الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.عماد غنوم* /عندما يحرمنا المركز من كل شيء خارجه

د.عماد غنوم* /عندما يحرمنا المركز من كل شيء خارجه

يركز النقد اليوم في بعض جوانبه على أشكال الخطاب ويقارن بين ما يسميه خطاب المركز وخطاب الهامش، وإن كانت نظرية المركز والهامش ولدت بفعل آثار العولمة التي طرحت نفسها بديلاً عن التنوع الثقافي، واكتساح الهوية الحضارية للشعوب، فشاع الحديث عن الصدام الحضاري ونظرية المركز والهامش أو الأطراف، التي وظفت لدى العديد من المفكرين شرقًا وغربًا، وهذا ما ولد تساؤلات جوهرية: ما مصداقية موضوع تواصل الثقافات في عصرنا وآفاقه في ظل ثقافات تمارس الاستعلاء على بعضها الآخر؟ وما حقيقة التواصل في كنف ثقافات تؤججها مواقف إيديولوجية متصارعة؟ وكيف يمكن أن نقيم حوارًا بين طرفين غير متكافئين؟ هل يمكن تحقيق تواصل قادر على إقامة جسور من التفاهم تتجاوز الصراع؟ وتقوم على مبدأ الإيمان بالتنوع بدل لغة الهيمنة والإلغاء التي يمارسها الآخر؟
إن هذا الشكل من نقد الخطابات الثقافية يمارس اليوم في محاولة تفكيك الخطاب الغربي أو بالتحديد الكولونيالي في الغرب، لكن بإمكان هذا الخطاب النقدي أن يتسع ليشمل أشكال الخطاب المتباين تجاه بعض الأجناس أو الأعراق داخل الدولة الواحدة، كما هي حالة السود في أميركا في منتصف القرن العشرين، حيث شكل وجودهم حضوراً هامشيًا إذا ما قارناه بالحضور المركزي للبيض، وتفوق خطابهم الثقافي والسياسي. ويمكن القول حول جدلية المركز والهامش في الدولة الحديثة بأنها منهجياً، الوضعية التاريخية للدولة التي تجمع فيها كيانات متنوعة ثقافيًا ومتمايزة عرقيًا ومختلفة دينيًا ومتفاوتة تاريخيًا، في شكل الدولة الحديثة. وتقول الفرضية أنه غالبًا ما تقوم بعض هذه الكيانات بالسيطرة على جهاز الدولة وتستثمره إقصائيًا على مستويات عديدة، وتتحول المحددات الثقافية من لغة وآداب وفنون وعادات وتقاليد وعقائد وتراتبيات اجتماعية إلى أسلحة أيديولوجية، ويتمفصل العرق واللون مع الطبقة وتقسيم العمل، والديني مع السياسي، والمذهبي واللغوي مع الاجتماعي، وتكون النتيجة وضعية تاريخية مأزومة ويكون الصراع فيها صراعًا شاملاً، صراع هويات ضد هويات، صراع كل ضد كل، صراع ثوابت ومتحولات عند كيان اجتماعي ما ضد ثوابت ومتحولات عند كيان آخر. هذه الوضعية نسميها جدلية المركز والهامش التي هي ليست بالضرورة قائمة على البعد الجغرافي، بل هي جوهريًا تمركز وتهميش عرقي وثقافي وسياسي واقتصادي وديني. وقد تأخذ أبعادًا مذهبية في الدين الواحد، وتتطور بإعادة إنتاج نفسها في شكل أزمات متصاعدة. وتتعارض هذه الوضعية التاريخية جوهريًا مع الديمقراطية والتنمية مما يقود إلى أقصى تجليات أزمتها في الحروب وأزمات الهوية.
لقد شاهدت مؤخرًا فيلم ديزني مولان وهو فيلم تم إعادة إنتاجه عام 2020 يلكون نسخة واقعية من فيلم ديزني الأصلي مولان، يجسد الفيلم قصة البطلة الصينية مولان التي تذهب إلى الحرب بدلاً من والدها المصاب متنكرة بزي رجل لتحمي شرف عائلتها التي سيلحق بها العار إن لم تقاتل دفاعًا عن الأمبراطور، قصة الفيلم صينية بامتياز وتجسد أسطورة أحد أبطال الصين، وذلك بغض النظر عن التعديلات التي أدخلتها شركة ديزني على القصة الأصلية بهدف الإثارة السينمائية.
لقد حاولت الشركة المنتجة إظهار العديد من ملامح الثقافة الصينية كالأزياء والمباني وبعض العادات والتقاليد إلاّ أن هوليوود قدمت لنا فيلمًا صينيًا بلغة إنكليزية وهي بهذا تعكس الثقافة المركزية المسيطرة على العالم وهي الثقافة الغربية متجسدة بلغة العالم المهيمنة وهي اللغة الإنكليزية، بالإضافة إلى اللغة التي تبدو شاذة في سياق القصة فقد قامت هوليوود بحشر بعض الممثلين من ذوي الأصول غير الصينية، مع أنها اعتمدت في الغالب على ممثلين من أصول صينية، وقد بدا شكل هؤلاء نافرًا في المشهدية العامة للفيلم يضاف إلى ذلك أن قصة الفيلم جاءت رخوة وغير مقنعة بسبب إدخال هوليوود لبعض قيم الثقافة الغربية المهيمنة في العالم الغربي المركزي اليوم ولا تمت بصلة إلى ثقافة العالم بصلة لاسيما في الشرق والصين خصوصًا في زمن قصة الفيلم كالإشارة إلى قضية النسوية التي لا تشبه زمان سرد قصة الفيلم.
في الواقع إن هوليوود تمارس في خطابها السينمائي الهيمنة ونشر ثقافة المركز ( الحضارة الغربية الحديثة) منذ عقود، ولا تكتفي بذلك بل هي تشوه ثقافة الهوامش المتعددة وتبرزها بشكل دوني ولا إنساني، كصورة العربي والمسلم اليوم التي تتجلى في السينما العالمية بمشاهد العنف والإرهاب وقمع المرأة فضلاً عن صورة المدينة العربية في أغلب إنتاجات هوليوود كصحارٍ يعتمد الناس فيها في التنقل على الجمال، فالنظر في أفلام هوليوود يؤكد على إهانة الثقافات خارج المركز.
أما آخر تجليات هذه الهيمنة فهو قرار لجنة جائزة الأوسكار الجديد المتعلق بشروط ترشيح الأفلام للجائزة الأشهر عالميًا، حيث وُضعت هذه الشروط كمعيار لترشيح الأفلام لهذه الجائزة والتي سيتم تطبيقها ابتداءً من عام 2024 والتي تنص على أنه لا يحق لأي فيلم الترشح إلى الجائزة إلا إذا أشار إلى أحد القيم التالية: (النسوية، المثلية الجنسية، الملونون والأقليات)، وصحيح أن هذه القيم تأتي تحت شعار محاربة العنصرية إلا أننا لا ننسى أن العنصرية بحد ذاتها هي قيمة ثقافية تعني المركز. إن هوليوود تمارس فعل التبشير وتفرض على العالم اتجاهات ثقافية لا تتناسب مع المجتمعات خارج المركز، الأمر الذي دفع الممثلة المخضرمة كريستي آلي إلى مهاجمة هذه القوانين قائلة:” هذه وصمة عار على الفنانين في كل مكان .. تخيل أن تخبر بياسكو بما يجب أن يكون في لوحاته؟! هل فقدتم عقولكم؟!” ولو طبقنا هذه المعايير الجديدة لما كان الفيلم الكوري “طفيلي The Parasite 2019” لينال جائزة الأوسكار على الرغم من عمق الفكرة الانسانية التي تقدمها.
لا أدري لم لا تطلع علينا هوليوود بأفلام من مختلف الثقافات ومختلف اللغات، ولا أدري لماذا نشاهد في الأفلام الولايات المتحدة وبريطانيا وبعض أوروبا الغربية كعواصم متحضرة، فيما بقية العالم تعيش عصور الظلام؟! حتى أفلام السير الذاتية التي ازدهرت كثيرًا في الآونة الأخيرة، تعرض في معظمها لشخصيات أدبية وفنية غربية، ربما لم يسمع بها البعض لولا هوليوود مثل “فيلم Rebel in the Rye 2017 ثائر في حقل الشوفان” الذي يحكي قصة الكاتب جيروم ديفيد سالينجر وهو أحد الكتاب الأميركيين البارزين، ولكن شهرته غير عالمية. وهناك أمثلة عديدة لا مجال لذكرها عن شخصيات غربية تسوق لها هوليوود دونًا عن سواها. فهل تريد هوليوود أن تسمع خطابًا واحدًا لكل العالم؟!
تنسى هوليوود أو تتناسى أن السينما عمل فني إنساني وليست تبشيرًا ثقافيًا، وأن الأعمال السينمائية الخالدة هي التي تجسد قيمًا إنسانية شاملة بغض النظر إلى أي مجتمع انتمت، وربما على هوليوود أن تدرك أن العولمة لا تعني إلغاء الآخرين أو تذويبهم في ثقافة المركز، بل هي تعني احترام جميع الثقافات واحترام الإنسان أنَّى وجد فالإنسان هو وحده الثابت والقيمة المطلقة في هذا الوجود.
* أستاذ جامعي وباحث أكاديمي

شاهد أيضاً

صفاء عبد السلام *:وعي ولا وعي (2)

وعي ولا وعي (2) على الجانب الآخر منذ أن أمر الله تعالى نبيه محمد صلى ...