الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.سامي نصار*/تكنولوجيا الذات الرقمية

د.سامي نصار*/تكنولوجيا الذات الرقمية

يتغير شكل الحياة في كل لحظة، فالمحيط الحيويBiosphere الذي يمثل الحياة المنتشرة على كوكب الأرض آخذ في التحول، بفعل تكنولوجيا المعلومات والاتصال، إلى أن يصبح محيطا معلوماتيا Infosphere. والمحيط المعلوماتي، بأبسط معانيه، هو البيئة التي تضم سائر الكيانات والبنى المعلوماتية بخصائصها، وتفاعلاتها، وعملياتها، وعلاقاتها الداخلية. بينما يستخدم المفهوم بمنظوره الواسع كمرادف للواقع بمعناه المعلوماتي. وفي هذه الحالة، فما نعتبره واقعيا فهو معلوماتي، وما نعده معلوماتيا فهو واقعي. وفي هذ الإطار، فإن الذات الإنسانية التي صنعت هذا التحول من المحيط الحيوي إلى المحيط المعلوماتي ليست بمنأى عن أن تتحول بدورها إلى ذات رقمية، بل أن يكون لدينا ما يمكن أن نطلق عليه تكنولوجيا الذات Selftech التي ينتظر أن يكون لها تطبيقات او Self App’s على غرار التطبيقات المعروفة حاليا.
ويرتبط مفهومنا للذات الرقمية بنظرتنا للطبيعة الإنسانية وللعلاقة بين العقل والجسد باعتبارها تأخذ نفس العلاقة بين البرمجيات والأجهزة. فثقافتنا المشبعة بأفكار تكنولوجيا المعلومات والاتصال وبسيناريوهات الخيال العلمي هي التي تجعلنا نستبدل بأجسادنا أجسادا أخرى بحيث تصبح ذواتنا منصات أو تطبيقات ممكنة التحقيق.
وتمارس تكنولوجيا المعلومات والاتصال، وبخاصة وسائل التواصل الاجتماعي، تأثيرها العميق على الذات الاجتماعية، وهي، بالتالي، تسهم في تشكيل هوياتنا الشخصية. فأي تغير يطرأ على ظروفنا وأحوالنا الاجتماعية والمعيشية يستتبعه حتما تغير في شبكة علاقاتنا ومن ثم في تدفق المعلومات خلالها كميا ونوعيا. وكل هذا يؤدي إلى إعادة صياغة معنى المحظور والمباح وحدودهما على نحو يؤدي إلى التغيير المستمر في الصورة التي نظهر بها أمام الآخرين، أي تحديث ذواتنا الاجتماعية من خلال التغذية الراجعة التي تنعكس على مفهوم الذات الذي يؤدي بدوره إلى إعادة تشكيل الشخصية.
ويمكننا أن ننظر أيضا إلى الذات باعتبارها نظام معلوماتي معقد مكون من أنشطة الوعي والذكريات والأجناس المختلفة للسرد. ومن هنا فالفرد هو مقدار ما يملك من معلومات. وبما أن تكنولوجيا المعلومات والاتصال ترتبط ارتباطا وثيقا بكافة أنواع المعلومات وأساليب اكتسابها، فإنها أصبحت بمثابة تكنولوجيات للذات تمارس تأثيرها وحضورها في الزمان والمكان، والذاكرة، وفي التفاعلات والمدركات، وفي الصحة، وفي التعليم.
وهنا يتجلى الحضور الرقمي للذات في عيون الآخرين كشكل من أشكال الهوية الافتراضية التي يسعى البشر من خلالها إلى الحفاظ على هوياتهم الشخصية. وفي هذه الحالة، تتحول الذات الرقمية إلى ذات واعية ونشطة لا تتوقف عن محاولة معرفة وفهم كيف يراها الآخرون. ومن ثم يصبح للنظرة الرقمية أهميتها في طرح الذات للاستكشاف والاختبار من خلال تعريضها للضغوط الاجتماعية، وللقواعد الخارجية والغريبة التي تدفعها للتغير والتطور.
وفي كتابه” 21 درسا للقرن الحادي والعشرين” يرى يوفال نوح هراري أستاذ التاريخ في الجامعة العبرية بالقدس، أن العالم يشهد الان ثورتين سيترتب عليهما، ليس إعادة هيكلة المجتمعات واقتصادات العالم فحسب، بل أيضا إعادة بناء أجسادنا وعقولنا، انهما ثورتا تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا الحيوية. فعبر التاريخ، تعلمنا كبشر كيف نتحكم في العالم خارجنا، ولكن سيطرتنا على عالمنا الداخلي كانت ضعيفة. لقد تعلمنا كيف نبني السدود لنوقف فيضانات الأنهار، ولكننا لم نعرف كيف نوقف سريان الشيخوخة في أجسادنا. لقد عرفنا كيف نصمم نظم الري، ولكن لم يكن لدينا فكرة عن تصميم نظم لعقولنا. وعرفنا أنه عندما تطن ناموسة في آذاننا وتقلق نومنا، فإننا نقتلها في الحال، ولكن إذا سيطر هاجس على عقولنا فإنه يحرمنا من النوم طوال الليل، فمعظمنا لم يعرف كيف يقتل هواجسه. وسوف نتمكن من خلال الثورة في تكنولوجيا المعلومات والثورة في التكنولوجيا الحيوية من التحكم في عالمنا الداخلي، وسوف نتمكن أيضا من إعادة هندسة الحياة وصناعتها. وسوف نتعلم كيف نصمم العقول، ونمد في أعمارنا، ونقتل الأفكار والهواجس داخلنا.
ويطرح هراري تحديا آخر للذات الرقمية يتمثل في تفوق الذكاء الاصطناعي على البشر في كثير من المهارات المعرفية بما في ذلك فهم العواطف والدوافع الإنسانية. فالثورة الحادثة في الذكاء الاصطناعي لا تتوقف عند حدود جعل الحاسبات أكثر سرعة وذكاء، بل إنها ستتعدى ذلك إلى اختراق علوم الحياة والعلوم الاجتماعية. كما أدت التطورات الأخيرة في مجالات العلوم العصبية والسلوكية إلى تمكين العلماء من اختراق عقول البشر، ومن فهم الكيفية التي يتخذون بها قراراتهم. لقد اكتشفوا أن القرارات التي نتخذها في حياتنا بدءا من اختيار نوع الطعام الى اختيار شريك الحياة ليست نابعة مما نطلق عليه “إرادتنا الحرة” بل من البلايين من الخلايا العصبية التي تقوم بحساب كافة الاحتمالات في جزء من الثانية. وكلما ازداد فهمنا للميكانيزمات الكيميائية الحيوية الكامنة وراء عواطف الإنسان، ورغباته، واختياراته، كلما أصبحت الحاسبات أكثر قدرة وكفاءة في تحليل السلوك الإنساني، والتنبؤ بقراراته، وبالتالي أصبحت مهيأة كي تحل محل البشر في كثير من المهام والأعمال والوظائف.
ويطرح كل ما سبق العديد من التساؤلات حول الكيفية التي ستتفاعل بها الذوات الرقمية مع بعضها البعض في محيط معلوماتي في طريقه إلى الوقوع تحت سيطرة الذكاء الاصطناعي والروبوتات حيث سيمتزج البشر بالآلات تماما في شبكة واحدة بحيث لن يستطيع الإنسان أن يواصل حياته إذا انفصل عن هذه الشبكة. وهنا سنكون أمام مجتمع جديد تحكمه قيم وعلاقات جديدة.

*مفكر مصري

شاهد أيضاً

صفاء عبد السلام *:وعي ولا وعي (2)

وعي ولا وعي (2) على الجانب الآخر منذ أن أمر الله تعالى نبيه محمد صلى ...

تعليق واحد

  1. Avatar
    د.محمد مصطفى

    مقال عميق يخترق أسوار العقل…لكن أعتقد ان تكنولوجبا الذات فى الأساس تكنولوجيا عصبية او هندسة عصبية برمجت بيانات ومعارف العقل الواعى والباطن لتنتج هذه الذات الناتجة وفق برمتجتها العصبية، وعليه تختلف ذواتنا وفق ميكانيزم اعصابنا فى المخ التى تستقى بياناتها من خلال الحواس،،ولذ تتضمن الاحاسيس والعواطف،، ولكي يصنع العقل شيء يضاهى هندسته العصبية الحسية فإنه حولها لرقمية، وقد تكون الذات الرقمية اسرع من الذات العصبية الحسية فى اشياء إلا انها تكون بعيدة عن معالجة الاحاسيس والعواطف…