الرئيسية / أخبار ثقافيه / محمد ناجي المنشاوي * قصيدة النثر:موت الموسيقا ووأد الذائقة العربية
محمد ناجى المنشاوى

محمد ناجي المنشاوي * قصيدة النثر:موت الموسيقا ووأد الذائقة العربية

ولدت مااصطلح عليه كتابها (من باب الاستيراد) ب (قصيدة النثر) في وادي التيه أشبه بوليد لقيط لفظته الذائقة العربية منذ ولادته الأولى التي حملت بذور تناقضاتها من حيث التسمية والشكل والمضمون الذي هو في معظمه ركام من غبار يغيم الرؤية ويعمي البصر و يفسد العقول لما يحتويه من سوقية التعبير وسقم الخيال وبرود العاطفة والوجدان والمنسلخ من هويته العربية ومخزونها الجمالي، ولم يعرف تاريخ الشعرالعربي بمراحله المتوالية أكذوبة رائجة مثل تلك الأكذوبة التي روج لها أول ماروج محررو مجلة شعر البيروتية وما إن بدأ الترويج لقصيدة الغبار تلك حتى تلقفها بشوق (وفق قناعات مختلفة ومتباينة) شعراء ومتشاعرون وشاعرات ومتشاعرات، وأخطر مافي هذه الظاهرة أن التف حولها حشود من مراهقي الكتابة في الوطن العربي من أولئك الذين لاعلاقة لهم بالشعر من بعيد أو قريب وإنما فقط هم يحسنون الإملاء الكتابي أو الكتابة الإملائية اما نحو اللغة وصرفها ومنطقها فهم بعيدون كل البعد حتى أن معظمهم حين يهم بإصدار ماكتبه من ذلك الهذيان فإنه (وياللعار) يلجأ إلى مدقق لغوي وهذا إجراء ينم عن ضحالة تفجر السخرية فكيف لشاعر بصفة خاصة يستعين بمن يصوب له ويدقق؟ فإذا كان وهو يزعم أنه شاعر ولايتقن قواعد التي يكتب بها فماذا تبقى له؟ وماذا بقى له من حياء؟ نعم يمكن لكاتب في جنس أدبي آخر كالقاص والروائي والمسرحي وكاتب المقال والباحث أن يلجأ إلى هذا السلوك ولاعيب في ذلك،، أما أن يجعل من نفسه شاعرا ويلجأ إلى هذا المسلك فهذا هو المأزق الحقيقي ولاسيما انه يزعم أنه مالجأ إلى قصيدة النثر إلا لأنه حداثي ومجدد و لاحاجة له في وزن ولاتفعيلة، والحق انه مافعل ذلك إلا لجهله بقواعد اللغة وعدم موهبته الشعرية التي أول علاماتها العلم بالوزن الشعري، أما غير ذلك فلاتحدثني عن شاعر مهما بلغ صيته وصوته ومهما كانت مكانته في الصحافة الأدبية، فالوزن الوزن الوزن، فأني لشاعر في عوز لمدقق لغوي أن يستقيم له الوزن الشعري والذائقة الموسيقية (بالطبع ليس من بين هؤلاء زمرة الشعراء المتحولون من قصيدة التفعيلة إلى المدعوة بقصيدة النثر)، وعندما تطالع ديوانا لواحد من هؤلاء وهم كثيرون ومتبعثرون ومنتشرون في كل الصحف والمجلات، فلن تجد إلا نصوصا عجيبة يطول فيها صاحبها سطورا ويقصر أخرى دون ضابط حتى أنك إذا قمت بإعادة ترتيب ووصل لهذه الجمل والعبارات والسطور فستجد نفسك أمام نص منثور بعثر صاحبه سطورا متفاوته طولا وقصرا لإيهام قارئه أنه نص شعري، والأشد سخفا من كل ذلك أن هذا النص اعتباطي ويعتمد على المجانية كما يقول عنه أصحابه، ومن ثم سوف تخرج من قراءة النص الغبار هذا خالي الوفاض، فأنت أمام لغة لاتنتمي للغتنا الجميلة يصفها أصحاب قصيدة النثر بأنها اللغة المتفجرة أو هم الذين يفجرون هذه اللغة ، تحت زعم الحداثة التي أولها أصحاب تلك القصيدة تأويلا مغلوطا ومشوها لخدمة غايات وأهداف لهم فحسب لا لغيرهم ولا لصالح الشعرية العربية، ماذا كان يحدث لهؤلاء لودفعوا بجهودهم نحو فن الخاطرة النثري في الأدب العربي وألحقوا به التطوير دون أن يلحقوه بالشعر، لكن هؤلاء النفر من الشعراء اتخذوا من كتاب سوزان برنار(قصيدة النثر من بودلير إلي الوقت الراهن) كتابا مقدسا ومرجعا يتحصنون به يرددون ماجاء فيه بغض النظر عن كونه كتابا يتناول قضية تخص الشعر الفرنسي فقط وفي مرحلة محددة من تاريخه تجاوزها الشعر الفرنسي بعد ذلك في اتجاهات ودروب ومسالك، وهنا بيت القصيد هو بتر مرحلة محددة من تاريخ الشعر الفرنسي بخصائصه المغايرة تماما لشعرنا العربي وحاضنته العربية ومحاولة اسقاط ذلك علي شعرنا العربي ذي التاريخ الطويل والممتدوالمتشعب والمتباين عن الشعرالفرنسي تباينا غير خاف عن الفهم، وكما قلت ان الذائقة العربية في التلقي جبلت منذ وعيها القديم علي التلقي الموسيقي حيث التعبير المنغم والمموسق تجد ذلك في حكمهم القصيرة وأمثالهم الموجزة وفي خطبهم وأقوالهم المأثورة التي تزخر بها بطون أمهات الكتب العربية حتي نزل الوحي علي رسولنا الكريم محمد (صلي الله عليه وسلم) بالفرقان كلام الله عزوجل وقد هال العرب ماسمعوه من قرٱن وقفوا أمامه مسحورين لما سمعوا مابه من آيات الذكر الحكيم ومابها من نغم صاف وإيقاع مؤثر وموسيقي أخاذة امتلكت عليهم مشاعرهم وعقولهم معني ذلك أن الوحي القرآني بموسيقاه جاء متسقا مع ذهنية متلق ألفت أذنه الموسيقي والنغم وليكون هذا الجانب من جوانب الإعجاز القرآني أحد عناصر التواصل بين النص والمتلقي، ولم يكن من المستغرب بعد نزول الوحي وبعدفترة زمنية عكف فيها علماء المسلمين علي الدراسات اللغوية استقراء وتمحيصا وتدقيقا ليخرجوا بعلوم اللغة والنحو والصرف أن توجوا تلك الجولة من الدراسات بتأسيس علم العروض والقافية علي يد الخليل بن أحمد الفراهيدي المولود في 100هجرية/718ميلادية وقد اخترع خمسة عشر بحرا ليستدرك عليه الأخفش بالبحر المتدارك وهوالسادس عشر وغني عن السرد مابذله علماء العربية من جهود في موسيقا القصيدة وتجديدها وتطويرها بحيث يقف التراث الشعري الأوربي عاجزا أن يحدث في موسيقا شعره مثلما فعل العرب الذين ساعدهم في ذلك مرونة اللغة وطيعتها الشاعرية والموسيقية وقدرتها الفائقة علي الاشتقاق ذلك كله أدار له شعراء قصيدة النثر ظهورهم في صلف وراحوا يتلوون علينا من كتابهم المقدس بعضا من آيات سوزا ن برنار، وماذا يحدث لو لم تعرف الشعرية العربية هذا الكتاب؟ إن أسوأ مافي مشهدنا الشعري الراهن تلك الحشود التي انتسبت لهذه القصيدة وكأن الأمة العربية كلها تحول صبيانها فجأة إلي شعراء فاختفي الشعراء الحقيقيون وتم وأدهم ووأد ذائقة جمهورهم تحت غبار هذا الركام من أطنان الورق التي تم تسويدها في أغلب الأحيان بكلام بعيد كل البعد عن أي جنس أدبي كما انه من المحزن للغاية انصراف جماهير القراء عن قراءة الشعر لما أعطته قصيدة النثر من انطباع غير مريح لها علي وجه الإطلاق.

*ناقد من مصر

شاهد أيضاً

صفاء عبد السلام *:وعي ولا وعي (2)

وعي ولا وعي (2) على الجانب الآخر منذ أن أمر الله تعالى نبيه محمد صلى ...