الرئيسية / أخبار ثقافيه / نهى الرميسي */الدكتور سعيد اللاوندي وزيرا للثقافة

نهى الرميسي */الدكتور سعيد اللاوندي وزيرا للثقافة

هذه ليست ترجمةً للدكتور سعيد اللاوندي، فهو عمل سيتولاه الزمن وسيكتبه التاريخ بحروف من نور.
ولكن دعوني أتحدث عن الدكتور اللاوندي كما رأيته (وزيرا للثقافة)، نعم هو لم يتول المنصب ولكن إذا تعاملت معه عن قرب أو تابعت كتاباته ونشاطاته الثقافية عن بعد فستجد فيه كل مقومات وزير الثقافة الناجح في بلد ذي جذور ثقافية عميقة مثل مصر وهي البلد التي طالما مثلت الثقافة فيها على اختلاف مشاربها وتنوع روافدها وامتداد فروعها مثلت قوة ناعمة تستضئ بها في محيطها الإقليمي والدولي.
الدكتور اللاوندي بما يملك من سمات شخصية جسدت روعة الشخصية المصرية في أبهى صورها، فعلى المستوى الإنساني لابد وأن تلمس فيه ذكاء المصري الخالص، ذلك الذكاء المروى من ماء النيل في أصفي منابعه والمُغذَى بتربة الدلتا الخصبة الخصيبة في عهد ازدهار مرابعها، والمرصع بعد كل هذا برؤية حضارية من خلال الفهم والهضم التام لحضارات الغرب البازغة الظاهرة على الدنيا كلها.
هو إذن ليس كلاما من قبيل الإنشاء والتجميل وإنما هي صفات تعززها مواقف وإشارات ودلالات تنبئ عن صدق مخبرها وجوهرها.
فقد التقيت د. اللاوندي منذ تسعينيات القرن الماضى ضيفا على برامجي الإذاعية وكان عائدا لعمله بجريدة الأهرام من رحلته العشرية إلى فرنسا، فاجئني بلغته العربية المتدفقة ومعلوماته الغزيرة حتى إذا ما رحت تطرح عليه سؤالا في الحوار الإذاعي لاحقك بإجابة واثقة عالمة متواصلة لا تأتأة ولا ثأثأة حتى يكمل فكرته بكل ثبات ينم عن عقل واع منظم وأفكار مترابطة .
وقد دفعتنى شخصيته المنبسطة الودودة أن أقول له فى أول لقاء: يادكتور حين تطلبك الفضائيات ولا تلاحق طلباتهم ليتك لاتنسى الإذاعة ، فرد قائلا: لايمكن ، واعتقدت أنها كلمة هو قائلها على سبيل المجاملة ولكنها بقيت صفة وعلامة على الوفاء بالوعد والالتزام الأخلاقى الراقى حتى الآن ، فما دعوته مرة لأحد البرامج الإذاعية إلا ولبى الدعوة مهما كلفته من وقت وجهد ،حاملا معه علمه ومعارفه فى إطلالة لطيفة خفيفة ، مع أنه من المتعارف عليه أن الإذاعة لاتمنح ضيوفها مقابلا لاستضافتهم بل ربما لا تقدم لهم كثيرا من الشهرة كمثل الفضائيات .
ومن المؤكد أن إقامة الدكتور سعيد اللاوندى فى الغرب أضفت عليه بعض مظاهر الحضارة الغربية كمثل الالتزام المنبسط تبسيطا ذكيا متعمدا مقصودا فى ذاته لا التزام الأفول والجمود والتحجر ،التزام تنويرى حضارى ربما تنبت جذوره من فكر الإمام محمد عبده وهو الشخصية الأثيرة لدى الدكتور اللاوندى والذى دائما ما يستشهد بمقولاته ، إذن هو التزام بالمبادئ الإنسانية العامة التى تزيد الإنسان قدرا وقيمة ومحبة فى محيطه الإنسانى ، كالحرص على ضبط المواعيد والوفاء والصدق فى القول والعمل والوطنية والإخلاص مع التحلى بألطف عبارات الديبلوماسية الرائقة بعيدا عن زيف الديبلوماسية ومفاهيمها المراوغة.
الدكتور اللاوندى رأيت فيه وزيرا للثقافة بفكره الموسوعى الشامل المحايد لا المؤدلج بما يسمح له باستيعاب كل اتجاهات المجتمع ولم شتاته الثقافى المنفرط منذ عقود ،ورأيته لها بما يملك من رؤية استشرافية وآمال عريضة لمستقبل الثقافة فى مصر ، تلك الرؤية غير المنبتة عن الواقع الثقافى المعاصر ، بل إنها رؤية مشمولة بمعرفة دقيقة بدهاليز وخبايا الحياة الثقافية فى مصر وامتدادها فى فرنسا التى تغشاها معظم أساطين الثقافة المصرية، وقد خالطهم د.اللاوندى عن قرب سيرا فى شوارع باريس وحضورا دائبا فى محافلها الثقافية الزاخرة بكبار مثقفى العالم ، فكان أشبه بغواص فى بحر الثقافة ينتقى أغلى للآلئه وأصدافه ليُطَعِمها بموروثه الثقافى العريق فتتشكل فى ذهنه تلك العقلية الناضجة الواعية .
فكنت أراه دائما أجدر بهذا المنصب بكل مايمتلك من أدوات ، فهو أيضا المحاضر فى العلوم السياسية والعلاقات الدولية والخبير بالقضايا الساخنة والتشابكات الدولية والعالم على وجه الدقة بوضع بلاده على خريطة الثقافة والسياسة الدولية.
كنت أراه وزيرا للثقافة ناجحا بحق، لكنه دائما كان ومازال زاهدا فى المناصب مكتفيا بتنوير أجيال وزرافات من المجتمع من خلال ظهوره فى الإعلام ومن خلال كتبه ومقالاته فى الأهرام وكتاباته الصحفية أو من خلال محاضراته فى الجامعة .
فتحية إلى علم من أعلام الثقافة المصرية ،وأمنية قلبية بأن يطول عطاؤه ويظل جبلا شامخا متحديا لكل صعوبات الحياة .

*كبير مقدمى البرامج الثقافية

إذاعة البرنامج العام اذاعة


شاهد أيضاً

صفاء عبد السلام *:وعي ولا وعي (2)

وعي ولا وعي (2) على الجانب الآخر منذ أن أمر الله تعالى نبيه محمد صلى ...