الرئيسية / قضايا واراء / د. أحمد يوسف سعد */الرعب العابر للقارات والمواطنة العالمية

د. أحمد يوسف سعد */الرعب العابر للقارات والمواطنة العالمية

هذا الرعب الكوني الذى عمّ الكرة الأرضية، جراء اجتياح فيروس كورونا، يدفعنا من جديد لتأمل مفهوم “المواطنة العالمية” الذى طرحته اليونسكو سعياً لإيجاد عالم أكثر عدلاً وسلماً وتسامحاً وشمولاً واستدامةً، انطلاقاً من حقيقة كونية المصير الإنساني، وهو العالم الذى انحرفت به “العولمة” التي أدار دفتها زبانية الرأسمالية المتوحشة عقوداً أرهقت فيها البشر ودفعت بالجميع – حتى من كنا نظنهم دول رفاه – لحافة هاوية الفقر، وتركت شعوب العالم الثالث ضحايا الاستغلال والحروب والإرهاب.
وها هو الرعب العابر للقارات يؤكد معني وحدة الألم والأمل والخوف وترقب النجاة وانفراج الأزمة بين كل سكان الكوكب الأرضي بأغنيائه وفقرائه، بجلاديه وضحاياه، ويدفعنا لمناقشة العديد من تحديات تطبيق مفهوم المواطنة العالمية على أرض الواقع، كما طرحتها اليونسكو، وتتعلق بطبيعة المفهوم وأبعاده القانونية، والسياسية، والنفسية الاجتماعية، وتعرقل تحويل الحلم لواقع معاش محاط بالحرية والعدالة والمساوة بين الشعوب، ويحقق التنمية المستدامة التى توزع نواتجها على كل سكان الأرض بدون تمييز، فهل تدفع أزمة كورونا المعاصرة للتفكير في تدابير لمواجهة هذه التحديات، أم ستعززها بين الأوطان والشعوب:
تقتصر عضوية الأمم المتحدة -كأسرة عالمية- على الدول القومية لا الشعوب، بالتالي فإن الأفراد ليسوا أعضاءً قانونيين في هذا النظام العالمي، وفى الوقت الذى تنص وثائق المنظمة على إلزام الدول باحترام وتوفير حقوق للإنسان، تنص نفس الوثائق على اعتبار أن تطبيقها يخضع لخصوصية كل دولة، بما يترتب على ذلك من بقاء الدولة الوطنية في الموقع الأكثر تأثيراً، وبالتالي بقاء حال “المواطنة” فيها رهناً بطبيعة نظامها السياسي، وطبيعة ونموذج السلطة فيها، وهذا التحدي غالباً ما يتم تجاهله من قبل خطاب التنمية الدولي وهو يركز على البعدين الاقتصادي والاجتماعي دون اعتبار للبعد السياسي، باعتبار أن الأخير يتعلق بالسيادة الوطنية.
المواطنة العالمية وهي تركز على مبدأ التنوع وقبول التعددية والتسامح ورفض التمييز، تواجَه بالتيارات المتشددة للأصوليات الدينية وهي تتحرك في عكس الاتجاه في بعض المجتمعات، كذلك علاقات التبعية التي ربطت دول الجنوب بدول الشمال في علاقات غير متكافئة بما يضرب بمبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية والمشاركة في التنمية واستفادة كل البشر من ثمارها، وهيمنة فكر الرأسمالية المتوحشة على عقل العولمة فيما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية بين الدول الغنية والفقيرة، وما ترتب عليها من سياسات مجتمعية عمقت مساحات التهميش أو الاستبعاد الاجتماعي للعديد من الفئات الاجتماعية، بما أضر بوضع المواطنة داخل الوطن الواحد، فما بالنا بالمواطنة العالمية الأوسع، كذلك وجود بعض الأوضاع السياسية المعلقة بلا حلول أممية كالحروب الأهلية والإقليمية، واحتلال الأراضي، وانتهاك حقوق الأقليات في العديد من مناطق العالم.
من الإشكاليات كذلك ما جاء في كلمة كارلوس البرتو توريس مدير معهد باولو فريري في جامعة كاليفورنيا أثناء انعقاد المؤتمر العالمي لمنظمة اليونسكو عن التعليم للتنمية المستدامة والذي عُقدت جلساته في ناجويا ، اليابان، وهو يؤكد على الحاجة للتربية على مفهوم المواطنة العالمية لضمان تحقيق العدالة الإجتماعية في عالمنا المترابط وحدد لذلك ثلاثة مرتكزات عالمية يتشكل منها لُب المواطنة العالمية هي: كوكبنا هو موطننا الوحيد ونحتاج من ثم لحمايته، جميع البشر متساوون، وفكرة السلام العالمي، وهي مرتكزات يراها شيء ثقافي جيد لكنها غير ملموسة وغير ذات قيمة مادية.
على الصعيد التربوي تواجه التربية على المواطنة العالمية في بعض البلدان ببعض الممارسات مثل التركيز على النزعة القطرية، وتلك الحساسيات الطائفية والتوجس من الآخر، ناهيك عن تعثر تحقق المواطنة على الصعيد الوطني، وربما تتجسد هذه الإشكاليات في الكيفية التي يتعامل فيها الفعل التعليمي مع المفاهيم التالية:
مفهوم الهوية الذي ينبغي أن يضيف إلى طبقاته طبقة الإنسانية التي تمثل قشرته الخارجية الحامية لبقية الطبقات الداخلية.
مفهوم المواطنة الذي يجب أن يتجاوز في مدلوله الحدود الجغرافية للوطن الأم، لينسحب على مجمل الكوكب الإنساني.
مفهوم الانتماء الذي لم يعد مجرد الانتماء الجغرافي والثقافي فحسب، بل اتسعت دائرته لتشمل الانتماء الإنساني.
في النهاية هل ستدفع أزمة الرعب الكوني القائمة – بعد تجاوزها – المنظمات الدولية والوطنية، لاتخاذ التدابير المناسبة، من أجل تحويل حلم العيش المشترك داخل وطن عالمي واحد وعادل إلى واقع، تتجسد فيه مسئولية مليارات البشر إزاء حماية قيمة الإنسانية والتضامن حولها.



*مفكر مصري

شاهد أيضاً

روضة المبادره */العنف الرمزي و الهوية الدخيلة

يشهد الشّباب التّونسي والعربي عموما، مجموعة من التّحولات في طرق العيش وأساليب التّفكير وأنماط السّلوك ...