الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.فاطمه الحصي*فراشات ملونة تحترق:مي وميلينا !

د.فاطمه الحصي*فراشات ملونة تحترق:مي وميلينا !

مي زياده وميلينا يسنسكا : فراشات ملونة تحترق !

لرسائل المفكرين إلى بعضهم البعض أهميه كبرى لأنها تعكس شخصيتهم المخفيه وراء فكرهم وفلسفتهم فما بالك برسائلهم إلى عشاقهم ؛ ولا ريب أن لكل أنسان منا جوانب متعدده من شخصيته لا يمكن للجميع الإطلاع على تلك الجوانب مجملة فهي تختلف حسب الموقف وحسب طبيعة العلاقه وحسب متغيرات عده ؛ فحين نقرأ كلمات سارترالتي أرسلها يوما في رساله إلى سيمون ديبفوار قائلا فيها:” أربط بين حبك وبين عناصر الوجود. أحببتك في مدينة تولوز، وأحبك الليلة في مساء ربيعي. أحبك والنافذة مفتوحة. أنتِ لي، والكون لي. أشعر أن قوة حبي لكِ تغير من طبيعة الأشياء من حولي، وتلك الأشياء تغير من حبي لكِ.أحبك بكل جوارجي وروحي” هى كلمات كاشفه لجانب إنساني وعاطفي راقي لا نعرفه في حياة المفكر بصفه عامه ؛أما بلزاك فقد كتب الى حبيبته ايفا :”الحب ينطلق من مسام جلدي كفراشات ملونة، لا هدف لي في الحياة سوى الحب، والاستسلام للحزن بعيداً عنكِ. حبيبتي إيفا، حبك هو قدري” ؛ وكتب فولتيرأثناء فترة سجنه إلى حبيبته أوليمب دينوفر:(يمكنهم سلب حياتي، ولكنهم لا يستطيعون سلب حبي لكِ.) و هاهو اللورد بايرون يطلب من حبيبته الصغيره تريزا جوتشيلي أن تتذكره (تذكريني إذا باعدت جبال الألب بيننا، وباعد بيننا المحيط.)
لا تملك سوى أن تحترم تلك القصص وهذه الكلمات الدافئه الجياشه لأنها حقيقيه وعميقه؛ تغمر الروح بمشاعر فياضه من الحب والدفء الإنساني تجعلك تقف أمامها بكل خشوع وتضرع تبتهل الى الله ألا يحرم البشريه كلها من أصناف مشابهه لذاك الحب وهذا العشق اللامتناهي .
والحق أن أكتر ما استحوذ على إهتمامي في تلك الحكايات التاريخيه والرسائل التي يمكن تصنيفها تحت بند الرسائل الغراميه كانت تلك الرسائل من كافكا إلى ميلينا ومن جبران إلى مي والعكس .


مي زياده ( 1886- 1941) الكاتبه التي سبقت زمنها والعصر الذي عاشت فيه ، وكانت مبدعه بازغه في ذلك العصر بمجالات عديده ومتنوعه ؛و كانت صاحبة كينونه نسائيه فاعله في المجتمع ؛ كما أن إقامتها لصالون ثقافي تصول وتجول فيه الأفكار الفكريه والثقافيه ويصدح فيه الشعراء بأشعارهم ويتناقش في صالونها المفكرين على اختلافهم في جميع مشارب الفكر والثقافه والسياسه يجعلنا نؤكد على كونها كانت أيقونه نسائيه غير مسبوقه في هذا العصر؛وفي مجتمع من المجتمعات العربيه التي كانت ولا زالت المرأه فيه مكبله بكل أنواع الأغلال فكريه وثقافيه واجتماعيه ..الخ ولم يكن ذلك العصر الذي لم يكن للمرأه وجود حقيقي وفاعل اللهم إلا نفر قد لا يعد على أصابع اليد الواحده .
تميزت مي بكونها كاتبه وشاعره وخطابيه من الطراز الرفيع كما أنها كانت ممن يمكن إطلاق لقب باحثه عليها حيث قدمت دراسات مهمه مثل دراستها التي خرجت في كتاب حول باحثة الباديه ؛ كما كتبت مقالات عده في الصحف المختلفه ونُشر لها العديد من الكتب، تأليفًا وترجمةً، وكان أول ديوان شعر لها بالفرنسية تحت اسم «أزاهير الحلم»، وصدر لها بالعربية مجموعة كتب: ﮐ«كلمات وإشارات»، و«المساواة»، و«ظلمات وأشعة» … إلخ. كما ترجمت ثلاث روايات منهم رواية «ابتسامات ودموع» لمكس مولر، بالإضافة إلى ذلك نشرت العديد من المقالات والأبحاث في كبريات الصحف والمجلات الأدبية والفكرية مثل: المقطم، والمحروسة، والزهور، والأهرام، والهلال، والمقتطف.


أما جبران خليل جبران (1883-1924) ذلك الفنان المبدع المتنوع الذي اتقن لغات عده ودرس الرسم والألوان المائيه وقدم ما يزيد عن 700 لوحه فنيه كما أن أعماله الشعريه والقصصيه ماتزال تؤثر في عدد كبير من محبيه وكان قد حقق نجاحا باهرا في عصره على مستوى الروايه والقصص القصيره والأشعار والحكم والفلسفه ، وكان ذا خيال ملهم كتب مقالات فلسفيه في النثر الشعري باللغه الانجليزيه وخرج له عدة كتب باللغه الانجليزيه على رأسها كتابه “النبي ” الذي حاز اعجابا ونجاحا غير مسبوق .
وكانت المراسلات فيما بين مي وجبران قد بدأت عام 1912 حين ارسلت إليه لتعبر له عن رأيها في روايته (الأجنحه المتكسره ) واستمرت المراسلات بينهما لمده تزيد عن 19 عام ؛ وربطتهما مشاعر من الاغتراب والوحده والاحتياج العاطفي .


أما كافكا (1883- 1931) فيعد من أفضل أدباء ألمانيا في فن الروايه والقصه القصيره ووُصفت أعماله بالواقعيه العجائبيه من شدة سوداويتها الى حد أن اصطك مصطلح “الكافكاويه” للتعبير عن الكتابه الممتلئه بالسوداويه والعبثيه ، تناول الاغتراب الإجتماعي والقلق الانساني بشكل مكثف في كتاباته ، وجعله مرضه يعيش بالمصحات بعيدا عن أهله وأحبابه .
و بدأت المراسلات فيما بينه وبين حبيبته ميلينا( 1896 ــــ 1944) عام 1920حتى عام 1923؛ ويبدو أن ميلينا حين تعرفت على كافكا أُعجبت بما يكتب وشجعته على الاستمرار في النشر وعدم حرق كتاباته كما فعل من قبل (يقال أن 90% من كتابات كافكا قد أحرقها هو بنفسه كما تعرضت بعض كتاباته للحرق على يد هتلر )، كما تعاطفت معه لمرضه وبؤسه المعنوي ومزاجه العليل ومن ثم أحبها كافكا وكانت ميلينا مترجمه بازغه وصحفيه وكاتبة مقالات بإحدى الصحف .
عاشت ميلينا في براغ وكانت إمرأه ثائره وأيقونه أدبيه في سياق الحقبه التاريخيه التي عاشت بها ؛ عاشت حياه عاصفه تحولت بعد وفاة والدتها من فتاه مطيعه إلى فتاه ثائره ،ثم ثارت على كل ما لا يعجبها في الحياه ،بداية من أبيها الى تقاليد العصر الذي عاشت فيه إلى حد أن أبيها أدخلها مستشفى للأمراض النفسيه لكي يمنع زيجتها الأولى من رجل يهودي يكبرها في السن ،وعملت ميلينا كحامله للحقائب بمحطات القطارت لكي تنفق على نفسها وتعيش ثم بدأت رحلتها في الكتابه والتحرر بعد تخلصها من زيجتها الأولى التعسه وتزوجت مره أخرى وأنجبت أبنه لكنها وبسبب نضالها ضد النازيه والشيوعيه تم اعتقالها عام 1939بعد احتلال النازيين لما تبقى من تشيكوسلوفيكيا لأنها تعمل في مجله غير مرخصه قانونيا ، فأتُهمت بالخيانه العظمى وظلت قيد الاعتقال حتى ماتت فيه عام 1944،ولم ترى ابنتها إلا مره واحده أثناء المعتقل .
حرصت ميلينا على أن تحيا حياه واقعيه ملموسه وهو عكس ما كان عليه كافكا الذي كان غارقا في خيالاته وأحلام يقظته ومستغرقا تمام الاستغراق في أحزانه والآمه ؛ وكان هدفها الأول من علاقتها بكافكا هو إخراجه من عزلته وتقوقعه ومساعدته على الاستمتاع بالحياه و نلاحظ مدى اختلاف شخصياتهما يظهر ذلك في سطور كتبتها ميلينا إليه قائله :”إن الحياه لساعتين أجدى من كتابة صفحتين !”؛ وعلى ذلك كان كافكا شديد الاعجاب بميلينا إلى حد أنه وصفها بأنها كانت “قوه معطاءه للحياه “وبأنها “نارُ حيه “.


بقليل من التأمل سنجد تشابه كبير بين المبدعين الاربعه (كافكا وميلينا -جبران ومي ) فلقد كان كافكا يحمل جنسيتين الألمانيه و التشيكيه وكذلك الحال جبران الذي حمل الجنسيه اللبنانيه والإنجليزيه ؛ وكان كلاهما كاتبا من الطراز الرفيع ؛ اشتركا في نوع المرض حيث عانا كليهما من مرض السل وهو الذي أدى الى نهايتهما في سن صغيره فمات كافكا وعمره 41 عاما في حين مات جبران عن 48عاما.
تشارك كلا من جبران وكافكا ومي وميلينا في الاغتراب النفسي والجغرافي فهاهو جبران يولد في لبنان ويحيا بإنجلترا ، وهاهى مي تولد بفلسطين وتعيش بلبنان ثم تستكمل حياتها بالقاهره ، وهاهى ميلينا تغترب عن أهلها وتعاني مع زوجها وتشكو لكافكا بؤسها ، الجميع يتشاركون الأسى ؛والكتابه سواء كانت شعريه أو قصصيه أو روائيه ، جميعهم يتراسلون ، ويقعون في الغرام عبر هذه المراسلات ، يعبرون عن مشاعرهم الجياشه في رسائل تحمل خفقات القلب وسقم الجسد وهشاشة الروح ؛ الملاحظ أيضا أن كافكا كان يحمل في قلبه بعض السوء تجاه والده وكان يصفه بانه مستبد وهو ما عانى منه كلا من جبران وميلينا أيضا. تُرى هل يمثل كلا من الأدب والمعاناه والرسائل المشترك الإنساني الذي جعلني أضمهم في سلسلة واحده ؟!


لننظر أخيرا إلى مسألة الخلود: كيف تسنى لهؤلاء المبدعين الأربعه الخلود حتى اللحظه الآنيه ؟ بنظره سريعه سأقول كما قال أرشميدس وجدتها وجدتها : إنها الأنثى ، هى التي أدخلت كافكا التاريخ وخلدت أسماءهم ، فهاهي ميلينا تحتفظ برسائل كافكا على الرغم من الصعوبات الحياتيه التي مرت بها إبان الحرب العالميه الثانيه ورغم ذلك تمنح هذه الرسائل لأحدى صديقاتها المقربات وتطلب منها أن تنشرها حين تسمح الظروف؛ نعم إنها الأنثى !
لو تأملنا قليلا في هذا الموقف سنجد أن السيده ميلينا كانت تمتلك قراءه مستقبليه ورؤيه سابقه لعصرها حيث فهمت جيدا قيمة إبداع كافكا ولهذا حرصت على تشجيعه وترجمة كتاباته ثم نظرتها الثاقبه لهذه الرسائل ورؤيتها بأنها تستحق الاهتمام وتستحق النشر وأنها ستكون ذات بصمه في يوم من الأيام وقد كان ، فلقد أعادت هذه الرسائل كافكا إلى الحياه وجعلت البعض يغرم بشخصية ميلينا التي كان لها كل هذا التأثير على كافكا ؛ وتم نَفض الثرى من فوق جسد كافكا النحيل ليعاد قراءته من جديد من قِبل الأجيال المعاصره ؛ فكيف لنا أن نتجاهل هذا الإعجاز الذي قامت به هذه السيده ميلينا من قبرها وكيف أعادت كافكا إلى الحياه من جديد وجعلت منه شخصا خالدا برؤيتها الثاقبه وعقليتها الناضجه وحبها الخالد.
نستطيع أن نقول بأريحيه أن المرأه حينما تحب حبا صادقا يكون خالدا رغم كل الصعوبات التي قد تواجهها ؛ وتمتلك القدره على تخليد هذا الحب -شرط أن يكون صادقا بكل معنى الكلمه – وهو ما لا يملكه ولا يستطيع القيام به الرجل بأي حال من الأحوال ؛ وهذا ما يجعلنا نتساءل حول رسائل ميلينا إلى كافكا وكيف أضاعها ذلك المحب الكسول ولم نتحصل على رسائل ميلينا اللهم الا نذر يسير منها في حين احتفظت هى برسائله التي تتجاوز المائه في زمن الحرب العالميه الثانيه !
كذلك الحال بالنسبه لرسائل مي إلى جبران ؛ لن نجد إلا القليل والقليل جدا لماذا وفي ظني أن ذلك يعود إلى طبيعة الرجل فهو كسول بطبعه في الحب لن يرهق نفسه في لملمة أوراق لا تُغني ولا تُشبع من جوع كما أن طبيعة حبه استهلاكي أكثر من كونه حبا خالدا!
هذه الملحوظه حول ضياع رسائل كلا من ميلينا ومي الى كافكا وجبران والتي أفسرها بأن الأنثى عادة ما تحتفظ بكل ما تتلقاه من حبيبها في حين لا تلقىَ هداياها أو رسائلها نفس هذا الاهتمام كان قد عَبر عنها الأخوين رحباني بكلمات تغنت بها الفنانه فيروز:
بكتب إسمك يا حبيبي عالحور العتيق
بتكتب إسمي يا حبيبي ع رمل الطريق
وبكرة بتشتّي الدني عالقصص المجرّحة
بيبقى إسمك يا حبيبي وإسمي بينمحى

بحكي عنّك يا حبيبي لأهالي الحيّ
بتحكي عنّي يا حبيبي لنبعة الميّ
ولمّا بيدور السهر تحت قناديل المسا
بيحكوا عنّك يا حبيبي وأنا بِنْتَسَى

وهديتني وردة
فرجيتا لصحابي
خبّيتا بكتابي
زرعتا عالمخدة
هديتك مزهرية
لا كنت تداريها
ولا تعتني فيها
تَ ضاعت الهدية


هكذا هو اذن يكون حب المرأه خالد أما حب الرجل فهو على أقل تقدير استهلاكي لحظي !
وبعيدا عن هذه النظره لعمق عشق الرجل من عدمه،فإن لهذه الرسائل دلالات عميقه أخرى قد تعكس شخصية الرجل المبدع والمرأه المبدعه ؛ والاختلاف الكبير بينهما ، وأرجو ألا يراني البعض متجنيه على كافكا وجبران اللذان لم يكونا مخلصين لحبهما بشكل أو بآخر، ففي ظني أن الأنثى أكثر صدقا في عشقها؛ ودليلنا أننا سنجد سيرة جبران الحياتيه عامره بقصص عشيقات وحبيبات عديدات ؛و كانت علاقته بماري هنسل من أكثر العلاقات التي حيرت الجميع من حيث ماهية العلاقه وشكلها وهل كانت غراميه أم أنها كانت محض استغلال من جبران للوصول إلى نوع من أنواع الاستقرار الذي يحتاجه المبدع لكي يستمر في إبداعه ؛ على الجانب الآخر نجد أن مي كانت صادقه وبريئه في مشاعرها بشكل كبير نلاحظ ذلك في كلماتها القليله التي عثرنا عليها مما ارسلته اليه ؛ والحق أن علاقة جبران بمي مثيره للاهتمام كثيرا وتجبر الانسان العادي على الشعور بالتعاطف بشكل كبير مع شخصيتها الإنسانيه الخلابه والظلم الذي حاق بها واستسلامها لأحزانها التي أدت بها إلى الانهيار العصبي والنفسي .
ولذك ففي ظني أن الأكثر معاناه وظلما في قصص الأربعه هى مي زياده التي ظلت أسيرة العادات والتقاليد العربيه وأسيرة مشاعرها النقيه الشفافه مخلصه إلى أن قادها ذلك الى المرض والإيذاء النفسي البالغ الذي أدى بحياتها فيما بعد ، ويختلف الحال بالنسبه لميلينا حيث أن العادات والتقاليد في النمسا تختلف بشكل كلي عما عاشته مي بالعالم العربي بالاضافه إلى كون ميلينا إمرأه متحرره بالمقارنه بالحقبه الزمنيه التي عاشتها وفي حين كانت ميلينا ثائره على كل القيود المجتمعيه آنذاك كانت مي تدافع عن هذه العادات والتقاليد ولا ترى فيها أي غضاضه وتتماشى معها بكل بأريحيه .
كانت مي جياشة العواطف تجاه جبران في حين تميزت مشاعر ميلينا نحو كافكا بشئ من الهدوء على عكس طبيعتها وهو ما كان يجعله شديد اليأس والحزن حتى أنه كان يشاركها يومياته الحياتيه بكل تفاصيلها لكي يشعر بمشاركتها له في المكان نجد ذلك في قوله :(انك تكونين حيث أكون – وجودك كوجودي وأكثر كثيرا من وجودي .. إن وجودك هنا مؤكد اكثر من وجودي )، وفي رساله أخرى يقول لها :”(ميلينا انت بالنسبة لي لست امرأه انت فتاه لم ار مثلها ،ولست اظن لهذا انني سأجرؤ على ان اقدم لك يدي ايتها الفتاه تلك اليد الملوثه والمعروقه المهتزه المتردده التي تتناوبها السخونه والبروده )، وفي رسالة اخرى يكتب اليها قائلا (انني ارغب رغبة شديده في أن تكوني هنا )، ( انني افتقدك )وكتب إليها 140 رساله في اقل من 10 أشهر من عام 1920وهو ما يدل على حجم الفراغ العاطفي والحرمان والوحده التي كان يشعر بها .
أما جبران فكان مدركا وواعيا لكل كلمه يكتبها إلى مي على الرغم من كونه كريما في التعبير عن عواطفه مع مي فيداعبها بكلمات بريئه وحنونه مثال ذلك يكتب اليها قائلا :(هل تعلمين ياصديقتي انني اجد في حديثنا المتقطع التعزيه والأنس والطمأنينه)؛ و (هل تعلمين أنني أقول لذاتي أن هناك في مشارق الأرض صبيه ليست كالصبايا قد دخلت الهيكل قبل ولادتها ووقفت في قدس الأقداس فعرفت السر العلوي الذي تخفره جبابرة الصباح ثم اتخذت بلادي بلادا لها وقومي قوما لها )وفي رساله أخرى يقول 🙁 ما أجمل رسائلك يامي وما أشهاها فهي كنهر من الرحيق يتدفق من الأعالي ويسير مترنما في وادي أحلامي ).
وعلى الرغم من هذه الكلمات العذبه إلا أنني أصدق مشاعر كافكا وأشعر بمدى صدقه في حبه لميلينا من غرام جبران لمي فلقد كانت رسائل كافكا أكثر عفويه وصدق وتعبيرعن حالته المزاجيه والصحيه والاجتماعيه ؛ في حين كان كافكا كمن يقدم اعترافاته بشكل يومي إلى القس بالكنيسه وهو يكتب و يعترف لميلينا بكل ما يقوم به من أعمال حتى وإن كانت هذه الاعترافات تسئ اليه؛ وكلماته اليها تعبر عن شخص عاشق يرغب حقا في قرب عشيقته والحياه معها ؛ في حين كانت رسائل جبران تعبر عن شخص حرريص على صوره معينه يريد إيصالها للآخر وكلماته المنمقه السحريه التي تداعب خيال مي ورومانسيتها وكأنه فهم مفاتيح شخصيتها جيدا وأخذ في اللعب بمشاعرها الرقيقه على هذا المنوال الرومانتيكي وأجد ذلك في هذه الكلمات ( انت يامي شعب عظيم من الجبابره الفاتحين وفي الوقت نفسه انت ابنة صغيره في السابعه تضحك في نور الشمس وتركض وراء الفراشه وتجني الأزهار وتقمز فوق السواقي وليس في الحياه شئ الذ واطيب لديَ من الركض خلف هذه الصغيره الحلوه والقبض عليها ثم حملها على منكبي ثم على كتفي ثم الرجوع بها الى البيت لأقص عليها الحكايات العجيبه الغريبه حتى تكتحل أجفانها بالنعاس وتنام نوما هادئا سماويا )!
هؤلاء التعساء الأربعه ؛ اشتركوا جميعا في كينونتهم الأولى كأدباء لامعين في عصرهم ، مطلعين على ثقافات مختلفه ، اشتركوا في مشاعر الوحده والتأمل والاغتراب وأحلام اليقظه والانطواء على الذات والمرض والبعد عن الأقارب إما لأسباب اغترابيه وإما بإختيارهم ، متسعي الأفق قراء مؤمنون بالحب والمشاعر الانسانيه الراقيه ، نذروا أنفسهم للأدب والفن والفكر .
تٌرى هل كانت تلك التعاسه التي لاحقتهم بمثابة جناية الأدب عليهم ؟

المراجع :
(1) صورة المُبدع عاشقاً.. شذرات من رسائل العشق التي كتبها الأدباء والشعراء
ترجمة: نصر عبد الرحمن
1- ؛https://nasr1973.wordpress.com/2015/04/27/صورة-المُبدع-عاشقاً-شذرات-من-رسائل-الع/

(2) الشعله الزرقاء رسائل جبران خليل جبران الى مي زياده ، تحقيق سلمى الحفار الكزبري ود.سهيل ب.بشروني ، نسخه pdf
(3)مي زياده مأساة النبوغ: سلمى الحفار الكزبري ،مجلد 2، مؤسسة نوفل ، بيروت ،1987 الطبعه الأولى .
(4)/www.hindawi.orgمي زياده
(5)https://www.abjjad.com/author/6805395/مي-زيادة/books


*كاتبه وأكاديميه مصريه

شاهد أيضاً

صفاء عبد السلام *:وعي ولا وعي (2)

وعي ولا وعي (2) على الجانب الآخر منذ أن أمر الله تعالى نبيه محمد صلى ...