الرئيسية / أخبار ثقافيه / صفاء عبد السلام *”كورونا” وفلسفة الدين

صفاء عبد السلام *”كورونا” وفلسفة الدين

منذ بداية ظهوره بالصين اعتقد بعض المسلمون بأن الله قد أنزل على الصينيين العقاب الرادع “الوباء” لينتقم ممن عذبوا مسلمي الإيجور, وعندما خرج الوباء من الصين زائرا بعض البلدان حول العالم اعتقد بعض المسلمون أن هذا الوباء الفتاك لن يأتي إلى البلاد العربية والاسلامية حيث أن المسلمين معصومون من البلاء؛ فالبلاء من وجهة نظرهم لا يصيب مؤمنًا, في خلط شديد منهم بين مفهومي التوكل والتواكل فقد ظن البعض أن من ليس له منهج وفلسفة حياة ويسير “بالبركة” ويتركها “على الله” سيعصم من الإصابة, ووجدنا بعض مقدمي برامج “التوك شو” على القنوات الفضائية يُرجع عدم ظهور حالات بين المصريين لكونهم يواجهون ما هو أخطر من ذلك ولا يحدث لهم أي تأثير فهم يستمتعون بتناول طعام الإفطار على عربات الفول في طبق يتم غسله على مدار اليوم في دلو من الماء الغير متجدد دون أضرار.
إلا أن هذا الوباء قد خيب ظنونهم ومعتقداتهم فقد جال وصال بالبلدان العربية جميعها مهددا حياة الجميع دون استثناء, والتساؤل: أين أولئك من هذا الحدث العظيم؟ وكيف تتم مواجهة هذه الحوادث العنيفة بهذا التفسير البسيط الساذج؟!
إن النظرة الفلسفية الدينية لهؤلاء نظرة قاصرة للغاية تكاد تكون منعدمة, ففي ظل اعتقاد البعض بأن هذا الوباء هو انتقام الرب, لم يفطنوا إلى الإنتهاكات التي حدثت في حق المسلمين على مستوى العالم وعلى مر عقود طويلة من الزمن من قِبل المتطرفين والمعادين للإسلام أبرزها ما حدث وما زال يحدث في العصر المعاصر كالإبادة الجماعية بأبشع الطرق لمسلمي البوسنة والهرسك في نهاية القرن الماضي من أجل التطهير العرقي وما يحدث من الهندوس تجاه مسلمي الهند والاحتلال الاسرائيلي لفلسطين وغيرها مما هو على مرأى ومسمع من العالم كله, في ظل وجود حالة من اللا مبالاة وعلى الرغم من ذلك لم يظهر الإنتقام الإلهي لهؤلاء المعتدين, فكيف لهؤلاء تفسير مثل تلك الحالة..لماذا لم ينتقم الرب ولم ينزل الوباء؟!
وأما من اعتقد أن الوباء لا يصيب مؤمنًا فهو أيضا يجهل التاريخ؛ فقد أصاب الوباء بلاد المسلمين وحصد أرواح الآلاف منهم مخلفا ورءه المجاعات والكوارث الإنسانية.
إذن فإن ذلك المنهج القاصر الفاشل في التعامل مع الأزمات الراهنة منهج غير مُجدي للتعامل, فما هي فلسفة الدين الحقيقية في التعامل مع الأزمات؟
لقد حثنا الإسلام على التعامل مع الوباء بصفة خاصة بمعايير مُلزمة على الجميع اتباعها, لذلك لا يجب أخذ الأمور في هذا الشأن بمحمل الاستهتار أو التواكل فيجب الأخذ بالأسباب والإحتياطات فهذه أولى خطوات التوكل على الله وقد قال تعالى: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89), الكهف
وثانيها هو الأخذ بتعليمات أولو العلم, واتباع السنة النبوية؛ فعن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:( إذا سمعتم به (يعني الطاعون) بأرض فلا تقدموا عليه, وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه). وذلك على القياس حيث أن الطاعون يعني الوباء العام. وأيضا يجب أن يأخذ هؤلاء في الإعتبار أن هذا الوباء الجديد لم يأت من فراغ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطواعين, والأوجاع التي لم تكن فيمن مضى من أسلافهم الذين مضوا). وعن عائشة رضي الله عنها قالت في الآية: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25, الأنفال) قالت يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال نعم, إذا كثر الخبث. وعلى الرغم من ذلك فإن بعضا من المسلمين لا يكتفي فقط بظهور الوباء نتيجة تفشي المعاصي أولا وإنما يسارع باستغلال حاجة الناس إلى بعض السلع والأغراض نظرا لظروف الوباء, ويحتكر الأسعار ويقوم ببيع السلع بأضعاف أثمانها, فماذا ينتظر هذا المحتكر إلا فاجعة تصيبه ومن على شاكلته.
إن هذه الفلسفة التي ينتهجها الدين الاسلامي تؤسس لإرساء الفضائل وزجر الفساد أولًا للوقاية من مخاطر قد تصيب الكرة الأرضية بأسرها.

باحثه /مصر

شاهد أيضاً

د.محمد شوقي الزين* /ما بعد الكورونا أو النموذج العالمي الرابع **

في مقال قصير عنوانه «ما الذي سيَنتُج عن الكورونا؟»[1]، بحدس مستقبلي لكن برؤية نقدية تراجعية، ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *