الرئيسية / أخبار ثقافيه / محمد ناجي المنشاوي*/حول الشاعروالجمهور

محمد ناجي المنشاوي*/حول الشاعروالجمهور

الشاعر والجمهور : من يبحث عمن؟

لا أظن في اعتقادي أن شاعرا عربيا ابتعد بشعره عن مستمع ينصت إليه أو قارئ يقرأ له، ولست هنا بصدد سرد تاريخ العلاقة بين الشاعر والجمهور فالمجال لايتسع لهذا، ولكن أنبه فقط إلى أن الشاعر الحقيقي كان دائما صوت قبيلته ثم أمته باستثناء الشعراء المتكسبين حتى هؤلاء لانعدم عند بعضهم أصواتا تعبر عن انتمائهم لقبيلتهم على سبيل الفخر والاعتزاز، وظاهرة الأسواق الأدبية في مواسم الحج كأسواق الذهب وعكاظ وذي المجاز وغيرها إنما كانت دلالة واضحة وقوية على حرص الشعراء على لقاء الجمهور لينالوا الشهرة والمجد والشرف وكلما زادت دائرة جمهور الشاعر ازدادت قبيلته عزا وعلوا بين القبائل ، ولما كان الشاعر حريصا على أن يحظى برضا الجمهور فتجده يجود ويحسن ويتقن ولهذا قال بعضهم لاتعرضن على الرواة قصيدة مالم تكن بالغت في تهذيبها فإذا عرضت الشعر غير مهذب عدوه منك وساوسا تهذي بها وفي تاريخ الشعر العربي ورحلته الطويلة قصائد كثيرة مازالت عالقة في الأذهان، وإذا كانت الحال هكذا بالنسبة للشاعر فالأمر مواز للجمهور الذي يسعى إلى شعراء ينصت إليهم وينصرف بالكلية عن شعراء آخرين وما حدث ذلك إلا بسبب شعور الجمهور بأنه إزاء شاعر يلتحم معه في قضاياه ويتوجه إلى عقله ووجدانه. وكان القراء ينتظرون قصيدة لشوقي أو حافظ منشورة هنا أو هناك وتحرص الصحف على نشر قصائد هذين الهرمين الكبيرين ومثلهما في الأقطار العربية الأخرى لضمان ارتفاع أعداد الصحيفة فقد شغل شوقي وحافظ الجمهور في عصرهما وكذلك الرصافي في العراق وفي كل قطر عربي تجد ذلك بوضوح وفي أعقاب هزيمة ه يونيو ١٩٦٧ كتب الأبنودي : عدي النهار التي لمست الجراح وطفقت تضمدها عبر حنجرة عبد الحليم حافظ وراح الشعب يغنيها في المصانع والحقول والدروب عدا النهار والمغربية جاية تتخفي ورا ضهر الشجر وعشان نتوه في السكة شالت من ليالينا القمر وبلدنا ع الترعة بتغسل شعرها جانا نهار مقدرش يدفع مهرها ياهل ترى الليل الحزين أبو النجوم الدبلانين أبو الغناوي المجروحين يقدر ينسيها الصباح أبوشمس بترش الحنين أبدا بلدنا للنهار بتحب موال النهار الوطن تنزف جراحه ألما ووجعا من جراء تلك الهزيمة التي أدت إلى احتلال صهيوني لجزء غال من أرضنا العربية في مصر وسوريا والأردن وفلسطين وأبواق الدعاية الصهيونية وعملائها في الخارج والداخل تشيع حالة من اليأس والإحباط زاعمة عجز المصريين عن استعادة أرضهم وهنا يأتي دور الشاعر الذي يحث الجماهير على رفض الهزيمة وقتل اليأس والنهوض فورا لحمل السلاح لمقاومة الكيان الصهيوني فيكتب محسن الخياط قصيدته الخالدة (البندقية) التي صارت انشودة الحرب والمقاومة والنضال يرددها البشر والشجر والحجر يقول الخياط : سكت الكلام والبندقية اكلمت والنار وطلقات البارود شدت على ايدين الجنود واتبسمت احنا جنودك يابلدنا وحبنا ماشيين على طول الطريق اللي رسمناه كلنا جتلك وانا ضامم جراح الأمس حالف لرجعلك عيون الشمس يا يا يابلدي وتحققت المعجزة وعبر الجيش المصري الباسل قناة السويس وحطم خط بارليف ودك حصون الصهاينة المنيعة وتساقط جنود الصهاينة أسرى في صفوف طويلة يعلو وجوه جنودها العار والخزي والذل وهناك فوق أعلى تبة فوق خط بارليف صعد جندي المشاة المصري البطل ليمزق العلم الصهيوني ويثبت العلم المصري ليعلو خفاقا فوق أرضه إنه الجندي محمد محمد عبد السلام العباسى فانشأ صلاح عبد الصبور قصيدته التي عنونها ب : (إلى أول جندي رفع العلم في سيناء) تمليناك حين أهل فوق الشاشة البيضاء وجهك يلثم العلما وترفعه يداك لكي يحلق في مدار الشمس حر الوجه مبتسما وفي مقطع آخر يقول عبدالصبور تراك وانت أقرب مايكون إلى مدار الشمس والأفلاك تراك ذكرتني وذكرت أمثالي من الفانين والبسطاء وكان عذابهم هوحب هذا العلم الهائم في الأجواء وهاهو عاد يخفق في مدى الأجواء وبعد هذا النصر الكبير الذي أعاد الكرامة لكل عربي وانكسر غرور واهام جيش الدفاع الصهيوني، ظهرت في الأجواء بوادر مرحلة جديدة في الصراع العربي الإسرائيلي وبدا في الأفق اتصالات من أجل عقد اتفاقية صلح بين الكيان الصهيوني والعرب كان أولها زيارة الرئيس السادات إلى القدس وإلقاء كلمة أمام أعضاء الكنيست الإسرائيلية إيذانا لإبرام هذه الاتفاقية فينهض شاعر الرفض والمقاومة امل دنقل ليلقي بقصيدته الغراء في وجه الداعين إلى التصالح مع الكيان الصهيوني لاتصالح ولاتتوخي الهرب اترى حين أفقأ عينيك ثم أثبت جوهرتين مكانهما هل ترى؟ هي أشياء لاتشتري إنها الحرب قدتثقل القلب لكن خلفك عار العرب لاتصالح ولاتتوخي الهرب وبدت الخريطة العربية غامضة مشتتة منقسمة وتراجعت مكانة القضية الفلسطينية خطوات إلى الخلف وكثر المتاجرون بالقضية وكثر المناضون بالحناجر خلف الميكرفونات ولكن كما قال المثل العربي : أسمع ضجيجا ولا أرى طحنا ، ولم تتقدم عاصمة من تلك العواصم العربية بخطوة إيجابية فاعلة ومؤثرة لحماية الحق الفلسطيني وخضعت القدس للمزايدات الرخيصة والكيان الصهيوني يتمدد بمستوطناته والعواصم العربية صماء بكماء عمياء فاستفزت الحال الشاعر الكبير مظفر النواب ليفضح الزعامات العربية الخانعة والخاضعة فكتب قصيدته (القدس عروس عروبتكم) لتبقى وثيقة إدانة لتخاذل الزعامات العربية وتلصق بهم عارا تاريخيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها يقول النواب القدس عروس عروبتكم فلماذا أدخلتم كل زناة الليل إلى حجرتها ووقفتم تسترقون السمع وراء الأبواب لصرخات بكارتها وسحبتم كل خناجركم وتنافختم شرفا وصرختم فيها صونا للعرض أولاد القحبة هل تسكت مغتصبة؟ وباجتياح الجيش العراقي لدولة الكويت وسط انشقاقات عربية عميقة وتباين الولاءات وتربص الإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية بالعرب الغافلين أشعلت المخططات الأمريكية والغرب كله معها النار في المنطقة لتنتهي الأمور نهاية تراجيدية بامتياز وسقط العراق وتمزقت الخريطة العربية ولم يعد في الأفق بادرة امل للم الشمل العربي فأطلق نزارقباني صيحة احتجاجه (متى يعلنون وفاة العرب) .

*ناقد من مصر

شاهد أيضاً

وسيلة مجاهد *:نص بصيغة المؤنث : إلى مي زيادة

نص بصيغة المؤنث إلى مي زيادة مي أيتها الملاك الصغير، الذي ما إن حلق بجناحيه ...