الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.سامي نصار */بنوار مريم فخر الدين

د.سامي نصار */بنوار مريم فخر الدين

كنت لم أتجاوز السابعة من العمر عندما شاهدت، مع والدي، فيلم “حكاية حب” لعبد الحليم حافظ ومريم فخر الدين في سينما ريتس بشارع الفن، شارع عماد الدين. وأخذني جمال وجه مريم فخر الدين، بملامحه الأوربية الشقراء، وشعرها الحريري الناعم. ولكن المشهد الوحيد الذي أصبحت أسيرا له عبر ستين عاما، هي تلك اللقطة التي ملأت الشاشة وأفاضت على وجداننا جمالا ورومانسية وحنانا، عندما كانت عيناها ترنوان بحب من عل إلى الفنان الشاب الضعيف الفقير المكافح والمتيم بها عبد الحليم حافظ أو ” أحمد سامي” وهو يغني لها “حبك نار” في دار الأوبرا المصرية القديمة. أذكر ساعتها سألت والدي ونحن جالسان في صالة السينما: “هي قاعدة فين؟” فرد باقتضاب: ” في بنوار الأوبرا”.
ومرت بعدها سنون عديدة كانت طلتها لا تغيب عن ذاكرتي، ويتبعها في الخلفية مشاهد سريعة ومتواترة للجالسين في “بناوير” دار الأوبرا القديمة بملابسهم الرسمية الأنيقة وهدوئهم وإنصاتهم. وكنت في طفولتي أقرأ في الصحف والمجلات عن دار الأوبرا، ولكن لصغر سني أهاب الاقتراب من هذا المبنى الذي يشع جلالا، وينطق بروح التنوير في مصر، ويمثل علامة فارقة في تاريخها بين التقليد والحداثة. وكنت كلما مررت بجوار دار الأوبرا تشتد بي الرغبة في الدخول لا لشيء سوى أن أرى بنوار مريم فخر الدين. وكان الميدان الفسيح الذي كانت تطل عليه دار الأوبرا والذي كان يحمل اسمها، يعكس، بعناصره كافة، قيم الحداثة التي بدأت تجد طريقها إلى مصر مع بداية القرن التاسع عشر. فيتوسط الميدان تمثال إبراهيم باشا الذي أقيم عام 1872 بأمر من الخديو إسماعيل ومن صنع الفنان الفرنسي كوردييه، وتطل عليه حديقة الأزبكية التي أنشئت فوق بركة الأزبكية عام 1864 على غرار الحدائق الباريسية كمتنزه لأفراد الشعب تعزف فيها الموسيقى، ويصدح فيه المغنون والمنشدون. وكان سور الحديقة مركزا ثقافيا بما يعرض عليه من كتب قديمة في جميع التخصصات وبجميع اللغات بأسعار زهيدة، وعلى أطرافها يقع المسرح القومي والمسرح الحديث ومسرح العرائس. وعلى الميدان أيضا، وفي مقابل دار الأوبرا كانت تطل سينما أوبرا، وكازينو صفية حلمي، وفندق الكونتينتال، وعمارة ماتاتيا بمقهاها الشهير الذي كان مقرا لمثقفي مصر وكتابها وشعرائها، هذا فضلا عن المحلات التجارية ذات الأسماء الشهيرة.
وكنت دائم التردد على هذا الميدان، وكنت أقف متأملا متذكرا “بنوار مريم فخر الدين” تحدوني الرغبة في رؤيته رأي العين، والعيش للحظات في جو الأوبرا الراقي لعل وعسى أن تطل علينا مريم من بنوارها. وفي يوم قرأت إعلانا في الصحف عن حفلات صباحية لأوركسترا القاهرة السيمفوني، تقام أيام الجمعة بأسعار مخفضة للطلاب، فسارعت بالذهاب، وهنا وجدت نفسي أدخل دار الأوبرا منبهرا بما حولي، من لوحات وتحف وثريات مضيئة، وممرات مفروشة بسجاد يشهد بعظمة الماضي ويفوح بعبق التاريخ.
كنت اجلس في الصالة مع الجمهور القليل أتلفت حولي بحثا عن “بنوار مريم فخر الدين” ولكنني فشلت في العثور عليه. ولما كانت كل “البناوير” خالية، فقد أخذت أضعها في كل بنوار وأتخيلها وهي تنظر بأسى وشفقة إلى المقاعد الخالية.
ولم يمض وقت طويل على تلك الزيارة حتى احترقت دار الأوبرا، واحترق معها تاريخ من الفن والثقافة في مصر. ومع اختفاء دار الأوبرا من الميدان، اختفت منه أيضا كل معالم الحداثة والتنوير، فأقيم مكان دار الأوبرا جراج للسيارات يحمل اسمها، وأخذت المباني الخرسانية تعصف بحديقة الأزبكية وتلتهم ما فيها من خضرة، وتشوه ما فيها من جمال. كما أخذ سور الأزبكية في التآكل، واختفت منه الكتب. وهدمت عمارة “ماتاتيا ” والفنادق والملاهي لتحل محلها جسور وكباري وطرق تؤدي إلى حيث لا مكان، ومحلات لا أسماء لها، وباعة جائلون بلا ملامح تختلط نداءاتهم بضجيج السيارات، وتضيف بضائعهم التي يعرضونها إلى الميدان عشوائية بلا حدود. كما بدأ الميدان يخلو من مظاهر الحداثة في سلوك الناس ومظهرهم مع هبوب عاصفة الصحراء القادمة من بادية شبه الجزيرة.
ولم يمض وقت طويل حتى أنشئت دار جديدة للأوبرا في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، ولكن يبدو أن من فكروا في إنشاء الأوبرا الجديدة، قد تلاقت إرادتهم مع إرادة من تسببوا في حريق الأوبرا القديمة ومحو هوية الميدان، فأطلقوا عليها اسم “المركز الثقافي القومي” وأصبحت دار الأوبرا بمسارحها الثلاثة (الكبير والصغير والمكشوف) جزءا منه، وأحاطوها بأسوار تحجب مبناها عن المارة، وعزلوها عن محيطها الحيوي الجميل.
ومع ذلك لازلت أتردد على دار الأوبرا. ورغم مرور السنين، وفي كل مرة أدخل فيها المسرح الكبير، أرجع البصر في “البناوير” مرات ومرات علني أعثر على “بنوار مريم فخر الدين” فينقلب إلي البصر خاسئا وهو حسير …

*مفكر مصري

شاهد أيضاً

د.فاطمه الحصي*فراشات ملونة تحترق:مي وميلينا !

مي زياده وميلينا يسنسكا : فراشات ملونة تحترق ! لرسائل المفكرين إلى بعضهم البعض أهميه ...