الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. أحمد يوسف سعد*:اللغة العربية .. قضايا للتأمل

د. أحمد يوسف سعد*:اللغة العربية .. قضايا للتأمل

دعونا مع مواكبة اليوم العالمي للغة العربية نتأمل العديد من القضايا المرتبطة بنهج تعاملنا معها، وعلاقة هذا النهج مع بعض مظاهر أزمة العقل العربي، وفى البداية نطرح بعض المسلمات:  

  • أن اللغة ليست معطى ثابت جامد يمكن التعامل معها كمقتنيات تتوارثها الأجيال، أو التغزل فى قداسة مفرداتها، بل هى كائن حى تنفعل بحال البشر والمجتمعات الناطقة بها، بالتالى كما يمكنها أن تنمو يمكن أن تندثر، وكما يمكنها أن تزدهر يمكن أن تضمحل، وهو ما ذهب إليه إبن خلدون وهو يؤكدعلى أن غلبة اللغة بغلبة أهلها، وأن منزلتها بين اللغات صورة لمنزلة دولتها بين الأمم.
  • أن اللغة تذبل وتشيخ إذا ما عجزت عن التجاوب مع تطور فكر الناطقين بها، والتجاوب مع تحولات الواقع المحيط، وإذا ما تحولت إلي لغة “صفوة” بينما لسان جماهيرها يتكلم بغير قواعدها ومفرداتها.
  • اللغة الحية هى القادرة على التعامل مع مخزونها متحررةً من وهم وإغراء القداسة والنخبوية والالتزام  الكهنوتى، فتصبح قابلة للتداول بين جميع الناطقين بها، ومتجددة تجدد الظروف المحيطة بهم.
  • تعدد زوايا رصد واقع أي لغة ما بين علوم اللغة والمنطق والفلسفة والاجتماع والسياسة،  بالتالى فإن أمر معالجة قضاياها ينبغى أن يكون هماً مشتركاً لكل هذه التخصصات دون أن يحتكره الفنيون.

وقبل أن نعرض لبعض إشكاليات تعاملنا مع الفصحي العربية، نطالع ما كتبه لويس عوض فى كتابه (ثورة الفكر فى عصر النهضة الأوروبية) وهو يتحدث عن مصير اللغة اللاتينية – التى كانت فصحى الغربيين –  مع تحولات هذا العصر،  فيقول: ..وهناك انتصار اللهجات الشعبية على اللغة الفصحى “اللاتينية” وتحولها إلى لغات حية مزدهرة  بالآداب الخصبة ثمار القلب والعقل، بعد ألف عام من العقم الكنسى، الذى قتل الآداب والفنون والعلوم وخنق لغة الشعب، وجرَم ترجمة الكتاب المقدس إليها حتى يحتكر الكهنة فهم نصوص الدين وتفسيرها للملايين من بسطاء المؤمنين. هذه اللغات الشعبية التى أينعت فى أدب دانتى وبترارك وبوكاشيو، ونظرائهم فى الآداب الأوروبية الأخرى، كان انتصارها على اللاتينية الفصحى مقدمة لازمة لحركة الاصلاح الدينى لأنها أشركت الجماهير فى قراءة نصوص دينها وفهمها ومناقشتها، ومقدمة لازمة لاتساع قاعدة الديمقراطية لأنها أشركت الجماهير فى قراءة نصوص القانون والسياسة بعد أن كانت كالتعاويذ لا يفهما إلا الصفوة، لأنها كانت محنطة فى اللاتينية الفصحى..

وهنا نجد أن طرح لويس عوض فى كتابه يؤكد على أن قضية الصراع بين الفصحي العربية والعامية، ليست مجرد مشكلة لغوية فنية بل هي انعكاس لمشاكل سياسية واجتماعية وثقافية كانت سبباً ونتيجة لمنهج تعاملنا معها، المنهج الذى يتغافل عن المسلمات السابقة (وبخاصة داخل الحقل التعليمى) والإصرار على حصر التركيز على جوانبها الفنية، والاكتفاء عند تفسير أزمتها بتآمر المتآمرين عليها واستهتار العامة بها، منهج تعامل هذه أبرز سماته وتداعياته:

أولاً: ترويج مقولة أن اللغة العربية هى لغة القرآن، لتأكيد ربطها بالدين، والذى تكاد أن تختزل عنده كل عناصر الهوية العربية لدى العامة، لتصبح المقولة سيف مسلط على رقبة كل من يحاول الاقتراب منها بالنقد أو يطالب بتصحيح مسارها، وتثير التوجس والريبة إزاء مطالبات إصلاح العقل العربى من خلال إصلاح لغته، بالإضافة إلى أن هذا الربط من شأنه أن يضفى قداسة على الفصحى العربية تتنافى مع كونها – كأى لغة – متغيراً يصنعه الواقع المعاش،  كما يؤدى إلى تعثر محاولات التقريب بين الفصحى النخبوية والعامية “الشعبية ، والتى نادى بها كثيرون ومن بينهم جبران خليل جبران حين نظر إلى مسألة الفصحى والعامية نظرةً وسطاً، إذ قال: “إن اللهجات العامية تتحور وتتهذب، ويُدْلَكُ الخشن فيها فيلين. ولكنها لا، ولن تغلب ويجب ألا تغلب لأنها -الفصحى- مصدر ما ندعوه فصيحاً من الكلام ومنبت ما نعده بليغاً من البيان” ويستطرد ” إن اللغات تتبع، مثل كل شيء آخر، سنَّة بقاء الأنسب. وفي اللهجات العامية الشيء الكثير من الأنسب الذي سيبقى، لأنه أقرب إلى فكر الأمة، وأدنى إلى مرامي ذاتها العامة، قلت: سيبقى، وأعني بذلك أنه سيلتحم بجسم اللغة ويصير جزءاً من مجموعها

 ثانياً: التعامل الحذر والمذعور من أية محاولة للتقريب بين عامية وفصحى اللسان العربي من ناحية، وبين اللغة العربية واللغات الأجنبية من ناحية أخرى، فثمة تصور يشبه الوساوس القهرية بأن لغتنا العربية ينبغى أن تبقى صافية صفاء القرآن وأن التهجين اللغوي الذى تفرضه احتياجات الواقع، هو تآمر على الهوية العربية وعلى الإسلام، وهو كلام ينفيه جبران خليل جبران بتأكيده على أن بعض المفردات الغريبة عن اللغة العربية يمكن أن تلتحم بجسمها وذلك “بطريق المجاز والاشتقاق والنحت. فلا جناح أن يعرب اللفظ الأعجمي، كما يفعل أهل أوروبا بلغاتهم، وكما فعل من سبقنا من أهل العربية فقالوا: الإبريق والطشت والطبق والياقوت والبلور وكلها فارسية. والفردوس والبستان والقسطاس والقنطار والقنطرة وكلها رومية

ثالثاً:  الفصل بين لغة الكلام العامية ولغة الكتابة الفصحى، عززت لدي المواطن العربي إزدواجية الشخصية بين ما يحياه ويشعره بصدق وعفوية، وما ينبغى أن يقوله بصنعة وافتعال، كما أثر هذا الفصل على شكل ومحتوى الخطاب السياسى العربى أيضاً، وهو يتجاهل واقع تحياه الشعوب، لينطق بفصحى بليغة عن واقع آخر يشبه كروت البوستال المصقولة والملونة واللامعة، فيتوه المواطن بين زيفه وطلاسمه،  وينعزل عن أية مشاركة سياسية فعالة.

رابعاً: فصحى التراث الديني الصعبة تدفع الشعوب العربية إلى اللجوء للدعاة المفسرين، ممن يقومون بدور الوسطاء بين الأصول الدينية ومدارك العامة، ويحيا المواطن حالة الصراع  بين الاستنارة والظلامية، والتسامح والتشدد، والعلم والجهل، ناهيك عن التحالف الجهنمى الذى يمكن أن ينشأ بين الدعاة الرسميين وبين النظم الاستبدادية الحاكمة، ليجد مواطن العامية نفسه محشوراً بين مطرقة الاستبداد السياسى دون أن يمتلك الوعى اللازم لمجابهته، وسندان خطاب دينى يستثمرجهله بلغة الدين.

خامساً: هاجس التآمر على العربية “هويةً ولغةً” أفرز موقفاً متعصباً ضد اللغات الأجنبية التى تنتج العلم المعاصر، وبدلاً من الدعوة لتعليم أولادنا أكبر عدد من اللغات للتواصل مع المنتج العلمي، كانت الدعوات لتعريب العلوم (حيث الطريق الأقصر والأكثر آماناً) وهى دعوة يسفر تطبيقها إلى ظهور كهنوت علمى وتعليمى يتكوَّن رجاله ممن يلمُّون بلغة العلم الأجنبية، فيقوموا بدور الوسطاء بين مصدر إنتاج العلم ودارسيه، لتتعزز الاعتمادية من جديد مرةً فيما يخص الدين، وأخرى فيما يخص العلم، ومن قبل فيما يخص السياسة.

سادساً: أدى إهمال تعليم اللغات الأجنبية إلى الإضرار باللغة العربية نفسها، وتأملوا مشاهد شبابنا وهم يستخدمون لغةً لا جنس لها أمام شاشات أجهزة الكمبيوتر وهو يمارسون الدردشة المكتوبة  بمفردات عامية كتبت بحروف لوحة المفاتيح الأجنبية، ومشاهد لافتات المحلات التى تحمل أسماءاً أجنبية مكتوبة بالعربية، وغيرها من المشاهد التى تؤكد حجم الضرر الذى أصاب اللغة العربية من جرَاء إهمال تعليم اللغات الأجنبية فكانت النتيجة جماهير عاجزة عن استخدام العربية واللغات الأجنبية بكفاءة وقتما يحتاجون وفى السياقات المناسبة.    

سابعاً: عدم إدراك  القائمين على أمر الفصحى العربية الفرق بين التعامل مع اللغة كمبنى أثرى عتيق نمارس معه فعل السياحة والتجوال لمشاهدته والتعجب لفنه وكل عمل حُرَّاسه إزالة الغبار من فوق جوانبه، والتعامل معها كأدوات تواصل واتصال بين البشر والواقع، وفى هذا السياق ينبهنا زكى نجيب محمود متفقاً مع ما قاله جاك بيرك فى كتابه عن العرب: “إن اللغة العربية كما نراها فى التراث الأدبى، وكما لاتزال تستحدم عند كثيرين، توشك ألا تنتمى إلى دنيا الناس، فلا تكاد ترى علاقة بينها وبين مجرى الحياة العملية، بما دفع المتكلمون بها إلى خلق لغات عامية بها يباشرون شئون حياتهم اليومية”  ويستطرد نجيب “لم تكن الفصحى فى تراثنا الأدبى أداة اتصال بمشكلات العالم الأرضى، ولا وسيلة للثقافة المتصلة بحياة الناس وأزماتهم، بل كانت مجالاً للفن الذى يهوم فى السماء أو ما يشبه السماء…. فالفجوة فسيحة فسيحة بين دنيانا الفكرية كما يصورها لنا الكاتبون، وبين خبراتنا الشعورية كما يكابدها المكابدون

فى النهاية فإن هذه القضايا السابقة، قد أثير أغلبها عند بدايات القرن الماضى، وكأن قدّرُنا أن ندور فى نفس الدائرة، نبدأ ثم نتوقف ونعود من جديد للبداية، ألا يشبه العقل العربى سيزيف فى الأسطورة اليونانية،  قضايا لازالت مطروحة للتأمل، ولكن نرجو من الله ألا يطول زمن التأمل أكثر من ذلك وأن نبدأ فى حركة تغيير واقعنا العربى المتردى،  وأن يكون منطلق  تثوير نهج تعاملنا مع لغتنا الرسمية، هو بداية لإصلاح مجتمعى شامل، وبداية لتحرير المواطن العربى من أسر الوسطاء فى الدين والسياسة والعلم والثقافة، فحاجتنا إلى الإصلاح باتت ملحة إلحاح المتغيرات الكونية المتلاحقة، وذلك على كل المستويات السياسية والدينية والاجتماعية والإعلامية والثقافية، فهل يمكن للغة العربية أن تكون طرفاً مؤثراً تدفع الجماهير للمشاركة فى النقاش العام حول العديد من القضايا المصيرية؟ وهو أمر يمكن حدوثه لو أوجدنا هذه اللغة السهلة القابلة للتداول بين البسطاء فى حياتهم وأحداثهم اليومية، لغة تتلاقى عندها العامية بقدر من الصقل والتهذيب، والفصحى بقدر من التواضع والتسامح.

*************************

*مفكر مصري

شاهد أيضاً

محمد شوقي الزين*/”الطبيعة تمقت الفراغ” (أرسطو).

تفتقر الجزائر إلى ثقافة الحوار والنقاش. قانون الصمت أو “أومارتا” (Omerta) هو الثقافة السائدة، ولم ...

2 تعليقان

  1. Avatar
    عبدالله عثمان

    مقالة تعبر عن فكر تقدمي منفتح مناهض للانغلاق والتقوقع ، وحبذا لو كانت المقالة قد أوردت بعض الأمثلة للتطوير المطلوب إجراؤه على اللغة العربية الفصحىٰ ، حتىٰ لا يتوهم البعض أن التطوير المطلوب يعني هدم القواعد والأصول التي تضبط الكلام وبالنالي تضبط الأفكار المعبر عنها بالكلام ، إذ أن ضبط الفكر مرهون بضبط اللغة ، فاللغة كما هو معروف وعاء الفكر .
    لهذا ينبغي أن يقتصر التطوير على إدخال الكلمات الجديدة الناشئة عن المصنوعات والمخترعات والاكتشافات العلمية الحديثة كالصاروخ والڤيروس والإلكترون والبنسلين الخ ، وهذا كله دون المساس بالنظم البنائية والصوتية والنحوية والصرفية للغة . لأن هدم هذه الأسس ينتج عنه لغة مهترئة غير منضبطة ، ولا يمكن للغة غير منضبطة أن تعبر عن فكر منضبط .
    ونضرب بعض الأمثلة التي توضح أن الموائمة أو المزاوجة بين الفصحىٰ والعامية لا تكون على حساب قواعد الفصحى المرعية ، وإلا حصلنا علىٰ كائن مسخ ومشوه عاجز عن التعبير الدقيق والسليم .
    فمثلًا الكلام العامي يتقدم فيه الفاعل على المفعول دائمًا لعدم وجود حركة إعرابية تبين مَن الفاعل ومَن المفعول في الجملة ، وهذا يعدُّ عيبًا في العامية ، لأنه لا يسمح للمتكلم بأن يقدم المفعول على الفاعل لتحقيق غرض بلاغي يتمثل في أهميته ، كأن يقال مثلًا : ” إنَّما يخشى اللهَ مِن عبادِهِ العلماءُ ” بتقديم لفظ الجلالة لأهميته على الفاعل . كذلك تقتصر العامية في التعبير عن جمع المذكر السالم بحالة واحدة هي حالة النصب أو الجر دون حالة الرفع ، فتستخدم لفظ المدرسين والفلاحين في جميع الأحوال ولا تستعمل أبدًا ( المدرسون والفلاحون ) وبذلك يلتبس الفاعل فيها بالمفعول ويتعذر التمييز بينهما .
    كذلك تفتقر العامية إلى التمييز في الضمير المتصل بالأفعال بين ما هو للذكور وما هو للإناث ، فتستخدم الفعل نجحوا لكلا النوعين الذكور والإناث علىٰ حدٍّ سواء ، ولا تستخدم أبدًا نون النسوة الدالة على الأنوثة .
    كذلك تستخدم العامية دائمًا الجمل الاسمية ولا تستخدم الجمل التي تبدأ بالفعل ، فتقول مثلًا الأولاد ناموا ، ولا تقول نام الأولاد أبدًا ، وهذا يعدُّ قصورًا لأن تقديم الفعل على الفاعل يكون مطلوبًا أحيانًا لغرض بلاغي هو إظهار أهميته .
    والأمثلة كثيرة علىٰ قصور العامية عن الوفاء بالأغراض البلاغية وعجزها عن ضبط المعاني نكتفي منها بما تقدم لعدم الإطالة .