الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.فاطمه الحصي*/حول مشروع عبد الجواد يس الفكري

د.فاطمه الحصي*/حول مشروع عبد الجواد يس الفكري

للباحث المصري المتميز د.يامن نوح دراسه حول سوسيولوجيا عبد الجواد ياسين **،اطلعتُ عليها وسررتٌ كثيرا أن قدمها بمقولة نصر حامد أبو زيد بأن (احسن تكريم للكاتب هو قراءة فكره قراءه نقديه )وهى من المقولات التي آمنتُ بها إيمانا كبيرا؛ وزاد من سروري إلمام الباحث بفكر المستشارعبد الجواد ياسين الذي أظن أن مشروعه الفكري بمثابة استكمال لمشاريع مهمه مثل مشروع الجابري ونصر حامد واركون ؛ وأسعدني أن أقرأ دراسه علميه حول هذا المفكر الذي يتم تجاهله بشكل كبير -كعادتنا مع أي مفكر عربي – وهو ما يعكس استمرارية طيور الظلام في العمل ضد كل ماهو تنويري .، واعتبر أن هذه الدراسه مدخل جيد إلى كتابات المفكر الكبير التي – مع الأسف – تأخرتُ في الولوج إليها ، وأشعر بشغف بالغ لذلك خاصةً بعد أن بدأت بالفعل في تحسس كتاباته شيئا فشئ والتعرف على هذا المشروع الفكري البازغ بتمعن وعمق أكثر ؛لذا أدينُ للباحث القدير بالشكر على هذه الدراسه المحبوكه كتابةً وفكرا ؛وغني عن الذكر أن المستشار د. عبد الجواد ياسين قدم للمكتبه العربيه عناوين مهمه على رأسها كتاب “الدين والتدين ” ثم كتاب “اللاهوت “و”السلطة فى الإسلام ” وهو كتاب من جزءين ” و تتركز كتاباته حول نقد التراث الإسلامي، ونقد العقل الديني، ويعد مشروعه من ضمن المشاريع العربية لإعادة قراءة التاريخ الإسلامي القديم وتأويل التراث الإسلامي من خلال اتباع مناهج متعدده ومختلفه وشامله ؛ وتنبع أهميته من إهتمامه بربط هذه الدراسات بالإجتماع الانساني والوقائع الحياتيه والحياه الإجتماعيه الحيه .
حين بدأت بقراءة كتابه (الدين والتدين ) وجدتني قد دونت على هامش إحدى صفحاته عباره فحواها أنك اذا اردت قراءة هذا الكتاب عليك بالإطلاع على كتب عديده إلى جانبه لأنه بمثابة بوابه تنفتح على أفاق عده.
ومع كل هذا الامتنان للباحث المصري د.يامن نوح على هذه الدراسه الجاده لكني اتمنى منه أن يسمح لي بالإشتباك معه في بعض هذه النقاط:
⦁ ذكرت في دراستك أن “المستشار يقدم قراءه بكر للتاريخ “؛ وهى عباره تفتح باب كبير وتساؤل حول المرجعيات الأساسيه التي تأثر بها المستشار ومدى تأثره – وهو قارئ متعمق – بمن أدلوا بدلوهم في نفس الإشكاليات ، فلو أنه لم يتأثر بما قدمه غيره ممن سبقوه من أفكار وطرق لتناولها كيف لنا أن ننفي هذا التأثر ! ألا تتفق معي د.يامن في أن الأنسب أن نقول أن المستشار يبدأ من حيث انتهى غيره وما أكثرهم سواء كان نصر حامد أو الجابري أو أركون أو غيرهم ؛ وهذا لا يقلل من مجهوداته التي ستكون محل قراءه ونقد وتحليل وستكون أمام التاريخ يوما ما – ففي ظني أنه بذلك يقيم حجرا في البناء الكبير الذي يحمل عنوان الفكر الاسلامي ؛ ومن المؤكد أن له إضافه حقيقيه فيه ؛هذه الاضافه تتضح بشكل كبير من خلال دراستك – وعندي أمل أن يتم تناول فكره بتقديم دراسات عديده – وأظن أن المستشار ياسين قد حفر إسمه بين هؤلاء المفكرين بحروفِ من ذهب .
⦁ بخصوص مسألة التاريخ السياسي الفقهي وتدخله في النص السني بالوضع والإنشاء بالاضافه إلى التفسيروالتأويل أظن أن المستشار هنا يضيف جزئيه مهمه في القراءة التاريخيه حيث نجد أن غالبية من سبقوه كانوا يركزون على تدخل الفقه في النص القرآني بالتلاعب اللغوي والنحوي والتفسير أما مسألة الوضع والإنشاء في النصوص السنيه فأظن أنها مسأله تُنسب إلى المستشار . وقد ذكر أركون في كتابه من الاجتهاد إلى نقد العقل الاسلامي مسألة التلاعب ب”النص القرآني ” مرجحا أن التلاعب تم من خلال التحريف اللغوي والنحوي بمعنى طريقة القراءه وأيضا من خلال الناسخ والمنسوخ بمعنى أن الفقهاء قاموا بإستبدال نص بنص لاحق وهو السبب الرئيسي لإهتمامهم بتأسيس علم أسباب النزول بهدف القول بأن الآيه المنسوخه نزلت قبل الآيه الناسخه وبالتالي من المشروع إبطال العمل بها وإبطال حكمها .
⦁ عن المنهج: أظن أن فكرة تطبيق المنهج المتعدد تحتاج إلى مراكز أبحاث متخصصه ولن تكون من السهوله بمكان في حالات العمل البحثي الفردي بمعنى أن باحث بمفرده يقوم ببحث ما بالكيفيه ذاتها لما يحتاجه في هذه الحاله من تدريب واتقان للمناهج المختلفه .وهذه الإشكاليه واجهها محمد أركون الذي كان يدعو إلى استخدام الباحث لأكثر من منهج من المناهج العلميه الحديثه لدراسة التراث والحفر في تاريخ الأديان بصفه عامه والدين الإسلامي بصفه خاصه ،ولكن أركون أُخذ عليه أنه كان يشير إلى أماكن العمل وينتظر من الباحثين أن يتوجهوا للبحث وهو ما كان يبرره بأنه لا يملك الوقت ولا الزمن ولا الامكانيه للتطبيق ويكفيه فخرا أنه أشار إلى مناطق لم يتطرق إليها أحد ؛ وهذا ما يميز المستشار عبد الجواد حيث أنه يسعى إلى تطبيق المناهج بشكل عملي قائم على الاستعانه بالحديث منها وارشاد الباحثين أيضا .
⦁ اشتباكك بخصوص “العبوديه” والتي يرى المستشار أن “الرق “أو “العبوديه” كان موجودا بالمجتمع الجاهلي وما بعده وأنه كان مقبولا يجعلني أتذكر استعباد الأمريكان للزنوج في مرحله زمنيه معينه ؛ و يجعلني أتحيز لفكرة محدودية العقل ؛ أي أن العقل يكون محكوما بما هو متاح أمامه من معطيات ؛ والمعطيات في هذه الحاله أن الانسان ينمو ويترعرع على فكره مؤداها أن هناك عبيد ، وبما أن العقل ليس ثوريا ولا رافضا للواقع بل يتكيف مع الواقع الذي يعيش فيه فينمو متعايشا مع هذه الأفكار المحيطه به ؛ ومن هنا لا يرفض مسأله مثل مسألة “الرق” لأنه محدود بالمحيط الذي ينمو فيه .
لذلك وعلى الرغم من كون “الرق” لاإنساني ولا أخلاقي و بحكم التعايش معه من قِبل العقل في مجتمعات تسمح به يصبح أمركالرق مستساغا للعقل خاصة ؛ فمن الصعب رفض ما تربينا-نحن كبشر عاديين – على وجوده كأمر طبيعي ونتعايش مع فكرة وجوده كحقيقه ؛ وهذا ما يدفعنا للقول بأن العقل لا يأتي من خارج الإجتماع وكذلك الفكر بل يتكونان عبره ومن خلاله فنقبل ما يقبل من أفكار ونرفض ما يرفضه الاجتماع وهذا بالضبط ما أقصده هنا بمحدودية العقل هذه من ناحيه ؛من ناحية أخرى يبدو لي أن أن النصوص القرآنيه لم تكن في مجملها نصوصا ثائره على الواقع الإجتماعي السائد في العصر الجاهلي ولكن بعضها حمل بذور الثوره على مظاهر معينه في الحياه الإجتماعيه بالعصر الجاهلي ويؤكد ذلك رأي المستشار ياسين في أن النص القرآني كان يتحاور مع الواقع بشكل متجدد ومستمرولكن بعض النصوص تم التلاعب فيها نحويا ولغويا وتفسيريا من قِبل الفقهاء والمفسرين للحفاظ على هيكل الحياه الاجتماعيه كما هو معتاد أي أنه حصلت ما يشبه الثوره المضاده لمحتوى النصوص القرآنيه الثائره على الواقع الاجتماعي بالعصر الجاهلي وهو ما نلاحظه بقوه في نظام “الإرث”.
وبذلك يمكن القول أن النص يصبح أخلاقي وفق تعاطيه مع معطيات المجتمع في الحقبه الزمنيه نفسها وأن الأخلاق ذاتها نسبيه وتختلف من زمان لزمان ومن مكان لمكان ؛ وهذا ما يمكن التأكد منه اذا تلفتنا حولنا في المجتمعات العربيه وقارنا الأخلاق فيها بالأخلاق في المجتمعات الغربيه التي أخذت منحى يبدو لي أكثر إنسانيه ويراعى فيه الإنسان وراحته أكثر من أي جانب أخر ، وهو ما يدفعنا إلى التشابك مع مفهوم “الأخلاق الكليه ” التي يذكرها دوما المستشار وهو مصطلح مفتوح ويمكن تحميله الكثير من المعاني ؛ فماذا تعني الأخلاق الكليه ؟هل تعني الحق والخير والجمال ؟ وهل هناك تعريف موحد للحق ،أو للجمال أوللخير ؟المسأله في ظني نسبيه . وأظن أن نسبيتها تلك هى التي تجعل من النصوص القرآنيه أو النصوص بشكل عام نسبيه أيضا بحيث يمكن للإنسان أن يفسرها حسب ما يمليه عليه الإجتماع بصفه عامه .ومن هنا تأتي فكرة أن النص عليه أن يكون مفتوحا أمام الجميع لكي يُفسر كلا حسب قراءته ورؤيته وأن يكون ذلك متاحا للجميع و مسموحا بشكل حر .وأظن أن هذا هو ما تؤكده فكرة الإكتناز التي نحتها المستشار حيث يقول “النص القرآني مكتنز لما يمكن أن يفعّل الحياة في كل زمان ومكان، وقادر أن ينسجم مع التطور”.
هذا واشكرك مره أخرى على امل التشابك من جديد في مقال آخر .


*أكاديميه ورئيس تحرير مجلة هوامش تنوير

*لينك دراسة د.يامن نوح :hwamsh.net/2020/02/د-يامن-نوح-سوسيولوجيا-عبد-الجواد-ياسين/

شاهد أيضاً

وسيلة مجاهد *:نص بصيغة المؤنث : إلى مي زيادة

نص بصيغة المؤنث إلى مي زيادة مي أيتها الملاك الصغير، الذي ما إن حلق بجناحيه ...