الرئيسية / أخبار ثقافيه / صفاء عبد السلام*:التجديد الفكري بين الخلاف والاختلاف

صفاء عبد السلام*:التجديد الفكري بين الخلاف والاختلاف

نشأ العلماء العرب الأوائل نشأة علمية كان لها الأثر البالغ في كل أمور الحياة على وجه البسيطة وخاصة العلماء في الدين الذين قاموا على دراسة العلوم الشرعية دراسة نقدية قائمة على منهج فكري فلسفي قائم على الاستدلال والاستقراء لنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة استطاعوا من خلالها تدشين مذاهب فقهية رصينة قامت على استنباط الآراء الفقهية التي اختلفت من مذهب لآخر وفقا للرؤية الفلسفية من كل مذهب للإشكالية موضع البحث وإرساء تلك الأراء لتكوين مذهب فقهي, والمميز في الأمر أن بعض مؤسسي تلك المذاهب قد تتلمذ بعضهم على يد البعض, فعلى الرغم من قوة الإمام مالك الفقهية والتي أكدتها المقولة الشهيرة ” لا يفتى ومالك في المدينة” إلا أن تلميذه الإمام الشافعي قد اختلف معه في رؤيته لبعض المسائل الفقهية, فقد وضع التلميذ مذهبا فقهيا اختلف في بعض من تصوراته مع مذهب معلمه, بل إن أصحاب المذهب الواحد من تلامذة الأئمة اختلفوا مع بعضهم البعض في تصوراتهم لبعض المسائل الفقهية بحسب استنباط كل منهم ورؤيته الفلسفية المستمدة من تأويل الدلائل المتعلقة بالإشكاليات موضع البحث وبالرغم من ذلك فنحن نأخذ بهذه الآراء الفقهية ونقبل بالاختلاف بينها دون جدال أو شك, وإنما يتأتى ذلك من منطلق الثقة الكاملة في الخلفية المعرفية الشاملة التي يتمتع بها هؤلاء الأئمة ومن تبعهم وأيضا قبول الاختلاف في الرأي دون الخلاف مع صاحبه؛ فمن الأقوال الشهيرة للإمام الشافعي: ” رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب” في إشارة منه لقبول الآخر ونقده البناء.
وعلى مر التاريخ العربي الإسلامي انشغل العلماء في الدين بوضع لمساتهم الإصلاحية المواكبة لطبيعة كل من مكانهم وزمانهم ومن أبرزهم بعض العلماء من الأزاهرة في التاريخ الحديث أمثال جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده (الذي اختلف معه أيضا في رؤيته لكيفية التجديد والإصلاح) ويبدو كالعادة أن البعض لم يسعه فهم ما يسعى إليه هؤلاء الإصلاحيون فقذفهم بالكفر والإلحاد, وعلى الرغم من ذلك استمر هؤلاء العلماء في محاولاتهم, فالتجديد سمة كل عصر وحتى يومنا هذا وما سيليه وإن لم يشعر به البعض ولكن مع اختلاف الخلفيات المعرفية والثقافية للشعوب العربية المواكبة للعصر. ولو أن هناك بعضًا من أهل العلم قد اكتفى فقط بتأييد محاولات التجديد وإلقاء مسئولية التجديد على كاهل أصحاب الفكرة مع وضع بعض التوجيهات, وأيضًا منهم من يؤيد التمسك بالقديم حتى لا يتكبد عناء البحث, وقد انقسم كل منهم إلى فريقين ما بين مؤيد كل التأييد وبين معارض كل المعارضة بدون تحليل لعناصر الإشكاليات والخروج برأي علمي ذو خلفية مبنية على التحقق الجيد من الأسباب التي أدت لهذا الرأي, ما أدى بشكل ما لنوع من الإنحدار الفكري المتدرج, وربما يتأتي هذا التدرج نحو الإنحدار في التجديد الفكري عموما والديني بوجه خاص لعدة عوامل من أهمها الإهمال الملحوظ لدى المؤسسات التعليمية بجميع أطيافها في القيام بدورها الهام والفاعل في تأسيس عقول تستطيع التناول النقدي للإشكاليات, وقد ترتب على ذلك غياب الهوية اللغوية للغة العربية الفصحى وجهل البعض بأسرار اللغة ومعانيها المتعددة وفروعها المتشابكة الأركان والتي لا يستطيع أي عالم أو مفكر سبر أغوار أي إشكالية دون الإلمام بتلك الجوانب اللغوية جمعاء, وأيضا ربما هناك بعض الخوف من المساس ببعض المسائل التي صارت نبراسا يسير على هديه الباحثين, فيحمل المجدد على كاهله مسئولية تجديده واحتمالية الهجوم والنقض دون نقد بناء للرأي, وفي خضم كل هذه الأحداث هناك دائما شعاع أمل ينبض بحياة جديدة لرؤية فكرية حيادية نابعة من إيمان مطلق بوجوب التخلص من كل ما هو جامد وتعد كحجر ألقاه مجددوا العصر في ماء راكد.

*باحثة دكتوراه /مصر

شاهد أيضاً

محمد ناجي المنشاوي * قصيدة النثر:موت الموسيقا ووأد الذائقة العربية

ولدت مااصطلح عليه كتابها (من باب الاستيراد) ب (قصيدة النثر) في وادي التيه أشبه بوليد ...