الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. سامي نصار*:الهيوتاجوجيا: تعليم ما بعد كورونا

د. سامي نصار*:الهيوتاجوجيا: تعليم ما بعد كورونا

لقد كشف وباء كورونا عن كثير من جوانب الفشل في النظام الرأسمالي العالمي. فكان ضعف كفاية نظم الرعاية الصحية، وقصور النظم والخدمات التعليمية عن مواجهة تداعيات الوباء دليلا واضحا على خواء الشعارات التي تشدقت بها الرأسمالية عبر قرنين من الزمان. كما كشف أيضا عن حجم الزيف الذي عشناه ردحا من الزمان ننسج من خيالاته وأوهامه صورا وبنى ومؤسسات، ونضع لها تشريعات ونظما نسجن أنفسنا بداخلها. بل لقد كشف الوباء أيضا عن تهافت أنساق القيم التي ندعي دائما الحفاظ عليها والدفاع عنها. كما أثبت الوباء أن خطوط الروتين وشبكاته التي دارت فيها حياتنا اليومية الاجتماعية والاقتصادية هي أوهى من بيوت العنكبوت.
وكان التعليم بهياكله ونظمه، ومناهجه وطرقه في مقدمة المجالات التي عصف بها الوباء. فقد حال الوباء بين الملايين من التلاميذ والطلاب وبين الذهاب إلى مدارسهم وجامعاتهم التي أغلقت أبوابها خوفا من انتشار العدوى. ومن رحم الأزمة يولد الأمل وتلوح الفرصة، فقد ترتب على إغلاق المدارس والجامعات أن لجأت هذه المؤسسات الى التعلم من بعد بمختلف نظمه وأنواعه واستراتيجياته. وتهاوت معه ما درجنا على التمسك به من قواعد وطرق في التدريس ونظم للامتحانات. وانتقل التعلم من خلف أسوار الهياكل التعليمية المغلقة إلى المنازل والمقاهي والشوارع والحدائق محمولا على مختلف وسائط تكنولوجيا المعلومات والاتصال وبرامجها ليصبح متاحا في أي وقت وفي أي مكان. لقد كشف الوباء عن أن الصيغ التقليدية للتعليم لم تعد تجدي نفعا في أوقات الأزمات الاقتصادية، والحروب، واللجوء والهجرة، والأوبئة وما أكثرها في عالم اليوم. ومن العجيب أن أولئك الذين قاوموا تبني استراتيجيات التعلم من بعد والتعلم الالكتروني في التعليم الجامعي والعالي في مصر، وقللوا من شأن الدرجات التي يمنحها قبل كورونا، كانوا أول من سارع إلى تطبيقها بطرق مرتجلة ومبسترة لا تتوافر فيها شروط ومستلزمات ضمان جودتها.
إن هذه الأزمة توجه إلينا عددا من الرسائل الهامة التي يتعين علينا الاستجابة لها، وإلا سيتواصل ضياع الفرص من بين أيدينا. وأول هذه الرسائل أننا لابد أن نعيد التفكير في التربية من خلال بناء خطاب تربوي جديد يركز على الانتقال من توفير التعليم للجميع إلى إتاحة التعلم للجميع، وعلى اعتماد المدخل الإنساني وفلسفة التعلم مدى الحياة التي تقوم على تكامل كل أشكال التعلم التي تقدم للفرد طوال حياته من المهد إلى اللحد، والتخلي عن الخطاب التقليدي الذي تأسس في أعقاب الثورة الصناعية الأولى وما نتج عنه من هياكل للتعليم تتسق مع نظم تقسيم العمل، ومع تصنيف تراتبي للمهن والمكانات الاجتماعية فرضتها احتياجات المجتمع الرأسمالي.
ويتطلب هذا الخطاب الجديد الانتقال من نظم التعليم القائمة على الحفظ والتذكر والتلقين، إلى نوع جديد من التعلم، يقوم على التصميم الذاتي للتعلم، أو ما يسمى بالهيوتاجوجي Heutagogy وهي عبارة عن عملية تعلم يكون فيها المتعلمون هم اللاعبون الرئيسيون، ويتخلى فيها المعلمون عن سلطتهم المعرفية، ويقتصر دورهم على التوجيه والإرشاد، والإشارة إلى مصادر التعلم.
والفكرة الرئيسية التي تقوم عليها الهيوتاجوجيا هي التفكر أو التدبر النقدي، حيث يمارس المتعلم التفكير في مشكلة ما، ويحدد ما يلزم القيام به من أنشطة وإجراءات، وما يريد الوصول إليه من نواتج. وأثناء هذه العملية عليه أن يتدبر أيضا الكيفية التي يمكن أن تؤثر بها معتقداته الشخصية على أفعاله وطريقته في حل المشكلة. إنها باختصار طريقة تعلم المتعلم كيفية التعلم. وهنا فإن الهيوتاجوجيا تتخلى عن الأساليب التعليمية المعتمدة على المعلمين، وتتحول إلى الأساليب المتمركزة على المتعلمين بما يمتلكونه من مهارات وقدرة على التعلم خارج الأطر والنظم التعليمية الرسمية، موظفين في كل ذلك تكنولوجيا المعلومات والاتصال التي تحررهم من سلطة المعلمين وهيمنة القائمين على التعليم بمختلف مستوياتهم. ويتواكب ذلك مع بدء تواري المناهج التقليدية المعلبة القائمة على محتوى واحد وموحد يتم فرضه من عل من قبل السلطات المسئولة عن التعليم، مفسحة الطريق للتعلم من خلال الحياة اليومية ومن كل مصادر المعلومات.
ومما يساعد على تطبيق هذا المدخل الجديد للتعلم أن أبناء هذا العصر صاروا مواطنين رقميين يتواصلون ويتعلمون ويتعاملون من خلال شبكات المعلومات وشبكات التواصل الاجتماعي، وما تتيحه من معرفة متجددة ومتدفقة. وصار التعلم من بعد أو التعليم المفتوح أو التعلم الالكتروني موجات عاتية أخذت في اكتساح الأنماط والهياكل التقليدية للتعليم قبل الجامعي والجامعي، مستهدفة تحقيق تكافؤ الفرص التعليمية، وإتاحة التعلم للجميع بمختلف مستوياته وأنواعه ودرجاته، موظفة ما يتوافر لديها من إمكانات ونظم تكنولوجية هائلة تقدم تعليما على قدر عال من الجودة والتميز، جماعيا ومنفردا، ومتزامنا وغير متزامن، افتراضيا ومدمجا، ثابتا ومتنقلا، يتوافر له من التفاعل ما قد لا يتوافر في التعليم المباشر وجها لوجه في فصول اكتظت بالطلاب. كما أخذت المباني التعليمية تتوارى خلف السحائب الإلكترونية، وأصبح الطلاب مسافرين رقميين مبحرين بين مختلف الشبكات والمواقع.
ومن الجدير بالذكر أن هذه الأفكار ليست جديدة تماما، بل إن لها ظهيرها الفكري والفلسفي والسياسي الذي يضرب بجذوره إلى أوائل السبعينيات من القرن الماضي، عندما أصدر المفكر النمساوي إيفان الليش كتابه الأشهر “مجتمع بلا مدارس” والذي وجه فيه سهام نقده إلى المدرسة باعتبارها مؤسسة تقليدية تقف في وجه الإبداع والابتكار، وأكد على ضرورة أن يتم التعلم خارج أسوارها من خلال الشبكات الاجتماعية. كما ترجع أيضا إلى آراء مفكري ما بعد الحداثة، حيث نظر الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو إلى المدرسة باعتبارها وريثة المؤسسات العقابية التي عرفتها أوربا في العصور الوسطى كالسجون والمصحات العقلية التي تمارس سلطانها ورقابتها على جسد الفرد وعقله ومشاعره. وفي ذات الاتجاه أيضا نادى الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار بموت المعلم على غرار موت المؤلف، وهو ما نشهد بوادره الآن بدرجات متفاوتة في مختلف أنماط التعلم الجديدة الآخذة في الانتشار مختلف مناطق العالم.
لقد جاءت هذه الأزمة لتختبر قدرتنا على صياغة تعليم جديد بديل عن نظم التعليم التقليدية التي هي في طريقها إلى الانقراض كما انقرضت الديناصورات.

مفكر من مصر

شاهد أيضاً

صفاء عبد السلام *:وعي ولا وعي (2)

وعي ولا وعي (2) على الجانب الآخر منذ أن أمر الله تعالى نبيه محمد صلى ...

2 تعليقان

  1. Avatar
    عصام الدين علي حسن هلال

    أنا لا أعتقد في موت المدرسة أو في موت المعلم ، فالعملية التعليمية لها أركانها الأساسية ، مكان يجري فيه التعلم ،ثم معلم ثم محتوى ،ثم وسائل مساعدة ثم التلاميذ أو الطلاب ، مهما حاول الكثيرون تغيير هذه الأركان فمن الصعب ذلك . المعلم حامل الطبشور لن يكون موجودا وهذا أمر طبيعي ، لأن الوسائل تعددت ولكنها في النهاية خادمة لمعلم ذي طبيعة جديدة يتعامل مع التكنولوجيا بكفاءة . ويسخرها لنجاح العملية التعليمية ، كذا المدرسة ، ليس من الضروري أن تكون المدرسة مبنى على هيئة المدرسة التي تعلمنا فيها ، ولكنها ستأخذ شكلا جديدا ، والوسائل التعليمية ستظل وسائل معينة وإن تطورت في طبيعتها . أما المحتوى فلا يمكن أن يتم تعليم دون محتوى ومع التطور المعرفي بل والانفجار المعرفي ستتغير المحتويات يوما بعد يوم وليس دهرا بعد دهر ، وأسمح لي دكتور ، ما رأيك في العملية الجديدة التي سيتم بها التعلم من خلال تغذية مراكز التعلم في المخ دون الحاجة إلى عملية تعليمية من الأساس ، هذا هو الجديد في التعليم وقد قامت جامعة أمريكية ( على ما أذكر جامعة هارفارد ) بتغذية مراكز التعلم لإنسان لا يعرف شيئا عن الثقافة الصينية تماما وتم تغذية مراكز تعلمه بهذه الثقافة فتحول بالفعل إلى مواطن صيني بالكامل . هنا ستأخذ المدرسة شكلا جديدا وسيأخذ المعلم شكلا جديدا أيضا . إن تعليم المستقبل لا تحركه كورونا ولا غير كورونا وإنما مقاصده أكبر من ذلك . أرجو قبول تعليقي بصدر رحب وأتمنى منكم الإضافة .