الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.فاطمه الحصي* مجانية عبد الناصر

د.فاطمه الحصي* مجانية عبد الناصر

كان التعليم قبل الثوره قاصرا على القادرين بإستثناء الازهر والكتاتيب التى كانت تعمل على تحفيظ القرآن وتعليم اللغه العربيه ؛ مع تولى عبد الناصر قياده الدوله وضع مشروعا قوميا لمصر؛ لأنه آمن بأن بناء دوله قويه يعنى ركيزه تعليميه قويه ؛ من أجل ذلك أوكَل وزاره المعارف العموميه الى كمال الدين حسين الذى تحولت الوزاره معه الى مسمى آخر هو وزاره التربيه والتعليم.،ودعم عبدالناصر المخصصات الماليه للتعليم وذلك ببناء عدد كبير من المدارس الابتدائيه والاعداديه والثانويه لمواكبه الزياده السكانيه ؛ وجعل الزعيم التعليم الجامعى تحت اشرافه وذلك لايمانه بأن طلاب الجامعات هم الوقود المحرك لبناء الدوله ،كما اهتم بالمرحله الثانويه وحرص على تنظيم الكشافه ،،والجواله ،،ومنظمه الشباب لكى يشاركوا بها ؛ كما ادخل التربيه العسكريه فى المدارس الثانويه بعد هزيمه ٦٧؛ بالاضافه الى التوسع فى انشاء مدارس جديده فى القرى الكبرى والمناطق ذات الكثافه العاليه وكانت الحمله الشهيره ب(مدرسه كل ثلاثة أيام ) ،كما توسع فى انشاء المدارس الفنيه والصناعيه والتجاريه لتخريج شباب صغير السن يعين فى الجهاز الادارى للدوله او فى مصانع القطاع العام بمجرد تخرجه؛ وأكاد أجزم أن فتره عبد الناصر هى فتره نهضه تاريخيه فقد جعل التعليم محورا لسياسات الدوله وتعامل معه كونه قوميا تنمويا .
كرس عبدالناصر مجانيه التعليم بأعتبارأن التعليم أحد عوامل العداله الاجتماعيه ،وحرص على تعليم الفتاه وقضى على فكره التمييز في التعليم بين الرجل والمرأه ،وخير مثال على ذلك حرصه على تعليم بناته ؛ وأصبحت احداهن الان هى الاكثر بحثا وتنقيبا فى تاريخ والدها ؛ الدكتوره هدى عبد الناصر التي أصدرت حول والدها العديد من الكتب أى أنه الآن يجنى ثمار حرصه على تعليم المرأه بلا تمييز ؛ وفي زمنه أيضا تم الربط فى السياسه التعليميه بالمرحله الناصريه بين التعليم والتطوير وسجلت أعلى نسبه إلتحاق بكليات الهندسه فى عهده .
مكن عبد الناصر الطبقات الفقيره من دخول التعليم ،ونظم بعثات خارجيه للأطباء والمهندسين ونلاحظ بصمات هذا الجيل في أسماء علماء ومثقفيين محترمين أصحاب بصمات على الحياه العلميه والثقافيه المصريه ! و ما يشد الانتباه أن كل من نجده يعمل بهمه ونشاط واتقان وحب لهذ البلد تجده من الجيل الذى تربى على السياسه التعليميه للفتره الناصريه ..تلفت حولك وستجد ما أقوله حقيقه وليس خيال !
هَدفتْ المجانيه إلى إكتشاف الإمكانيات الفرديه لكل مواطن مصري ،فالجميع بلا استثناء له الحق فى التعليم ،ومن واجبات الدوله منح الجميع هذا الحق ،وما على الفرد او الاسره التى ترعاه سوى الاهتمام بصقل ما قُدم إليه بالمدرسه ودفعه فى الاتجاه الذى يحلم به .
المجانيه ضروره للفقراء والمحتاجين ،فهى المصباح او الكاشف للجواهر التى باعماق النفس البشريه ،وهى المؤشر على استعدادهم الابداعى والعلمى .وقد حققت هدفها الحقيقى باتاحه الفرص للفقراء وابناءهم بالتعليم بل وحققت الهدف الخفى من كشف مواهب علميه وادبيه وفنيه الى اخره .
فلماذا نلصق بها الآن الاتهامات والتي على رأسها أنها السبب وراء انتاج جيل من أنصاف المتعلمين الى آخر قائمه الاتهامات ،؟!

إن السبب الحقيقى وراء إخراج التعليم المصري لأنصاف المتعلمين الآن يكمن فى أن المجتمع المصرى يعانى مشكله تجريف وتفريغ أى مشروع قومى من محتواه ومضمونه! فماذا تنتظرون من مشروع مشوه إلا أن ينتج متعلم مشوه !
اننا فى الحقيقه متخصصون فى تفريغ كل قيمه بناءه من مضمونها مع الابقاء على الهيكل العام لها ولست أدرى سببا لذلك اللهم الا أن تكون عمليه ممنهجه لاسقاط الدوله وايقاع المجتمع فى غياهب ظلمات الجهل والفقر والتأخر التكنولوجى الخ الخ….لذا فالمجانيه بريئه مما تلصقونه بها !..
ينسحب هذا الحديث أيضا على التعليم الجامعي ؛ ولا أنسى ما أخبرتني به إحدى عميدات كلية الاعلام بإحدى الجامعات الخاصه أن الطلاب يأتون الينا وقد مُسحت ادمغتهم بشكل كامل ؛واصبحوا مبرمجين على شكل معين للمذاكره هو شكل الامتحان التقليدي واللجوء الى الدروس الخصوصيه وحفظ كلمات معينه لإجتياز الامتحان والاسئلة المتوقعه والاجابات النموذجيه والمذكرات المختصرة الى اخر كل ذلك الارث الذي يتناولونه كالوجبات السريعه من المدارس ومراكز الدروس الخصوصيه والمدرسين!
وعلينا أن نتساءل اذا ما استمر الحال على ماهو عليه في التعليم ما قبل الجامعي والجامعي ؛ماذا ننتظر من أجيال المستقبل سوى ان يصبحون صورا مكروره مقلده تماما كمذكرات ليلة الامتحان واخراج أجيال ليس لديها أدنى فكره عن الوطن لا جغرافيا ولا تاريخيا ؛ وسيكون الانتماء للوطن حُلما لا يمكن الوصول اليه ؛والدين الوسطي الذي لطالما تعنينا به سيتحول إلى مجرد فكره كالسراب ؛أما العقليه التي ستحكم البلاد فستكون رأسا بلا عقل ولست أتجنى هنا فنحن أصبحنا الآن نحصل على الشهاده ولا نتعلم وما ألفت النظر اليه للمره الألف هى أساليب وطرق التفكير التي لا يعرف عنها التلاميذ شئ ؛ فالطفل الذي لا يملك أهله ذهنيه مستنيره لن يجد من يوجهه ويرشد عقله في المدارس المنتشره الآن لأننا نفتقد الى فلسفة الدوله في التعليم !
وليس خافيا أنه تم تفريغ التعليم الجامعي من معناه ومن هدفه الأساسي العميق ، وأصبح مجرد شهاده ورقيه يحصل عليها الطالب ولا يستفيد منها بأي شئ ؛ فلا يفهم التلميذ كيف يفكر بإسلوب التفكير العلمي السليم ولا يتعلم المنطق المنهجي ولا يكتسب القدره على التفكير النقدي العميق وهو ما نحتاج اليه بحق في مجتمعاتنا ؛ أي ان الطالب يدخل الجامعه ليخرج منها بلا أدنى استفاده اللهم الا بعض التشوش الفكري والديني و الاخلاقي .اذن فالمسأله لا علاقة لها بالمجانيه والدليل هو أن هذه النوعيه تتخرج من جامعات دوليه أو ما يسمونها ب”ناشيونال” أو “انترناشيونال “، ويدفع الأهالي مبالغ لا يتخيلها عقلي في مقابل حصول الفتى والفتاه على ورقه تسمى شهاده دوليه ولكن ذهنيته وطريقة تفكيره لا تختلف بأي حال من الأحوال عن ذهنية التلميذ الذي يلهو دون الذهاب الى مدارس على الإطلاق ، وحين نناقش المسأله التعليميه لا يجد البعض ردا سوى عبارة حفظوهاعن ظهر قلب :” لولا سياسة عبد الناصر في المجانيه ما وصل حال مصر إلى ما وصلت اليه !!” وهى عباره تعكس سطحيه ؛ وصار من المعتاد هجوم فئه كبيره على عبد الناصر وسياساته لا لشئ الا لأنه سعى إلى تعميم التعليم للجميع بالمجانيه وأن هذا هو السبب الأول لتدني احوال التعليم والمتعلمين في مصر وكأن المشكله في الكم وليس الكيف أي ما نقدمه لهؤلاء المتعلمين !
الحق أن علينا إعادة النظر في نوعية التعليم المقدم في المدارس الحكوميه وغيرها من أنواع المدارس التي انتشرت وتشعبت بشكل غريب وأصبحت خارج سيطرة الوزاره بل والدوله في بعض الأحيان لأن هذه المدارس هى البوتقه التي يتم فيها تدجين البشر دينيا وسياسيا وثقافيا .وأعود وأكرر أنه بدلا من الهجوم ضد المجانيه علينا النظر في فلسفة الدوله التعليميه وآلياتها وسياساتها التعليميه .
*أكاديميه ورئيس تحرير موقع هوامش تنويري

شاهد أيضاً

صفاء عبد السلام *:وعي ولا وعي (2)

وعي ولا وعي (2) على الجانب الآخر منذ أن أمر الله تعالى نبيه محمد صلى ...