الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.فاطمه الحصي*/الجيره الإنسانيه في الأزمه الكورونيه !

د.فاطمه الحصي*/الجيره الإنسانيه في الأزمه الكورونيه !

ماذا سيحلُّ بالعلاقات الإنسانية، في بلد اعتاد العيش بهذه الطريقة لفترة لا أحد يعرف لها نهاية؟ وماهذا المجتمع المتجرّد من كل القيم عدا محاولته البقاء؟
كان هذا هو السؤال الرئيس الذي خرجتُ به من مقال مترجم عن الايطاليه للفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين ؛ وهو ما جعلني أتساءل أمازلنا نحيا في زمن الجيره الإنسانيه التي ينبهنا أغامبين إلى إحتمالية غيابها بعد أزمة الفيروس”كورونا “؟ الجيره الانسانيه هذا المصطلح الذي استخدمه أغامبين للتعبير عن العلاقات الانسانيه الاجتماعيه في زمن الكورونا فيروس!
في ظني أن أغامبين متفاءل جدا في هذا التحليل لأن الحقيقه التي نعاصرها الآن و بكل قوه وبدون أن نستحي منها هى أننا تعودنا منذ أمد طويل على الإنغماس في الحياه اليوميه بأحداثها ساخنه كانت أم تافهه إلى حد أننا لا نرى بعضنا البعض ولا نرى ذواتنا.
والحق أن الأزمه التي نمر بها الآن وتداعيات انتشار فيروس كورونا في العالم أجمع وما استدعاه ذلك من إتباع إجراءات السلامه واعتزال الناس لبعضهم البعض والبعد عن أماكن الزحام والقبوع بالبيت جبرا خوفا من الإصابة به ؛ هى أزمة حقيقيه ذات أبعاد عديده قد يكون البعد الإقتصادي أوضحها ولكني أظن أن تأثر البعد الإجتماعي أيضا سيمثل التأثير الأهم والأكبرفي هذه الأزمه .
أقول ذلك وأنا أتلفت حولي -ليلا- فلا أجد مخلوق ؛ لا بالشارع الذي عادة ما كان يعج بالسيارات هنا وهناك في مثل هذه الساعه ؛ وفي حضور الفيروس لا احد يسير على الأقدام ، هدأت الأصوات ، وظهرت لنا ألوان السماء على إختلافها ،و بدأنا في استرقاق السمع للكون من حولنا بعد أن كنا منغمسين حد الثماله في ما يدور حولنا من أحداث ووقائع قد تكون أتفه من أن تشغلنا عن ذواتنا ولكنها الحقيقه المُره ؛الآن نتحول للبحث عن بعضنا البعض ولكن من خلف أجهزة الكمبيوتر ومن خلف الأبواب أي بدون تلامس بدون أن نتحسس الأيدي – بدون أن تتلاقى العيون ..
اريد من القارئ فقط أن يتمهل قليلا ليصف لنا أحوالنا الأجتماعيه قبل ظهور الفيروس في حياتنا ؛ كيف كنا ؟
سأصارحك القول ؛ لقد كنا قبل انتشار الفيروس مثلما نحن بعد إنتشار الفيروس ؛ نتعامل مع بعضنا البعض من خلال أجهزة الكمبيوتر و نبخل على بعضنا البعض بلقاء حقيقي وجها لوجه ؛وكنا نتكاسل ولا نهتم بهكذا لقاءات يسودها الود والمحبه والإجهاد والهرجله والازعاج والفوضى والمرح والتشاكل ؛نعم نحن بخلنا على ذواتنا وعلى أحبائنا ؛وعلى أصدقائنا !! حقا لقد قمنا بالتضحيه منذ زمن -إلا من رحم ربي- بالعواطف والصداقات والعلاقات الاجتماعيه !
الآن نستغل أجهزة الكمبيوتر مره أخرى للتعبير عن ضيقنا بما يجري من حظر وقمع لحركتنا لا لشئ إلا لكونها فُرضت علينا فقط وهذا هو السبب الرئيسي لرفضها الآن حدث قمع لحريتنا وها نحن نعيش تحت قوة قانون حظر التجوال ؛ لكن بنظره محايده وبلا أدنى تردد أقول أننا دخلنا القوقعه جميعا منذ سنوات ؛ وأصبحت كل أسره منغلقه على ذاتها وعلى أفراد الأسره الواحده فقط ، وكل منزل مغلق على ذاته؛ يوصد أبوابه في وجوه الآخرين ؛ مره بحجة الأزمه الإقتصاديه وضيق ذات اليد وتكاليف الحياه التي تجعلنا لا نحتمل كلفة الزيارات وخلافه ؛ ومره بحجة توجهات شخصيه نخاف فيها من الآخر كنوع من أنواع الحمايه الذاتيه للروح وللقلب حتى لا نُصطدم نفسيا بسلوكيات غير مرغوب فيها من هذا أو ذاك متناسين في ذلك أن كل ما نهرب منه هو الحياه ذاتها .
الحقيقه إننا دخلنا الحبس الإنفرادي من قبل وصول وباء كورونا بسنوات ؛ في ظني أن ذلك قد يكون منذ السنوات الأولى لمرحلة التسعينات وإن كان هذا التحديد ليس بالدقه الكافيه ؛ ولكن مبدئيا أعتبر أن هذه الفجوه قد بدأت في الاستفحال منذ ظهور الأجهزه الالكترونيه وإنتشارها غير العادي والتحول إلى التكنولوجيا التي في متناول اليد بشكل غير مسبوق .
منذ ذلك التاريخ – في ظني – بدأت عزلتنا الإختياريه وهوعلى الأغلب أقرب للسلوك الجماعي العفوي؛ والحق أن التغيرات الإجتماعيه بدأت ملامحها تتضح منذ بداية الثمانينات ؛ ولكن تداعياتها التي تلازمت مع ظهور وانتشار كبير للأجهزه الالكترونيه جعل الوضع الاجتماعي مأساوي حقا ؛ فبدأ -لدى البعض- الميل للعزله والوحده والانعزال عن المجتمع المحيط والابتعاد المتعمد عن الاندماج في مشاكل الآخرين وانحسرت مساعدة المحيطين المجانيه بشكل تدريجي حتى يمكن أن نقول أنها اختفت .
الحق أنني أرد على جورجيو أغامبين الفيلسوف الايطالي الشهير الذي صرخ منتقدا (إلغاء الجيره الانسانيه ) على حد تعبيره وأقول له أن السلطه لن تلغي الجيره الإنسانيه لأن الجيره الانسانيه ما تم وأدها من قِبل البشر العاديين ومنذ سنوات عده !
أليس من المذهل أن نرى كل الأفكار التي عشنا نمجدها على مدار سنوات مضت وهى تتحطم أمام أعيننا: البقاء للأقوى ،البقاء للأغنى،البقاء لدول العالم الغربي ! الآن الجميع متساوون تماما ؛ الكل ينصهر في بوتقه واحده بوتقة التضحيه بكل شئ من أجل البقاء من أجل الحياه!
تحطمت أسطورة حقوق الانسان التي لطالما تشدق بها الغرب ،فها هى إيطاليا تعلن أنها قد تلجأ للتخلي عن رعاية المسنين الصحيه وكذلك المرضى الميئوس من شفائهم وأصحاب الأمراض المزمنه ، ومن يدري فقد يمتد هذا التخلي ليطول أصحاب المرض النفسي والمعاقين وهلم جرا …
الغريب أن الناس التي كانت تعترض على تصرفات الحكومات تتعامل الآن مع هذه الحكومات التي أصبحت تصدر أوامر بالقبوع بالمنزل وكأنها الأم الرؤوم التي تعرف مصالحهم جيدا ، ولم يعترض أحد على هذه التوجهات غير الإنسانيه التي لمحت بها حكومه مثل حكومة ايطاليا !!
الحق أن الأزمه غير المسبوقه التي نمر بها الآن تجعل التساؤلات السانحه في النفوس والمحيره في إزدياد يوما بعد يوم : هل يمكن أن يكون هذا الوباء مدخل للإنفتاح على الوعي الذاتي والتواصل الروحي مع البيئه والطبيعه ؟ هل سيكون هناك بدايه جديده للكون ؟ هل سيحدث إباده تامه للشعوب وتقوم الأرض من جديد بإعادة هيكلة نفسها ويتم البناء من جديد بلا أخطاءنا السابقه ؟ والسؤال الأهم هل سنكون هنا حتى يمكننا مشاهدة ذلك بأنفسنا ؟!!


* أكاديميه ورئيس تحرير موقع ومجلة هوامش تنوير .

شاهد أيضاً

وسيلة مجاهد *:نص بصيغة المؤنث : إلى مي زيادة

نص بصيغة المؤنث إلى مي زيادة مي أيتها الملاك الصغير، الذي ما إن حلق بجناحيه ...