانعكست عليه، خصوصا في شقه التشريعي، حركية الواقع وظرفيته. وطوال مرحلة التنزيل -حيث كان النص بالدرجة الأولي آلية عمل متقطعة، وليس وثيقة موضوعة للمعرفة المقدسة-لم يبد أن النص يقصد إلى إصدار لائحة نهائية تشرع للمستقبل، بقدر ما كان يقصد إلى معالجة الأحداث والحالات القائمة، بما يمكن اعتباره قرارا وقتيا متعلقا بسببه ومحله”

وتجدر الإشارة هنا، إلى أن هذا المستوي بالتحديد من تأثير الاجتماع على بنية النص، هو ما أشار إليه المستشار ياسين باعتباره يميز أطروحته عن أطروحة “ارنست ترولتش” كما سبقت الإشارة في الجزء الأول من هذه الدراسة.

وفي المستوي الأعلى يعني التنصيص نشوء الطبيعة النصية ذاتها بتأثير من حالة ومسار تاريخي سابق عليها، بحيث تظهر كامتداد تاريخي طبيعي لها. يعني ذلك أن يفرض الاجتماع التاريخي طريقة معينة في التعامل مع النص ذاته إجمالا-بغض النظر عن مضامينه التفصيلية-أي نشوء مفهوم محدد للنص، وطبيعة محددة له، من واقع الاجتماع التاريخي، وهو ما يري المستشار أنه ينطبق على “الطبيعة الكتابية” للنص، والتي “فرضت منهجية الاستنباط من نص واحد طويل، لم ينزل أصلا كنص واحد طويل”. والمستشار هنا لا يري هذه الطبيعة تنتمي إلى “الدين في ذاته” – وسيأتي تفصيل مفهوم الدين لدي المستشار بعد قليل -ولكن يكمن المشكل في “ثقافة التدين التي أفرزت رؤية مفهومية للنص تفصل بينه وبين الواقع الذي التبس به في مرحلة التنزيل، وهو مشكل لا ينفرد به التدين الإسلامي، بل ورثه من التاريخ الديني العام”، فالإسلام في النهاية يشترك مع اليهودية والمسيحية “في خط التدين الإبراهيمي الكتابي ذاته”

ولا يعني المستشار ياسين هنا بعبارة “نمط التدين الكتابي” المضامين النصية للكتاب، ولكن يعني الطبيعة الكتابية بحد ذاتها – أي الوعي بضرورة وجود “كتاب” بالمعني التشريعي المعروف في الديانة اليهودية، وهو ما أدي إلى امتداد نفس الطبيعة في المسيحية في أشكال متأخرة عن المسيح، وفي الإسلام أيضا في شكله المتأخر عن النبي محمد (ص).

فذلك “الوعي بما أسميه (مفهوم النصية) لا يكون مكتملا في مرحلة النص المفتوح، وهي المرحلة الأقرب إلى الدين، بل يكتمل في مرحلة التدين، أي بفعل الثقافة التي تجرد النص من ملابسات التنزيل الاجتماعية لتحوله إلى مقولات مطلقة، بما في ذلك الشق التشريعي الذي يستحيل تجريده من أصوله الاجتماعية التاريخية”

تجدر الإشارة هنا أيضا، أن هذا المستوي من تأثيرات الاجتماع على الطبيعة الكتابية للنص، بالإضافة إلى أثر الاجتماع في الطقوس واللاهوت، هي موضوعات تقع جميعا مناقشتها تفصيلا في الكتاب الجديد القادم للمستشار ياسين.


يثير مفهوم "التنصيص" بهذا الشكل إشكالية إجرائية – هي في الحقيقة أقل أهمية مما تبدو عليه -فهو يجعل من الصعب عليك – بعد افتراض التنصيص -أن تعتمد على الروايات والأخبار نفسها كمادة "تأريخيه"-بإثبات الهمزة -يمكن الاعتماد عليها، وهو ما يؤثر سلبا علي سبيل المثال علي محاولات اعتماد أسباب النزول إطارا لفهم النصوص القرآنية وفق ظروفها الموضوعية، فكل نص في هذه الحالة يمكن رده إلى التنصيص وسيكون من الصعب بمكان التمييز بين الروايات الحقيقية والروايات "المنصَّصَة"، إلا بطريق التأويل للمتن، أو بطريق نقد السند – وهي الآلية نفسها التي اعتمد عليها التراث الحديثي ذاته. وأيضا، فإن التنصيص – كما أوضح المستشار في أكثر من موضع -لا يستبعد التلاعب بهذه الأدوات نفسها، بمعني إيراد النصوص و"تركيبها" على أسانيد مقبولة، مما يجعل "تهمة التنصيص" عملية تأويلية في كثير من الأحيان.

وبالتالي يصبح التنصيص في هذه الحالة سلاحا ذو حدين، فهو من ناحية استطاع أن يضع كم الروايات المتداولة دينيا في سياق تطورها ونشؤها التاريخي، ومن ناحية أخري يعطل بشكل ما إمكانياتها التأريخية.

ولكن برغم ذلك، يري المستشار ياسين أن افتراض التنصيص لا يعطل الإمكانيات التأريخية للنصوص بالكامل، حيث إذا توافرت – كما في الحالة الإسلامية -"مادة إخبارية بالغة الضخامة" فإنها ستكفي "رغم الاحتمالات الواسعة للنحل والتصنع، لتكوين صورة إجمالية لنمط التفكير الجمعي والوجدان العام"، "فالنحل لا يستطيع إخفاء نمط التفكير عندما يقع في مرحلة زمنية تنتمي للسياق العقلي والاجتماعي نفسه"

وهكذا نجد أن المستشار حاول معالجة الإشكالية بالفصل بين "المضمون النصي للرواية" وبين "نمط التفكير المحيط بها"، فإذا كان الأول يمكن نحله وتصنعه: أي "تنصيصه"، لا يمكن للثاني أن يتم التلاعب به بسبب تجذره في ثنايا العقل الذي يقوم بالتنصيص ذاته وإحاطته بكل جوانبه، حيث "لا تستطيع اللحظة التاريخية نقد ذاتها عقليا، ولذلك فإن الروايات التي تنقل في السياق الديني – عموما-لا تكون واعية بما ستؤول إليه في وجهة النظر الثقافية اللاحقة".

وبالتالي ما تزال الروايات ذاتها قابلة للتأويل والاستخدام كمادة "تأريخيه" على الأقل على مستوي استكشاف ملامح "نمط التفكير" الخاص بالمرحلة التاريخية. أي أن المادة التاريخية ستصبح دالة "بذاتها" لا "بمضمونها".

كما أوضحت سابقا، مثل مفهوم التنصيص في أعمال المستشار عبد الجواد ياسين أول حلقة وصل منهجية متينة بين التاريخ – كمادة يعمل عليها-والسوسيولوجيا –كتصورات ومفاهيم نظرية عامة ينتجها-. وقد تحول مفهوم التنصيص منذ ظهوره في كتابات المستشار بشكله الناضج، إلى ما يشبه “الثقب الأسود” – بكثير من المجاز مرة أخري -الذي أخذ يبتلع المفاهيم جميعا ويعيد انتاجها وفق منظومته الخاصة، أي المنظومة المفاهيمية التي أصبحت تفترض مقدما “تأثيرا ما” للاجتماع على بنية الديانة ونصوصها، وتعمل من خلال البحث على تقصي هذا التأثير واختبار حدوده.

وأهم ما أثمرت عنه هذه العملية بعد ذلك، هو إعادة التعريف المتكررة لمفهوم الدين، وما نتج عنها من تمييز بين مكونين موجودين بالضرورة داخل بنية الديانة – أي ديانة -وهما: “الدين” و”التدين”.

“الدين” و”التدين”
بدأ المستشار عبد الجواد ياسين رحلته البحثية، وهو يعي تماما أن ثمة ما هو مطلق وثابت في الظاهرة الدينية، وثمة ما هو اجتماعي من صناعة التاريخ. ف”الدين” بالنسبة له، ليس هو كامل “الديانة” كما يعيها أتباعها، ولكن هو فقط، الشق الإلهي المطلق من بنية الديانة، بينما “التدين” هو الشق الاجتماعي التاريخي منها. وإن لم يكن هذا المفهومان قد تبلورا بهذا الشكل الواضح في بداية الأمر، ولكن تبدو هذه الفكرة نفسها هي المرتكز الأساسي الذي انطلق منه المشروع كله، وأعني هنا فكرة التمييز بين مكونين داخل بنية الديانة كما وصلت إلينا: أحدهما أصيل والآخر طارئ.
ف”شريعة التوحيد الصافية والبسيطة المستمدة أساسا من النص الخالص، قد شابها كدر من أوشاب الوضعية البشرية، فتضاءلت منها مساحة الحق خلف ركام من الروايات والخزعبلات والصوفية وأقوال الرجال”
لكن التساؤل كان دائما عن الحد الفاصل بينهما. أي من مكونات الظاهرة الدينية –أو الديانة -يقع ضمن المطلق – أو “النص الخالص” بتعبير المستشار في هذه المرحلة المبكرة، وأيها يقع ضمن الاجتماعي التاريخي؟
وهذا الحد الفاصل بين “الدين” و “التدين” هو ما ظل يتحرك بشكل دينامي مع تطور الأطروحة.
في البداية، كان الشق المطلق يشمل كل ما له علاقة بالإيمان بالله، والأخلاق، كما يشمل التشريع القرآني، الذي اعتبره المستشار آنذاك ملزما، و”نصيا” بالمعني القانوني -بالإضافة إلي قسم كبير من “السنة الصحيحة”-أي التي تصح نسبتها للرسول بشكل مؤكد.
“فالحكم الملزم في صيغة محكمة، هو الحكم الوارد في (النصوص) أي في الكتاب والسنة (الصحيحة) علي وجه الجزم بالوجوب أو الحرمة بالمعني الأصولي المعروف”
أراد المستشار في هذه المرحلة فقط أن يوضح كيف أن الفقه التراثي والفكر الديني المحيط بالنصوص هو من صناعة التاريخ وغير ملزم. فما كان يعتبره المستشار في هذه المرحلة مستحقا لوصف “الدين”، هو “إسلام (النص) الثابت بالوحي كتابا أو سنة، وهو دون غيره مقصودنا بالإسلام في منطوق التساؤل المطروح”، بينما ما كان يعتبره ضمن “التدين” ، هو “إسلام الواقع التاريخي المتمثل أولا في أنظمة الحكم المتعاقبة، التي قامت علي أرض الإسلام وانتسبت إليه عادة…والمتمثل كذلك في قواعد الفقه الاجتهادية التي تصح نسبتها إلي أصحابها، ولا يحظر إسنادها إلي تراث الأمة ومحيطها الحضاري العام، وليس لها بعد ذلك أن تكون مصدرا أبديا متمتعا بقداسة الوحي أو فرضية النصوص”
ولكن مع استمرار البحث، تكشف له كيف أن تدخلات الاجتماع التاريخي في بنية الديانة كما يعيها أبنائها اليوم، أكبر من مجرد صناعة الفقه والمواد المحيطة بالنص الديني، وانما تدخل التاريخ كذلك في صناعة النص الديني نفسه -وهو ما أسماه “التنصيص” كما سبق وأوضحنا.
“فما أن تمادينا في البحث حتى بدا أن التاريخ (السياسي الفقهي) لم يكتف بإنشاء المصادر المرجعية المفارقة للنص…بل حاول التدخل في بنية النص الخالص ذاتها”
ومع ذلك لم يشمل “التنصيص” في تصور المستشار عند هذه المرحلة، سوي القسم الأكبر من نصوص السنة، بينما اعتبر المستشار في هذه المرحلة أن “التنصيص” كآلية عمل الاجتماع، لم يتدخل في بنية النص القرآني.
“ففيما يتصل بالسنة، وصل التدخل إلى حد الوضع والإنشاء، فضلا عن التفسير والتأويل […] أما بالنسبة للقرآن، فقد توقف التأثير المباشر للتاريخ السياسي بوجه عام عند حد التفسير والتأويل”
ثم لاحقا توسعت رؤية المستشار للتنصيص ولمضمون “التدين” مرة أخري لتشمل الجانب التشريعي من النص القرآني كذلك…
فالتشريع “لا ينتمي…إلى الدين في ذاته. وبالاستقراء، يرتبط التشريع بوجود مجتمع، أي بوجود حالة فوق بدائية من الاجتماع البشري تتوفر على حد أدني من الوعي بفكرة النظام، وسواء وجد الدين أم لم يوجد، وسواء وجدت الدولة أم لم توجد، لا وجود للقانون خارج مجتمع، ولا وجود لمجتمع من دون شكل من أشكال القانون”
وبذلك يتراجع مفهوم “الدين” (المطلق) مرة أخري، ليشمل ليس كل النصوص، ولكن فقط النصوص المتعلقة بمسائل “الإيمان بالله –بمعناه الواسع-والأخلاق الكلية”، بينما يدخل التشريع – حتى القرآني منه -داخل دائرة “التدين” (الاجتماعي التاريخي النسبي)
فعند هذا المستوي، أصبحنا نميز بين “المطلق الإيماني (الألوهية والأخلاق) الذي عالجه القرآن المكي، والنسبي الاجتماعي (التشريع والطقوس) الذي عالجه القرآن المدني”
وفي العمل القادم الذي يصدر حديثا للمستشار، يدخل اللاهوت أيضا ضمن دائرة “التدين” التاريخي، حيث يتتبع المستشار في هذا العمل كيف نشأ اللاهوت الإسلامي – بما هو بنية اعتقادية خاصة، وليس معني ايمانيا إنسانيا عاما -من قلب اجتماع تاريخي محيط، ساهم في تكوينه عبر العصور. ف”اللاهوت هنا يشير إلى الجدل الكلامي حول كيفيات الألوهة، لا في المبدأ في ذاته. ففي حين ظلت الألوهية، كما الأخلاق الكلية، مبدأ ثابتا داخل السياق التوحيدي، تعددت صور إدراكها وأشكال التعبير عنها، وهو ما نقرأه في تعدد الديانات والمذاهب والرؤى الفردية، وفي تعدد الممارسات الطقوسية المرتبطة بكل مستوي من هذه المستويات، نتيجة لاختلاف البيئة الاجتماعية وتراثها التاريخي”
وبذلك يصل مفهوم “الدين” في التصور النظري للمستشار إلى نقطة فاصلة، فبعد أن دخل اللاهوت والتشريع والطقوس وجملة النصوص ضمن دائرة “التدين”، أي الفعل الاجتماعي التاريخي، أصبح “الدين” – أي المكون المطلق المتعالي على الاجتماع -يقتصر فقط على ما يسميه “الأخلاق الكلية” -وهو مفهوم له خصوصيته التأسيسية لدي المستشار ياسين، ويحتاج إلى مناقشة مفصلة.


مفهوم “الأخلاق الكلية”
بدا واضحا في الأجزاء السابقة، كيف ان المفاهيم النظرية للمستشار كانت دائما متحركة ودينامية وعرضة للتطور من خلال عملية التفكير والبحث ذاتها، وهو ما أعطي للأطروحة كلها حيوية فريدة، تجعل التأمل في تطورها مفيدا بحد ذاته، لأي باحث شاب وأي مهتم بالفكر، قبل أن يفيد من وجهات النظر والآراء التي تطرحها.
مفهوم “الأخلاق” وحده ظل محتفظا بصلابته النظرية منذ البداية تقريبا، ولم تطرأ عليه أي تحولات إلا بشكل خافت ومتأخر في نهاية كتاب الدين والتدين، وهو تحول على دقته، له دلالته الهامة في سياق تطور المشروع ككل، كما سنري بعد قليل.
لاحظ أولا أن مفهوم “الدين”-الذي سبق شرحه -كان يحتوي في البداية على عدة مكونات، ظلت تدخل جميعا في ماكينة التنصيص – أو الثقب الأسود للتنصيص كما وصفته مجازا-وتبقت “الأخلاق” وحدها كمضمون أصيل “للدين”، الذي يراه المستشار منذ البداية مفارقا للطبيعة البشرية. بمعني أن “الأخلاق” –في المنطوق الحالي لنظرية المستشار-تستغرق تقريبا هذا المكون الأصيل من الظاهرة الدينية و “القادم من خارج الاجتماع” بتعبيرات المستشار.
ومثلما يري المستشار “الدين” مطلقا، وقادما من خارج الاجتماع، ظل يري الأخلاق كذلك؛ مطلقة، ومثالية، وميتافيزيقية، وقادمة من خارج الاجتماع البشري. وقد أشرت في الجزء الأول من هذه الدراسة كيف يشير المستشار إلي الأخلاق في كثير من المواضع باعتبارها “أخلاق إلهية”، أو “مطلق أخلاقي”.
ولكي نفهم طبيعة مفهوم “الأخلاق” في فكر المستشار ياسين، يمكننا تلمس جذوره فيما حكاه بنفسه في مقال عن سيرته الذاتية، والذي يحكي فيه عن المرحلة الجامعية وما بعدها قائلا: “في هذه المرحلة المبكرة كنت مدينا بالكثير لكانط، فبعد أن قرأت منبهرا كتاب (نقد العقل المحض) خرجت بفكرة واضحة عن محدودية العقل، وعدم اختصاصه بالنظر في قضية الإيمان، وتحصلت مغتبطا علي دعم نظري منظم لفكرتي – الواضحة أصلا -عن فاعلية الذات ومصدريتها المشروعة… بالنسبة لي الأخلاق شق المطلق الإلهي الذي لا ينفصم عنه، وبمقتضي الإيمان سيكون العقل الكلي الذي يصدر الأخلاق إلهيا “.
كما هو واضح، يعتبر المستشار – على غرار كانط –أن الأخلاق ذات وجود ميتافيزيقي مفارق للاجتماع الإنساني، وهي مثالية بطبيعتها، ومكافئة للمطلق الإلهي ذاته، وهو ما يجعل استغراقها لمفهوم “الدين” لديه مفهوما.
كما يفسر هذا الجذر الكانطي صلابة التأسيس الفلسفي للأخلاق لدي المستشار، ويمكن للمتأمل أن يلحظ كيف صمدت الأخلاق – بتأصيلها الفلسفي -طوال المشروع أمام تمدد السوسيولوجيا، في حين انصاع التشريع واللاهوت والفقه والحديث وكل شيء تقريبا في بنية الديانة.
وبرغم أن هذا التأسيس الفلسفي للأخلاق سيدخل عليه تحول خافت-وهام -في النهاية كما أشرت سابقا، لكن نحتاج أولا أن نناقش أحد الإشكاليات التي يثيرها هذا التأسيس الفلسفي الميتافيزيقي للأخلاق عند قراءة التاريخ.


تكمن أحد إشكاليات مشروع المستشار عبد الجواد ياسين، في التقييم الذي يحدث أحيانا بأثر رجعي للتاريخ، بمعني تقديم أحكام أخلاقية لما هو تاريخي إزاء منجزات حداثية لا يجوز محاكمة الماضي بها. وبرغم أنه ينفي ذلك دائما، ويستخدم مفاهيم مرجعية من قبيل "الروح الإنساني العام" و"العقل الكلي" و"المطلق الأخلاقي" باعتبارها ممكنات أصيلة يمكن ربطها ب “فطرية" إنسانية عابرة للتاريخ، وبالتالي استخدامها كمرتكزات معيارية للتقييم في أي مرحلة زمانية، إلا أن ذلك غير ممكن من الناحية العملية، حيث تختلف تنزيلات هذه "الفطرة" ذاتها على الواقع من مرحلة تاريخية إلى أخري، وبالتالي تختلف طبيعة الحكم الأخلاقي.

كما أوضحت سابقا، يعتبر المستشار بشكل عام أن الظاهرة الدينية تحتوي على مكون “مطلق” يسميه “الدين في ذاته” ومكون آخر اجتماعي تاريخي يسميه “التدين”، وهو ناتج من احتكاك “الدين في ذاته” بالواقع الاجتماعي، وبالتالي يعبر النص عن “نقطة الالتقاء” التي تحمل في داخلها كلا الطبيعتين: المطلقة التي تنتمي للدين في ذاته، والتاريخانية التي تنتمي إلى التدين.
وانطلاقا من هذا التصور العام، يحاكم أحيانا المستشار بعض المضامين النصية، وفق ما يفترض انتماءه إلى الروح الكلي (حين يكون المضمون قيم إنسانية عامة) أو ما يفترض عدم انتماءه إلى هذا الشق الإنساني النقي، حين يكون المضمون أحكاما وتنزيلات تشريعية مباشرة. مثلا في مناقشته لمسألة العبودية في كتاب الدين والتدين، يعتبر أن النصوص التي تعترف بالعبودية داخل القرآن هي نصوص اجتماعية وتاريخانية بالضرورة حيث “إباحة العبودية تشريع لا يجوز إسناده إلي الجوهر الأخلاقي للدين”. وهذه النتيجة، برغم أن الكثير قد يرحب بها بشدة من زاوية ما تؤدي إليه من رفع الحرج عن الدين في مسألة لم تعد تقبلها الحداثة، كالعبودية، إلا أنها من الناحية المنهجية تثير إشكالا كبيرا، حول “انتقائية واردة” داخل هذا المعيار. فسيمكننا وفق هذه الطريقة التخلص من كل نص إشكالي بالمعايير الحداثية بإلقائه في “يم الاجتماع” ونسبة كل نص لا يصطدم بها إلى “الدين في ذاته”، وهو ما يعيدنا إلى نقطة الصفر في مسألة المحاكمة التاريخية بأثر رجعي، بدلا من بناء تصور تاريخي أقرب إلي واقع اللحظة التاريخية ذاتها، وبناء الأحكام الأخلاقية من داخل هذه اللحظة نفسها، لا من لحظة الحداثة الراهنة. وهذه الآلية –أي بناء الحكم الأخلاقي من واقع اللحظة التاريخية ذاتها -يتعارض بطبيعة الحال مع تصور وجود مثالي و”مطلق” للأخلاق، كما يقول كانط وكما يقول المستشار ياسين كذلك.
فإلى أي مدي كانت “العبودية” لا أخلاقية بمعايير العصر الوسيط؟ وهل كانت “اللاأخلاقية” المفترض كمونها في وعي انسان ذلك العصر، كانت تتعلق بالعبودية ذاتها، أم بالممارسات الخشنة والوحشية أحيانا المتعلقة بها، كالتعذيب والقتل المستباح في حق العبيد؟ والأهم من ذلك: إلى أي مدي يمكن تصور وجود أحكام أخلاقية “مطلقة” بحيث يمكن استخدامها بشكل عابر للتاريخ؟
وهذا النقد الموجه للمعيار المتخذ من قبل المستشار لا يعني – بطبيعة الحال- محاولة شرعنة جديدة للعبودية، ولا يعني كذلك إنكار وجود “فطرة إنسانية أصيلة” تتوجه بطبيعتها إلي الحرية والتحرر من القيود الذاتية والاجتماعية، لكن سقف طموح هذه “الفطرة” ذاتها يتغير من عصر إلي عصر، وربما يمكن تصور ارتفاع مطرد في سقف هذه الفطرة والنزوع إلي الحرية بتطور الحضارة الإنسانية علي الأرض، بحيث يصير اليوم سقف الطموح التحرري يريد تجاوز “الدولة” ذاتها كفكرة، وليس فقط ممارساتها السلطوية، بينما كانت “الدولة” ذاتها في عصر سابق هي المطلب التحرري ذاته، وهي سقف طموح الحرية الإنسانية، والذي تتجاوز به الفطرة الإنسانية ذاتها إكراهات الثقافة المحلية للقبيلة – في التجربة العربية- أو الإقطاع والكنيسة- في التجربة الغربية.
وبالتالي سيكون من غير الممكن اعتبار “المنجز الحداثي” دائما معيارا لتقييم المواقف والاتجاهات القديمة للفقه والفقهاء، أو اعتباره دائما “نقطة أعلي” يمكن عن طريقها بناء خط مستقيم لحركة التاريخ. وإذا جاز ذلك في مسألة كالعبودية، فكيف يمكن تعدية نفس المنهجية في مناطق كالاقتصاد والسياسة؟
والمسألة لا تتعلق هنا بانتقاد النتائج التي ينتهي إليها المستشار بخصوص العبودية – فالكل يتفق “الآن” على لا أخلاقية العبودية من حيث المبدأ، ولكن تتعلق بالطريقة التي تم بها تأسيس هذا الحكم فيما يخص مرحلة تاريخية سابقة، والتي تتضمن تطابقا يفترضه المستشار-ولا أتفق معه -بين “النزوع الإنساني العام” إلي الحرية، وبين تنزيل هذا النزوع على هيئة أحكام أخلاقية معيارية في احداثيات مرحلة تاريخية بعينها.
وسوف يتضح هذا التطابق المفترض أكثر عندما يقيِّم المستشار اجتهادات بدت “تقدمية” نسبيا في مسألة العبودية ذاتها –تحديدا في مسألة التكافؤ في الدم بين الحر والعبد -والتي قدمها أبو حنيفة وغيره، قائلا “لم يخل الفقه الإسلامي من فريق ينتصر للمساواة في حرمة الدم، فقد ذهب أبو حنيفة مع البعض إلى أن الحر يقتل بالعبد، والمسلم يقتل بالذمي. وهو موقف متقدم بالطبع، ولكنه لم يؤسس نفسه تأسيسا أخلاقيا كليا، أعني لم يناقش المسألة من زاوية التنافي مع العدالة الإنسانية كجزء من المطلق الديني. غياب النقاش من هذه الزاوية ليس خاصا بالفقه، فنحن نفتقر إليه على مستويات الفكر الإسلامي السلفي المتعددة، من الكلام إلى الفلسفة إلى الأدب”
تبرز صعوبة التوسع في تطبيق هذه القاعدة التي تؤسس لها المفارقة بين “الدين في ذاته” و “التدين” في مناقشة موضوعات أخري- مثل القصاص علي سبيل المثال- فبحسب قراءة المستشار لنصوص القصاص “لم يقدم النص القرآني في خصوص القتل معالجة تفصيلية علي النسق القانوني….ولكنه تناول العقوبة، فتبني القصاص أي الإعدام كعقوبة أصلية”، ويوضح المستشار سياق نزول آية “كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد…” بكونها مرتبطة بمعالجة واقعة تفصيلية خاصة جدا، حيث نزلت الآية “في حيين من أحياء العرب كانت بينهما دماء، وكان لأحدهما طول علي الآخر، فقالوا نقتل بالعبد منا الحر منكم، وبالمرأة الرجل”
بما يعني أن الحكم الوارد في الآية – ضمن سياقه التفصيلي -كان يؤسس لعدالة القصاص، حيث يوضح المستشار أن النص ” دعا لتطبيقه (القصاص) على حقيقته كوسيلة لتحقيق العدالة، فنهي عن ممارسات التمييز الجاهلية التي كانت تتجاوز القصاص بدافع العصبية من خلال قتل الجماعة مقابل الواحد، أو الحر مقابل العبد، أو الرجل مقابل المرأة”. وهذه الدلالة تتناقض تماما – كما أوضح المستشار بالتفصيل -مع الدلالات التي سينتجها العقل الفقهي لاحقا وفق ثقافة عصر التدوين التي ستجعل “من واقع الجماعة الأولي قانونا، من خلال تعاملها مع النص ككيان تشريعي مجرد، مستقل في ذاته، ومستغني عن العالم، وهو مفارق للتاريخ يلقي عليه ولا يتلقى منه”.
الذي يهمنا هنا هو السؤال: كيف سنحكم من الناحية الأخلاقية على هذه الدلالة التي استطعنا قراءتها من السياق (أي: عدالة القصاص) وفق مفاهيم المستشار التي تميز بين النص في ذاته والذي هو أخلاقي بالضرورة، وبين “التدين” الذي هو من عمل الاجتماع، وهو لا يتمتع بالأخلاقية التي يتمتع بها “النص في ذاته” كمكون ينتمي الي المطلق الإلهي؟ في أي الصنفين سيمكننا تسكين هذا النص، الذي هو “اجتماعي” –بمعني أنه اعتمد على بيئة التشريعات القائمة ولم ينتج خارجها -ولكنه “أخلاقي” في نفس الوقت – لأنه ينحاز للعدالة وفق تنزيلها المعاصر لها؟
يوضح المستشار كيف أن اعتماد النص للقصاص – الذي هو النظام العرفي المتبع-، هو من صنيعة الاجتماع، وبالتالي يقع ضمن شق “التدين” الذي لا ينتمي “للمطلق الأخلاقي” بحسب مفاهيم المستشار. لكن في نفس الوقت بإمكاننا أن نلاحظ كيف أن قراءة هذه المطالبة “بالعدالة” في تنفيذ القصاص تعتبر إنجازا اخلاقيا، قياسا إلى الواقع والسياق الذي كانت تعالجه، والذي كان يسمح للقوة المفرطة في تنزيل عقاب غير مكافئ للجريمة. فالنص في هذه الحالة – وفي سياق لحظته التاريخية -كان أخلاقيا بامتياز، حتى مع كونه اجتماعيا ويحيل الي النظام العرفي السائد، وحتى إذا كنا – من زاوية لحظتنا التاريخية الحداثية الحالية – نستطيع النقاش حول مدي أخلاقية عقوبة الإعدام أساسا من عدمها. نحتاج أن نضع في الاعتبار هنا التسابق الدائر في الدول الغربية في الوقت الراهن لرفع عقوبة الإعدام من قوائم العقوبات المسموح بها أصلا حتى في جرائم القتل!
فهل يمكننا أن نقول إذن أن النص كان “لا ينتمي إلى دائرة المطلق الأخلاقي” لأنه تبني الإعدام كعقوبة مقررة، بينما نجد نحن الآن الإعدام غير أخلاقي، وكان لزاما على النص لكي يدخل إلى دائرة “الدين في ذاته”، أن ينتبه إلى لا أخلاقية القتل من حيث المبدأ؟
يعتبر المستشار في هذا الصدد أن النص قد تنبه لذلك بالفعل، في موضع آخر، وهو آية الأنعام 151 “ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق…”، ويعلق عليها بقوله “سياق التأثيم هنا سياق إيماني أخلاقي، لا يعالج القتل من حيث هو موضوع للتشريع، بل من حيث هو فعل من أفعال الشر، يتناقض مع الإيمان بالله ومحبته. وصيغة النهي هنا مطلقة تتحدث عن (النفس) التي حرم الله بما هي كذلك”. ويعني ذلك أن المستشار يري التعامل مع القتل في هذا النص ينتمي لدائرة الدين في ذاته، والتي تتمتع بانتمائها “للمطلق الأخلاقي”، لكن نلاحظ أن النص نفسه في نفس الوقت يفتح بابا “لقتل أخلاقي” إن جاز التعبير (إلا بالحق)، وأن النهي عن القتل ليس مطلقا كما أشار المستشار، بما يعني وجود حالات يكون القتل فيها “أخلاقيا” بحسب الآية، وهو ما لم تعد الحداثة المعاصرة تسمح به كذلك، حتى في سياق العقوبة الجزائية على جريمة القتل ذاتها. فهل يجوز في هذه الحالة أيضا – واتباعا لنفس المبدأ -إضافة هذا النهي كذلك إلى دائرة “التدين التاريخي” بحكم تبنيه لعقوبة، طمح النزوع الإنساني المعاصر إلى تجاوزها؟

خلاصة التحليل في هذه النقطة، هو استحالة الإمساك بما يسميه سيادة المستشار "النص في ذاته"، أو "الدين في ذاته"، وأيضا ما يسميه في المقابل "المطلق الأخلاقي" باعتباره معيارا للتمييز، فالنص بالكامل – باعتقادي -منتج انثروبولوجي، سيخضع دائما لإكراهات الواقع الإنساني، وإن كان يطمح دائما إلي تجاوزه وتطويره بحكم النزوع الإنساني إلى المطلق، لكنه لن يتمكن من ذلك أبدا إلا في حدود السقف الذي تسمح به اللحظة التاريخية زمانيا ومكانيا. بمعني أنه باستخدام مفردات المستشار نفسها: "الدين" ليس إلا "التدين" في الحقيقة!

وتبدو في بعض عبارات المستشار ياسين استشرافا منه لهذه الفكرة، حيث يقول في الفصل الثاني من كتابه “الدين والتدين”:
“ناقش الفصل الأول علاقة الدين بالاجتماع في لحظة الالتقاء الأولي، أي في لحظة الوحي، وهي لحظة تمتد من ظهور النص التأسيسي حتى إغلاقه بانقطاع الوحي، وفيها يعبر الاجتماع عن حضوره في الدين مباشرة من خلال النص ذاته، وخصوصا في التشريع”
وهنا توحي العبارة أن المستشار أصبح يري أن النص بكامله هو أيضا منتج اجتماعي، وليس كما كان يري في بداية السلطة في الإسلام مثلا أو حتى في بداية الدين والتدين نفسه أن النص يتضمن ما ينتمي إلى “الدين في ذاته” أو المطلق، وما ينتمي إلى الاجتماع، لكن أصبح النص كله نتاج لتفاعل الاجتماع مع النزوع الإنساني للدين.
وهذا التحول المتأخر في النظر إلى النص، يتوازى معه تحول آخر في طبيعة “الأخلاق”، ذو دلالة هامة كما ذكرت – بقدر ما كان خافتا -سنناقشه في الفقرة التالية.


لاحظ معي في الاقتباسات السابقة كلها تقريبا كيف أن مفردة "إلهي" تأتي دائما في مقابل "اجتماعي"، بمعني أن ما ليس "اجتماعا" فهو "إلهي" من خارج الاجتماع، والعكس صحيح.

لكن اقرأ معي العبارات التالية، والتي تأتي في نهايات كتاب الدين والتدين، حيث يكرر المستشار صياغة فكرته الأصلية للكتاب عن التمييز بين “الدين” و”التدين”، والتي شرحها كثيرا، بشكل يبدو كأنه تكرار، لكنه في حقيقة الأمر إعادة صياغة هامة:

“في واقع الأمر ثمة شقان للظاهرة، الأول لم يستطع الصمود في وجه تطور الاجتماع وهذا يعني أنه من ذات طبيعة الاجتماع والثاني تمكن من الصمود وهذا يشهد لمقولة أنه من غير طبيعة الاجتماع، الشق الأول هو الشق الاجتماعي من البنية الدينية أي الشق الذي ألحق بمنطوق الدين بفعل التدين، بينما الشق الثاني هو الشق الإيماني الأخلاقي الذي يمثل الجوهر المطلق للدين، أي الشق القادم من خارج الاجتماع “

حتى الآن، ماتزال العبارة توحي بالمعني القديم، حيث “الدين/الأخلاق” مطلق إلهي قادم من خارج الاجتماع، لكن الاستطراد القادم سيغير مسار العبارة:

“الذي تراجع أمام التطور هو التدين -الاجتماعي التاريخي بطبيعته-وليس الدين-الإيماني الأخلاقي بطبيعته-والذي نشعر أنه يعمل بشكل غريزي في الطبيعة البشرية”

هنا ولأول مرة طوال العمل الفكري للمستشار بالكامل، يؤسس المستشار للدين/الأخلاق استنادا على الطبيعة البشرية/الأنثروبولوجيا، وليس على الفلسفة/الميتافيزيقا، فعبارة “من خارج الاجتماع” هنا لأول مرة تصبح بمعني “أي من داخل الفرد”، وليس بمعني “من خارج العالم” كما كانت قبل ذلك. ويوضح هذا المعني الجديد استطراد المستشار قائلا بشكل أكثر صراحة:

“وهذه العبارة الأخيرة تعني أنه سابق على الاجتماع، الأمر الذي سيفضي بالضرورة إلى استدعاء الروح الفردي أو التجربة الذاتية لتكون المصدر الأصلي للإيمان الديني، والضامن الأخير لبقائه، دون الأشكال الاجتماعية التي كرستها المؤسسة الدينية وظلت على الدوام تشكل سلطة ذات طابع قهري يضغط على خصوصية الروح، ويحد من دفء التجربة”
بمعني ان كلمة “اجتماعي” التي كانت في البداية مقابل “إلهي”، تحولت لتصبح “اجتماعي” مقابل “فردي/ذاتي”

وفي هذا المقطع الأخير، يبدو أن المستشار ينتهي أخيرا إلى الأنثروبولوجيا، كحصن أخير لتعريف الدين كظاهرة إنسانية، مفارقة للاجتماع لكنها ليست مفارقة للعالم في نفس الوقت، فمحلها الطبيعة البشرية، وليس الأبنية الاجتماعية المؤسسية، (حيث الاجتماع هنا بناء فوق فردي).

وبذلك يبدو أن مفهوم "الدين" لدي المستشار ياسين باتجاهه لأن يتأسس تأسيسا جديدا، بعد أن مر تعريف الدين عند المستشار علي القانون (بمعني الدين كتشريع)، والفلسفة (بمعني الدين كحكم أخلاقي)، السوسيولوجيا (بمعني مضمون مفارق متفاعل مع الاجتماع)، وينتهي أخيرا إلى الأنثروبولوجيا. (بمعني نزوع انساني فطري أصيل) وهو ما يكافئ الإيمان بمعناه الترانسندتالي.

فقرة أخيرة ختامية
تعرضت في الفقرات السابقة لمفاهيم “التنصيص”، “الدين”، “التدين” و”الأخلاق الكلية” في التصور النظري للمستشار ياسين، وتجدر الإشارة إلي أن الكتابات المبكرة للمستشار تحتوي علي مجموعة أخري من المفاهيم، مثل مفهوم “الإلزام”، ومفهوم “الاكتناز”، ومفهوم “النصية” بالدلالة القانونية للمفهوم، وهي كلها مفاهيم تجاوزتها الأطروحة تماما حيث نشأت في وقت مبكر من عمل المستشار، ولذلك وجدت أن التعرض لها بالتفصيل قد يكون مربكا للقارئ أكثر مما يكون فيه إفادة، فما حاولت أن أبرزه خلال هذه الدراسة المفصلة، هو الجانب الدينامي للأطروحة في جوانبها المنهجية والنظرية، وبناءها التراكمي كعملية “بحث” حقيقية، يمكن أن تمثل نموذجا للعمل الفكري المضنى، يستفيد منه الباحث والمفكر الشاب، وأتمني أن أكون قد وفقت في هذا الغرض.
*دراسه منشوره بمموقع مؤمنون بلا حدود

**باحث أنثروبولوجي من مصر

شاهد أيضاً

د.محمد شوقي الزين* /ما بعد الكورونا أو النموذج العالمي الرابع **

في مقال قصير عنوانه «ما الذي سيَنتُج عن الكورونا؟»[1]، بحدس مستقبلي لكن برؤية نقدية تراجعية، ...