الرئيسية / أخبار ثقافيه / روضة المبادره */العنف الرمزي و الهوية الدخيلة

روضة المبادره */العنف الرمزي و الهوية الدخيلة

يشهد الشّباب التّونسي والعربي عموما، مجموعة من التّحولات في طرق العيش وأساليب التّفكير وأنماط السّلوك الجديدة و لعلّ أهمّها الوقوع في فخّ العنف الرمزي
إنّ المجتمع المحلي أهم مجتمع في الدراسات الاجتماعية ؛ لما له من الأثر البالغ على حياة الفرد و المجموعة ، ففيه يعيش الإنسان ويترعرع ويكتسب الثقافة والهوية ومقوّماته الاجتماعية ، ولعلّ محاولة جورج هيليري في تعريف هذا المجتمع هي الأقرب إلى حقيقته بما هو مجموعة من الناس يشتركون في تفاعل اجتماعي ، وبعض الروابط و الخيوط المشتركة بينهم، بحيث يشتركون في موقع ما ، على الأقل لبعض الوقت.
واضح إذن أنّ هناك بصفة عامة أربع نقاط أساسية لتكوين المجتمع المحلي، وهي الجماعة والتفاعل، والروابط. والزمان و المكان غير أنهّ مع ظهور ما يسمى الانترنت وانتشار ظاهرة استخدامها في كل أرجاء الكوسموس ، هي حيثيات سمحت بولادة هوية جديدة و جنس آخر من الجماعات والمجتمعات الإنسانية والتي أصطلح على تسميتها ب : المجتمعات الافتراضية أو الرقمية .
إنّ التشابه الخادع بين هذه المجتمعات مع المجتمعات الواقعية يكمن في وجود الأفراد والتفاعل بينهم وتقاسمهم الروابط والمشاعر والزمان إلا أن الأمر الذي يكشف هذا الخداع هو أنّه في المجتمعات الافتراضية يغيب فيها عنصر المكان ، فالمكان لم تعد له أهمية ، وتكنولوجيا الاتصال عن بعد امتصت كل المعمورة وقلصت العالم إلى نقطة تقاطع هي الزمن الحقيقي ، ومن هنا تنبع فكرة ماكلوهان ” القرية العالمية ” المتولدة عن زوال المكان واختصار الزمن .
ووفقًا لملاحظة ماكلوهان فإنّ أجهزة الاتصال الإلكترونية ـ تُسيطر وتؤثر على سلوكيات و عقول الشعوب ومؤسساتها.
إنّ عصر الوسائل الإلكترونية الحديثة قد حلّ محل عصر الطباعة و الكتابة و القراءة. فهذه الوسائل المتطورة تجعل الاتصال سريعًا، لدرجة أن الشعوب على اختلاف مواقعها في العالم تنصهر في بوتقة واحدة، وتشارك بشكل عميق في حياة الآخرين والنتيجة كما نلاحظ أن الوسائل الإلكترونية تقضي على الفردية والقومية، ونمو مجتمع عالمي جديد.
يبدو أنّ هذه الشبكات الاجتماعية أصبحت ظاهرة عالمية واسعة الانتشار، شكلت وعي الأفراد و جعلتهم يعتنقون هوية دخيلة و هي آليات استطاعت أن تحظى باهتمام واسـع خاصـة لـدى فئـة الـشباب حيث مكنت من خلق علاقات اجتماعية افتراضية وتوفر لهم فضاء مفتوحا للتعبير والنقد بكل حريـة، وتـساهم أيـضا في تـشكيل هويات افتراضية داخل مجتمع افتراضي وذلك بفعل جاذبيته وقدرته على إتاحة نطاق واسع من الحرية والاختيار.
إذ يعتبر الحديث عن الهوية أهم القضايا التي يطرحها استخدام مواقع الشبكات الاجتماعية، باعتبار طرحها للعديـد من الإشكاليات على غرار إشكالية الهوية الفردية الحقيقية والتي استبدلت بهوية افتراضية , دخيلة ,خيالية، إذ بات أمام الفـرد اسـتخدام أكثر مـن هوية غير هويته الحقيقية وذلك عن طريق تبني أسماء مستعارة وصور غير حقيقية إضافة إلى تغيير المعلومات الشخصية كالسن، الجنس والمهنة وغيرها …
إنّ الشباب اليوم قد لا يكشف عن هويته الحقيقيّة داخل هذا المجال أي يظهر بهويّة مزعومة وهميّة أي لا يعرف عن ذاته إلاّ باستعارات و أحيانـا اسـتخدام رموز تدل على الفرح أو الحزن دون وضع البر وفيل الحقيقي لصورة الشخص للتعبير عن مشاعره و أفكاره فتـصبح هـذه الرمـوز المـستعارة هي التي توجه و تهدي تصورات وأفعال الأفراد المتواصلين وهذا التداول بين الهوية الحقيقية والهوية الافتراضية قد يخلق هويات متعددة .
اغتصبت التكنولوجيات الاتصالية الحديثة مختلف المجالات وأضحت المسافات بين الدول والأفراد بالكاد تذكر في زمن حوّل عبارة ماكلوهان «العالم قرية صغيرة » إلى جهاز التحكم أو الفأرة ، وهكذا شكّلت وسائل الاتصال و خاصة الانترنيت أو كما يطلق عليها الأداة التطبيقية للعولمة عالما موازيا للعالم الواقعي؛ بعلاقات جديدة متعددة ومتشابكة؛ ولغة الكترونية خاصة، وتواصل عبر شبكات تنقل المرء من مكانه إلى أي مكان دون أن يبذل كبير جهد و هو ما قام بتحليله ماكلوهان في مؤلفه” العروس الميكانيكية”.
إنّ هذا العالم الّذي نعيش فيه اليوم قد خلق هذا النوع من الهويّة و هي ذاتها الهوية الّتي أراد أن يحذرنا من اعتناقها ماكلوهان لكن هل الهوية التي يقدّمها عبر هذا العالم الافتراضي هي ذات الهوية التي يتميّز بها الشباب اليوم في العالم الواقعي؟ثمّ ما الّذي تختصّ به هذه الهوية ؟
ولماذا يفزع الشباب اليوم إلى هوية ليست هويتهم و إنّية ليست إنّيتهم أو بالأحرى حقيقة ليست حقيقتهم ؟
إنّ أهمية العودة إلى فكر ماكلوهان هو في راهنيّة القضيّة و مدى تأثيرها في المجتمعات اليوم و خصوصا من خلال دراسته للعلاقة، الجدلية كما قد نسميها، بين الإنسان والتكنولوجيا وللأسلوب الذي تؤدي به الاكتشافات والاختراعات في العصر الحديث إلى تشكيل سلوك وشخصيات وأفكار البشر ما بين الطباعة إلى الكهرباء وما بين التلفاز إلى الحاسوب وشبكة المعلومات الالكترونية .
إنّ البحث في المجتمع الافتراضي يقودنا إلى طرح تساؤلات تفرض نفسها بإلحاح: ما مدى انخراط المواطن العربي في المجتمعات الافتراضية ؟ هل يمكن أن تولد الشبكات الاجتماعية على الإنترنت أشكالا جديدة من العلاقة مع الآخر، هذه العلاقة التي كانت تنسج تفاعلاتها ضمن فضاءات اجتماعية معروفة كالأسرة والشارع والمدرسة والساحات العامة والأسواق…؟ إلى أي حد يمكن لهذه العلاقات الافتراضية الجديدة أن تلبي حاجات الناس وخاصة من الشباب العربي الذي يسعى لسبب أو لآخر أن يتملص من كافة السلط التقليدية ؟ وفي الحقيقة هناك فرضيتان في هذه العلاقات الافتراضية المستحدثة. تنص الأولى على أن الانترنت من خلال ما يوفره من فضاءات حوار بين الناس يساهم في تطوير الروابط الاجتماعية وتوسيعها. أمّا الفرضية الثانية، وبشكل مفارق، فتقول بأن التطور التكنولوجي نحو المجتمع الافتراضي قد ينذر بتفكك “الاجتماعي” وانهيار القيم ونهاية الحياة الاجتماعية في أنماطها التقليدية. من هذا المنطلق تقوم دراستنا هذه على بحث ميداني يسعى إلى فهم علاقة فئة الشباب التلمذي والطالبي التونسي بالعالم الافتراضي، الذي اقتحم مجتمعنا بشكل فجئ مباغت، وفعل فعله في ثقافة المجتمع عموما، وفي ثقافة فئة الشباب تحديدا.
إنّ ما يقوم به مستعملو وسائل الإعلام المعاصر خاصة شبكة الإنترنت اليوم بعيد كل البعد عن العيش في قرية عالمية متجانسة، بل تتداخل الأوضاع، وما كان وسيلة للترفيه والتواصل أضحى أيضا وسيلة للابتزاز والإرهاب وتهديدا للذاكرة الجماعية.
شهرة واسعة تلك العبارة التي حاز بها مارشال ماكلوهان على«الوسيلة هي الرسالة»
هي إذن المقولة التي أراد فيها أن يركز على فكرة أن التكنولوجيا أهمّ وأبقى وأشد فعالية وأعمق تأثيرا من المضمون الفكري والصياغة اللغوية والنوايا الفردية أو الجمعية التي تصدر عنها الرسالة الإعلامية.
يقول ماكلوهان **إنه باندماج التلفزيون والكمبيوترات وقواعد البيانات تكتسب تكنولوجيات التواصل معنى في حد ذاتها يتعدى مجرد محتوى المعلومة التي توصلها إلى الزبائن. ويضيف أن “الوسيلة -وليس المحتوى الذي تقدمه- هي التي تؤثر في المجتمع وتلعب دورا ليس فقط بواسطة المحتوى الذي تقدمه ولكن أيضا بخصائص الوسيلة نفسها”.
كانت هذه النظرية الخطوة الأولى لبناء ما أطلق عليه ماكلوهان بعد تطورها اسم “القرية العالمية”، أو ” القرية العالمية الإلكترونية “في توصيف لما أضحى عليه العالم بفضل التكنولوجيات القادرة على ربط الناس بشكل حيني في كافة أنحاء المعمورة، محطمة بذلك الحواجز المادية للوقت والمكان. وهي نفس الفكرة التي اقرها مارك سلوكا ” العقل العالمي”.
**مارشال ماكلوهان فيلسوف وكاتب كندي أحدثت نظرياته في وسائل الاتصال الجماهيري جدلاً كبيرًا .

*باحثة دكتوراه /تونس

شاهد أيضاً

وسيلة مجاهد *:نص بصيغة المؤنث : إلى مي زيادة

نص بصيغة المؤنث إلى مي زيادة مي أيتها الملاك الصغير، الذي ما إن حلق بجناحيه ...