الرئيسية / أخبار ثقافيه / محمد جاءبالله */فيروس كورونا بين المؤامرة والواقع

محمد جاءبالله */فيروس كورونا بين المؤامرة والواقع

عندما نسمع كلمة وباء أو أوبئة يتبادر إلى الذهن أننا نتحدث عن عصر بائد أو قرن بعيد لكن حال الواقع ولسان البشر تخرج منه تساؤلات عديدة وحيرة لا مرد لها من أجل فهم وباء اجتاح البشرية مؤخرا مستفتحا شهيته بأكثر دولة سكانا ألا وهي الصين. هذا الوباء الجديد في توغله وسرعة انتشاره والقديم في تركيبته الأوليّة بحيث أظهر أنّه فيروس ذكي قادر على التطوّر وإن لم نكن محظوظين فقد نشهد موجة ثانية تعصف بغالبيّة سكّان العالم. فرغم أن الفيروس التاجي لم يعرف فرقا ولم يشهد تفسيرا عنصريا إلا أن عديد الدول وان كانت تعد على الأصابع استطاعت محاصرته بإجراءات بسيطة لا تشوبها تعقيدات موجودة في دول أخرى أكثر تقدّما.

منذ ظهور الحرب البيولوجية في فترة الحرب العالمية الأولى وما ترافق معها من صنع للغازات السامّة التي استعملت ضدّ مدنيين وعسكريين على السواء. فإنّ هذا النوع من الحروب المباغت وما تحيط به من ألغاز وتفسيرات أحيانا تناقض العلم أضحى مبحث الكثيرين عالمهم وجاهلهم، كبيرهم وصغيرهم وبالتطوّر الذي شهدته أنواع الحروب وأشكالها، يطرح سؤال منطقي وغريب في آن واحد حول فرضيّة صناعة البشر لهذا النوع من الفيروسات خاصّة وأنّ تجارب عديدة أجريت في هذا الإطار وتوجد أماكن مخصّصة لذلك حيث لم يعد شيء يخبّأ في زمن يفظح فيه أحدهم الآخر بمجرّد إختلاف المصالح ونشوب صراع.

السياسة ليست كلّ المعلن وان كان جزء كبير منه بشكل أو بآخر . إنّ الدعاية والدعاية المضادة التي تقوم عليها السياسة خاصّة عند نشوب الأقطاب والثنائيّات تجعل من الإنسان يضع نظرية المؤامرة كإفتراضية وراء أشياء كثيرة تحدث من بينها الأمراض والأوبئة. فالتناطح الذي نشب مبكرا بين الصين التي تسير في طريق النموّ الإقتصادي الكبير والسريع لتتبوّا المكانة الأولى عالميّا والولايات المتحدة التي تسعى جاهدة لإجهاض يقظة التنّين دفاعا عن تفرّدها بتحريك عجلة العالم من جميع النواحي الإستراتيجيّة، دغدغ نفوس الكثيرين الذين ينبشون في أعماق النوايا ويفسرون تارة وفقا للممكن حدوثه ويسرحون في ما تيّسر لهم من خيال تارة أخرى حول إمكانية نشوء مؤامرة تكتيكيّة أي تكون محدودة في دولة أو قارّة أم استراتيجيّة حيث تكون شاملة وتسبق بذلك الأزمة الاقتصادية المنتظرة التي بشّر بها أهل الإقتصاد والخبرة. وبأيّ حال من الأحوال يجدر القول أن العالم مقبل على مشاكل مناخيّة واقتصاديّة بشكل أبرز إظافة للحروب وإذكاءالصراعات وهو ما يتناقض مع دعوة البعض لعالم مترابط وموحد نتيجة لإقتصار المسافات بفضل التطور التكنولوجي السريع والمباغت.

وبنفس السرعة التي تباغتنا بها تطوّر الوسائل الحديثة وإنتشار المعرفة، تفاجئنا أيضا الأعداد المهولة التي تزداد يوميّا نتيجة لتسارع العدوى رغم وعي الناس بوسائل الوقاية والتباعد الاجتماعي وكذلك إنقشاع الغموض ولو جزئيا عن تركيبة الفيروس وتحول العدو اللامرئي من مجهول إلى معلوم.لقد بلغ العدد المهول حوالي واحد وعشرون الف إصابة وسبعمائة ألف في ما يخص عدد الوفيات. لكن رغم ذلك فإن الأمر المفرح أنّ هناك تطور مسبوق في عالم الطبّ والجينات ما يجعل مكافحة الفيروس ذات جدوى على عكس ما عاشته البشرية حيث وصلت عدد إصابات الأنفلونزا الإسبانية حوالي مائة مليون وهناك من يرجح وصولها إلى خمسمائة مليون وهو ما يفوق عدد ضحايا الحرب العالمية الأولى التي اندلعت بين قوات المحور وقوات الحلفاء في تحالفات تختلف نسبيّا مقارنة بالحرب الثانية. فتركيز الأمم على تطوير اقتصادها وجنوحها للسلام رغم الاضطرابات القائمة والصراعات على الثرورات الطبيعة إلا انّ النظرة الربحية المبالغ فيها المرافقة للرأسمالية والنيوليبيراليّة على حساب كرامة الإنسان وإنسانيّته.

فالعالم يختلف حتى في تحديد مصدر الوباء ووقت نشوءه او أكثر وضوحا هناك دائما عوامل تضيفها الدول لتعميق الغموض والدوران في حلقة مفرغة حيث ذكرت العديد من الصحف العالمية والعربية أن جهاز المخابرات المركزية المعروف اختصارا باسم ” سي أي آيه ” حيث من المفترض أن يكون خبرا رسميا نابعا من الجهة نفسها، أنّها رصدت تحركات كثيفة حول مخبر طبي في مدينة ووهان الصينية التي كانت الشرارة الأولى لانتشار كوفيد19، ما يطرح الأسئلة حول فرضية إجتياحه الصين في وقت مبكر مع ما يترافق من اتهامات لها بعدم الإعلان عنه مبكّرا. لكن يبقى هذا الكلام مكبلا بالصراع بين الأقطاب وتسيّد العالم ما يجعل الحقيقة شبه منعدمة وتحتاج لمسح الغبار عنها.

اعتقد أن إجتياح فيروس كورونا للعالم مؤخرا وتناميه بشكل مخيف يحمل في طياته الكثير من الفوائد للجميع حيث يمكن أن ندرك أن العالم كان مشرفا على حروب لا نعرف شكلها بالتحديد لكنها حروب مدمرة قد تجوع أمم وتفتك باخرى. وكأنّ رسالة الوباء للعالم تتضمّن حكمة للناس بأن يحاولوا دائما مع بعض قبل إشهار الأسلحة في وجه بعضهم البعض لأنّ مصير الأرض واحد والمصلحة مترابطة وهذا ما أثبتته التجارب التاريخية والتلاقح الثقافي والحضاري بين الشعوب المختلفة.

وبما أن العلاقات بين دول العالم وشعوبها تحكمها المنافسة والرغبة في كسب الأسبقية فإن إعلان الكثير من الدول عن لقاحات مبكرة يدخل في باب ترسيخ الفكرة في الذاكرة الجماعيّة وكأن لسان الحال يقول انا الأول الذي بدأت الاختراع!. ويبقى الأخطر على الوعي الإنساني هو مدى استغلال الدول لهذه الجائحة في تحقيق مآربها خاصّة وان العالم اليوم تلوّث بالإبتزاز واسترجاع أحقاد دفينة من الماضي.مهما تراوحت التساؤلات التي تغذّيها المعرفة السريعة حول الفرضيات التي ترفع صوت المؤامرة كسبب للوباءأو الفرضيّات الأخرى التي تعتمد الواقعية وتحلل وفقا للمعطيات المتوفرة فإنّ السؤال الأهمّ والأبرز، ماذا تعلّمنا من كورونا ؟ وهل سيكون للدول العربيّة باع في هذا الصراع العالمي ؟

*باحث تونسي

شاهد أيضاً

صفاء عبد السلام *:وعي ولا وعي (2)

وعي ولا وعي (2) على الجانب الآخر منذ أن أمر الله تعالى نبيه محمد صلى ...