الرئيسية / أخبار ثقافيه / صفاء عبد السلام *:وعي ولا وعي (1)

صفاء عبد السلام *:وعي ولا وعي (1)

وعي ولا وعي (1)
وصمة المرض النفسي


يسعى العلماء المختصين على مستوى العالم جاهدين على ابتكار طرق وعلاجات جديدة للأمراض النفسية بشتى أنواعها سواء كانت البسيطة منها أو المعقدة وبخاصة في بلدان العالم المتقدمة علميا وثقافيا والتي هي كبقية البلدان يتنوع فيها النسيج المجتمعي بطبقاته المختلفة, ومن الطبيعي جدًا في تلك المجتمعات ( مثل كل المجتمعات على مسنوى العالم) أن يوجد بها مرضى نفسيين, ولكن تلك المجتمعات لديها الوعي الكامل أن المرض النفسي هو مرض يجب أن نبحث له عن علاج مثله مثل بقية الأمراض العضوية؛ وذلك بعرض المريض على الطبيب المختص والخضوع لعمل جلسات علاجية وتناول مجموعة من الأدوية واتخاذ اللازم حتى يستطيع المريض الشفاء وتجاوز الأزمة.
ومن الغريب (وبنفس الوقت هو شئ بديهي) أن نجد المجتمعات الأقل علما وثقافة لا تعترف بوجود المرض النفسي وتعتبر أن عرض المريض النفسي على الطبيب المختص يعني أنه شخص مجنون فقد عقله وأن تلك الفعلة (زيارة الطبيب النفسي) هي وصمة عار ونقطة سوداء قد طبعت في ملفه الصحى والاجتماعي, ليس هو فقط وإنما من يحيط به من أقارب أيضًا..فلدى تلك العائلة شخص مجنون, كما يعتقد البعض أن الأدوية والعلاجات التي يوصفها الطبيب النفسي لمرضاه إنما هو مجموعة من المخدرات ستزج بالشخص إلى دروب الإدمان -يا لها من مجتمعات تحتاج في ذاتها للعلاج النفسي لما يعانون من أمراض نفسية وعادات متوارثة تدمر المريض, حيث أن تلك المجتمعات لا تعتقد فقط أن المريض النفسي هو شخص مجنون, بل تعتقد أن هذا الشخص قد تعرض للمسِّ والأذى من الجن او أن البعض قد عقد له سحرًا أسودًا, وبالتالي يجب عرضه على الدجالين والمشعوذين ليدخل في دوامة جديدة من التشتت والجنون الفعلي والقوقعة داخل مرضه ومضاعفاته إن لم يصب بعدة أمراض أخرى.
وإلى جانب كل ما سبق فهناك رحلة أخرى من الكلمات الموجعة والتصرفات المشينة والأذى البدني والتي يتعرض لها هذا المريض المسكين من قِبَل البعض دون رحمة أو رأفة بما يشعر به من آلآم نفسية ربما لا يستطيع التعبير عنها فيتبعها أعراض وآلآم جسدية يعبر بها الجسد عما تشعر نفسه من آلآم.
ويمكن القول أن هذه المجتمعات ليس لديها الوعي الكافي بتلك الإشكالية ربما نتيجة لانتشار الجهل والأمراض البدنية والتي يكون لها الأولوية في رحلة البحث عن علاج إذا كانت هناك رحلة بحث, فربما أيضا لتدني المستوى المادي وانتشار الفقر يلجأ البعض لمعاملة الأمراض البدنية بنفس نهج علاج الأمراض النفسية عن طريق الذهاب إلى الدجالين أو غير أصحاب التخصص.
وعلى الرغم من أن البعض أصبح لديه القليل من الوعي وقد قرر أن يضرب بتلك المعتقدات والكلمات عرض الحائط؛ وقرر بعد تفكير عصيب نتيجة عناءه الشديد من ويلات المرض النفسي أن يعرض نفسه أو يعرض أحد ذويه من المرضى على الطبيب النفسي- وبالطبع يحدث ذلك في سرية تامة حتى لا يتعرض للفضيحة إلى جانب ما سبق ذكره من ويلات- ولكن من الغريب أن نجد تلك المعتقدات وهذه الصورة الفبيحة للمريض النفسي لا توجد فقط بين جنبات الفئات الأقل ثقافة في هذه المجتمعات وإنما نجد أن بعضا ممن نظنهم من مثقفي تلك المجتمعات يخضعون لهذه المعتقدات ذاتها وينساقون وراء الآراء المجتمعية السائدة, وقد ألقوا بالوعي بما يجب أن يفعلوا عرض الحائط.
أيتها المجتمعات المختلفة عن الطبيعة رفقا بكل مريض لا يستطيع الشكوى فقد خلق الله لكل داء دواء عرفه من عرفه وجهله من جهله, فدعوا الأمر لمن يعرفه.

*باحثة دكتوراه من مصر

شاهد أيضاً

د.فاطمه الحصي* :أحمد خالد توفيق كيف تتحول الى لوبي ثقافي ؟

لستُ قارئه لأحمد خالد توفيق ؛ لم أقرأه في الماضي  ولا أمتلك الآن وقتا لقراءته ...