الرئيسية / أخبار ثقافيه / منار زيدان /قراءة فى “سيدات القمر”

منار زيدان /قراءة فى “سيدات القمر”

نيتشه مما سوف أزعم فى مقالي متهم كما هى فرجينيا وولف تماما!.على نهج نيتشه باحثة عن الشيء ونقيضه,, كما استعذب الغوص في وعي مهمشي الحكايا كتقليد فرجينى أصيل!.
والوعى هنا باذخ الثراء متنوع بتعدد الشخوص. لذا فالغوص فى وعي سيدات القمر ورجاله يطرح عمان “جوخة” اجتماعيا بشكل حميم, سياسيا بشكل موجز وتاريخيا بشكل أكثرعمقا. عمانية الأصل والتاريخ والحرف؛ فى منجزها الإبداعى والنقدى (اعمالها الروائية الثلاث ومجموعاتها القصصية وكتاباتها النقدية) تنتصر جوخة الحارثي لعمان الحرف,, عمان التاريخ. وقد فازت روايتها موضوع المقال سيدات القمر (دار الاداب للنشر والتوزيع بيروت- لبنان) والتى ضجت حولها ولها وسائل الاعلام والسوشيال ميديا بجائز المان بوكر الدولية عن ترجمتها( أجرام سماوية) . ومما يشار له ان الرواية نفسها قد وصلت للقائمة الطويلة للبوكر العربية فى عام نشرها.كما حصدت لقب أفضل رواية عمانية فى 2010. كما حصدت الحارثي جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب عن روايتها “نارنجة” عام 2016.
البنية السردية:
تتأرجح “سيدات القمر” بين ما هو اجتماعى تاريخى بشكل يفصل بين الرواية كعمل متخيل بعوالم شخوصها وبين التاريخ كمرجع للمادة الحكائية بلا سرد جاف له.
فى 224 صفحة من القطع المتوسط ببنية سردية سلسة في تراكيبها وبنائها تأسرنا جوخة فى عالم ثرى بتفاصيله وتشعب حكاياته المحبوكة بصبر وأناة. فى حميمية بليغة, تأخذنا جوخة داخل وعي شخوصها فى سلاسة مباغتة تجعل القاريء يلهث خلف تفاصيلها وفصول روايتها القصيرة جدا ونسميها فصوص وليس فصول.. تجعل قارئها يلهث خلف هذه الفصوص ليجمع ما فاته فى الماضى ويربطه بما يحكيه عبدالله (بطل الرواية) واضعا ما تحصّل عليه فى اطار من الوجع والحزن والحب والفرح والإحساس بالعبودية رغم الحرية المتوهمة . تارة يحكى البطل بلسانه وتارة يلقى بنا السارد العليم داخل وعيه. تترك لنا جوخة الغوص داخل وعي شخوصها ومونولوجها الداخلى . بحرفية بالغة الدقة تستخدم الحارثي تقنية تيار الوعى “”stream of consciousness بإقتدار ورصانة تماثل رصانة عوالم فرجينيا وولف الحكائية. تتناثر بطول الرواية شخصيات ثانوية بحضورها الطفيف الذى وظفته الحارثى فى سيدات القمر ضمن الفضاء السردى كمكمل وتابع لذكريات الشخصية الرئيسة (عبدالله). شخوص تتأرجح في ظهورها وأهميتها بحضورها المهمل كما هى حياتها بالواقع مثل( العبيد: حبيب- زيد- مرهون- زعتر ..), أو شخوص يحتاجها السرد لإبراز وإظهار الشخصية الأقل ثانوية مثل (خزينة)- ” نجية القمر”, (حنان وأحمد)- “لندن” وهكذا, ثم احتجبت!.
عوالم سيدات القمر وشخوصها:
عالم تثريه طقوس الأعراس بتواز مع طقوس الموت. طقوس الولادة تزامنا مع طقوس العزاء فى “العوافى- مسقط” كفضاء مكانى. حميمية البحث عن الحب والشغف به كثيمة رئيسة فى عوالم نساء يعشقن بطرق تتباين إختلافا فيما بينهن؛ ميا الصامتة, اسماء الحالمة بالامومة, خولة الباقية على العهد, لندن عصرية الحب, سالمة التى تنتقم لحبها من حبها وأخيرا نجية وحبها المواز للحرية… . تعددت الشخوص والحب تعدد أيضا. ويبدو الدافئ فى شخوص القمرأنهم كثر بين عبيد وأسياد وصغار ونساء ؛شخوص تلقى بقارئها وسط عالمها المعاش ودواخل نفسها وما تعانيه وما تشتهيه وما يأتى به الواقع مناقضا لما تريد.
تفتح الرواية مباشرة على وعي ميا بلسان الرواى السارد العليم بسلاسة وبساطة رغباتها بالحب “..عشق صامت يهز بدنها كل ليلة فى موجات من البكاء والتنهد(..)” في تباين واضح بين صمتها المحبب لأمها وبين ثقافة أختها الصاخبة والجمال الطاغي لأختها الآخرى. أيضا نجية القمر العشيقة البدوية وثقافتها في الحب والزواج,”من قال إني اريد أن اتزوجه؟ القمر لا تؤمر أحدا عليها, أنا لم أخلق لأخدم رجلا…سيكون لى ولن أكون له” تنتزع حريتها بعيدا عن قيود الزواج والزوج. ظريفة العبدة عشيقة التاجر سليمان ومربية (بطل الرواية) عبدالله. تفرد جوخة لظريفة مساحة سردية تطغى على مساحات بقية شخوصها؛إذ تلقي بنا داخل وعيها إما فى ذكريات عبدالله فى مواضع كثيرة, وإما فى حديث الراوى عن ولادتها وطفولتها وحتى بيعها وزواجها وولادتها لوحيدها “سنجر” وموتها. فى سرد سلس يطرح لنا حياة العبيد وأسلوب عيشهم وتوقهم للحرية في صراخ سنجر ولدها كما زوجها حبيب ” نحن أحرار يا أمى, أحرار بموجب القانون,(…)”\” بلادك وبلاد جدودك؟.. جدودك سود مثلك,من افريقيا,من البلد التى سرقوكم منها”. وحياة مسعودة التى أتى على صحتها حملها للحطب و”شنة ومرهون وزعتر وزيد ونصيب وسويد صاحب العود المسحور. الخيزران التى يسرد الراوى حكايتها وحكاية أجدادها ومصيرها كأمة فى إيجاز مطلق عن تاريخ العبودية وتحريمها الصورى بإتفاقية جنيف. بشكل لافت تعرج الحارثي على الأزمة الاقتصادية التى ضربت عمان فى حميمية تباين فيها معدن العماني الغنى والعماني المقتر منعكسا فى إغلاق الشيخ سعيد قصره عليه على عكسه؛ فتح أخيه الشيخ مسعود والتاجر سليمان بيوتهما لكل من كسدت أحوال معيشته كما يقول منين عن سنة “الخرسة” :”لولا أبوك والشيخ مسعود الله يرحمه, يا ولدى كنا متنا جوع(..)”.كان ذلك فى العام الذى بيعت فيه ظريفة للتاجر سليمان في اشارة تتكرر في متن الحكى بعشرين قرشا بينما كان شوال الأرز من الهند بمائة قرش ..”.
التناقض والتضاد:
التناقض ومحور التضاد الذى استخدمته الحارثى كركن من أركان المربع السيموطيقي, كما علمونا صغارا في مظاهر جمال القصيدة يبرز المعنى ويوضحه. بنفس سلالسة اللعب فى أفق المعنى, تذكر الكاتبة الشيء وضده فى المقاربة والمقارنة بين سنجر وحبيب وبين ظريفة- يقول حبيب ” نحن أحرار سرقونا وباعونا….احرار وظلمونا” إزاء العبودية, بين رأى نجية القمر وبين رأى اسماء من قيود الزواج, بين من ترفضها رفضا تاما تمسكا بحريتها :”القمر لا تؤمر احدا عليها” وبين احلام الامومة والاسرة والدوران فى فلك الرجل الذي تتبناه الآخرى”نزلت اسماء بنظراتها الى بطنها,…تخيلت نفسها عجوزا بجانب خالد وعشرات البنات والاولاد والاحفاد يحيطون بهما”. ونراه فى حميمية مفرطة بمقارنة عبدالله بين ظريفة الكبيرة في الحب والجسد وعلى العبودية وبين عمته الضئيلة المسمومة المقترة في كل شيء. يتجلى بشكل متكرر فى حرية العبيد فى الرقص والغناء وحضور الأعراس على عكس عبدالله, “لا تلعب”,”ماتعرف قيمة البيسة” فكما يقول المتنبي “الحر مستعبد والعبد معبود”. وأيضا فى رقص ظريفة رقصة “الحمبورة” بينما اسماء تتوق لتنضم لجلسات النساء والأعراس وكشف عالم التلغيز الذي يتنقل فيه العبيد بحكم حريتهم المشروطة:”ارادت ان تعرف قيمة الحرية التى سيتيحها لها الزواج….من حقها ان تحضر المأتم كما الاعراس ..بوصفها امرأة مكتملة وليست مجرد بنتا”
الجانب الأخر وهو شبيه التضاد مركزا على التداخل بين الإثبات والنفى…كمحور اخر من محاور السيموطيقيا. يتباين هذا المحور في الأقاويل والحيرة التى صاحبت عبداللهعن حقيقة موت أمه؛ الحقيقة التى اختصت بها الحارثي القارئ ومنعتها البطل! .فى ذكريات مسعودة المجنونة تكمن الحقيقة التى لن يسأل عنها عبدالله كما لن يصدقها إن هو عرفها صدفة. الاثبات والنفى الذى لا يهدف هنا إلا للتصنيف كأقاويل فى العقل الجمعى ل ( مسعودة- زيد- منين-أم الشيخ سعيد- عنكبوتة(الخيزران)- العمة واخيرا ظريفة التى فضلت الصمت الأمن وإتخاذ الحيطة والحذر في الإشراف على طعام عبدالله وشرابه كتلميح يدعم حكاية مسعودة المجنونة.
طقوس اليومي والمعاش:
زاخرة هى “سيدات القمر” بطقوس الولادة والفرح والحياة النابضة. نرى الداية “مرية” تعيب على سالمة صراخها وهى تضع مولودتها ميا. كما تعيب عليها ان تلد راقدة لا واقفة كالوتد؛ فحياء المرأة يمنعها من الصراخ أو الرقود أو الولادة فى المستشفيات على يد الاجانب!. تنقل الحارثي طقوس استقبال الجارات والتهنئة وحتى جلسات الحديث وطقوس الضيافة وإقامة الولائم بدفء سري متوارث بين الفتيات والأمهات”اعدت القهوة بالهال وطبق الفواكه …فى صينية مذهبة مع مجمر البخور..”. تتناثر بطول الرواية حميمية من نوع خاص جدا وهى الموروث الشعبى العماني من الاقاويل والمثل على لسان ظريفة فى حكمة تختزل فلسفة تماحك اليومى وتعبر عنه,”اللي يودك وده واللى يباك ابغيه واللى يصد بروحه شورى عليك ادعيه”. فى تكرار ملحوظ تتوارد أحداث بعينها حتى تصبح كثيمة يدور حولها السرد (طقوس ولادة لندن ابنة عبدالله وميا) فى أوائل الثمانينيات, عرس أسماء, طفولة عبدالله فى إشارة لظريفة. كساعة صفر غير معلنة يبدأ المجتمع العمانى فى التغير البطيء فى عاداته وطقوسه وفي اكله, شرابه, عمله, سكنه, وفى معاشه إثر الحداثة التى زحفت عليه.
وللسحر والخرافات نصيب في طقوس”الزار”؛ تقيمه العبدة الخيزران (الماما) ومن بعدها ظريفة في الصحراء الخالية. خرافة بقيعة الجنية التى تفترس كل نفساء إن لم تطعمها من طعامها.و كيف حملت لها ظريفة من طعام النفساء وتركته لها فى الخلاء حتىى تترك ميا ووليدتها بخير”يا بقيعوه هذا اكلك ودعى لنا اكلنا..هذا من خراثة ميا بنت سالمة دعيها ولا تضريها ولا تضري المولودة”. كما يتجلى الموروث الشعبى بين النساء فى تجهيز أعراس بناتها فى تدابير زواج اسماء وجهازها وتقاليد زواجها .كما بشكل محزن يتلبس القارئ الشفقة والحدب لخرف عبدالله وغضبه وهلاوسه وأحلامه, غضبة أبيه وتخاريف كبره, جنون مسعودة, انتقام سالمة ,نوم ميا الدائم, ومنعطفات طفولة عبدالله المظلمة… .
جوهر الرواية:
رغم ابطال الرق وتجريم تجارته1926, يبيع الشيخ سعيد ظريفة للتاجر بعدها بستة عشر عاما… وهلاوسه وتخاريفة اذ يصرخ بولده ان يربط العبد سنجر في الزاوية الشرقية لانه سرق شوال البصل..رغم ردود ولده الدائمة بان الحكومة ألغت الرق. رفض التاجر سليمان لفكرة تجريم الرق التى فرضتها الحكومة..وكأنه يتمثل بقول المتنى ” العبد ليس لحر صالح باخ لو انه فى ثياب الحر مولود”
لسلطة الأب في شخصية التاجر سليمان شعور مماثل بالعبودية لولده والتى انتجت شعورعبدالله بالغضب والنقص والاسر واستكثاره السعاده على نفسه ..في وعيه الداخلى يوحى سرده شعوره بانه لا شيء.. برؤاه واحلامه وكوابيسه واحتقار ابيه لضعف شخصيته.
شخصية ظريفة كذلك تفرغ قدرتها على التلائم والشعور بالحرية حد الممانعة بل حد رفضها باستنكار “ولدت عبدة ولن يشكل لها فارقا.. وكأن اشكالية العبودية- الحرية لا تثير لديها طموحا خاصا بالفكاك..او الشعور بالاختلاف عن الحرة…

الواقعية فى “سيدات القمر”:
كلمحة ذكية من الحارثى فى سرد قد لا يهادن التركيب الجمالى للرواية توظف الحارثى وقائع تاريخية أربع على مدار الحكي بلسان الراوى العليم وهى معركة” السيب 1920″ ؛ الصراع بين الامامة والسلطان والحياة القبلية فى تاريخ عمان بشكل خاطف يرتضيه العمل الروائي بدلا من الغوص في حشو تاريخى مخل بهدف الرواية”. تاريخ عائلة ظريفة في العبودية فتأتى على ذكر تجارة الرقيق والسلاح رغم تجريمهما بإيجاز سردى متقن. إتفاقية جنيف(25 سبتمبر1926 لتجريم الرق). واخيرا منعطفا هاما جدا فى تاريخ عمان الحديث وهو الهروب الاضطرارى لأتباع الإمامة؛ فى هجرة عيسى المهاجر الى مصر(1959)_ بعد هزيمة الإمام في معركة الجبل الاخضر_ كما فعلت 2000 اسرة عمانية. نفس الهجرة ذكرتها مواطنتها نادية الكوكبانى وإن كانت بشكل أكثر استفاضة كثيمة أساسية فى روايتها ” صنعائي”. هذا السرد الموجز لوقائع التاريخ إن كان له أثر فهو إعطاء العمل الادبى واقعية بذكر الزمكان لأحداث مأخوذة من التاريخ والقارئ على اضطلاع بها. تستنير عتمة البداية فيتحصل القاريء على ما فاته ويصدق ما يخبر عنه فضاء السرد. يتجلى هذا الهروب الاضطراري فى وعي عيسى المهاجر ووعي أولاده (خالد,..) ورفضه للعودة فى اباء متشبثا بهجرته رغم تحذيره لأولاده من السماح لأنفسهم في الوقوع بحب مصر والحنين للعودة بالتمسك بشعراء عمان وطباعة دواوينهم رغم قراره بالعودة في توابيت. وهذا ربما ملمح اخر من محاور التضاد فى “سيدات القمر” .القرار نفسه الذي تراجع عنه بموت ابنته وبإنفتاح عمان والسماح للمهاجرين بالعودة والمشاركة في الحراك السياسى والاقتصادى العمانى.
على سبيل الختم
شخصيات نراها ونصادقها نحتك بعالمها اليومى ووعيها. نعايش ما هو يومى ومتدفق ودافئ فى الاعراس والولادة والموت والولائم والحب والانتقام والمأثر الشخصية والهموم كما السعادة المتوهمة وحتى الخرف والهلاوس والاحلام والصمت. نردد أمثالها كموروث شعبى متداول ونتمثل بها. ببطء تترك الحارثى القارئ ليغوص فى عمق النص (وعى الشخوص) ويغترف منه ما يجعله يتقمص حزن كما فرح وتطلعات الشخوص ويعايش واقعها بلا حكم مسبق عليها بالخطأ او النقصان؛ بل على العكس فقد يدافع عنها ويشفق عليها . فكل ذات هى ذاته تتجلى في الإحساس بهموم الأخر متجردا من الانا ليعيش بمنطق الأخر ولو عبر أثير الحرف. هو ذاته الاحساس الذي يتملك القاريء إثر نبش عبدالله لمخزون ذكرياته المعذبة وحتى إنتهاء الرواية بهلاوسه وتوهماته.

*قاصة ومترجمة/مصر

شاهد أيضاً

د.محمد شوقي الزين* /ما بعد الكورونا أو النموذج العالمي الرابع **

في مقال قصير عنوانه «ما الذي سيَنتُج عن الكورونا؟»[1]، بحدس مستقبلي لكن برؤية نقدية تراجعية، ...