الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.جواد رشدي*/قراءة في كتاب “حضارة الفرجة” لماريو برغاس يوسا

د.جواد رشدي*/قراءة في كتاب “حضارة الفرجة” لماريو برغاس يوسا

السفر في عوالم الثقافة المعاصرة: 

قراءة في كتاب “حضارة الفرجة”

لماريو برغاس يوسا في ضوء النقد الثقافي

مقدمة: 

يعد كتاب “حضارة الفرجة” (La civilización del espectáculo) لصاحبه ماريو بارغاس يوسا البيروبي الحائز على جائزة نوبل، من بين أكثر الكتب التي حظيت بمقروئية كبيرة في العالم الإسباني وفي ما بعد في العالم الأنغلوسكسوني بعد ترجمته إلى الأنجليزية و مؤخرا إلى الفرنسية. تكمن أهمية الكتاب في كونه خلاصة تفكير عميق في الثقافة المعاصرة. ولعل أرضنة كلمة “فرجة” التي انتقاها الكاتب بعناية، لها دلالة بليغة في تلخيص المعنى الذي آلت إليه الثقافة في سياق العصر الحاضر بكل حمولاته، فالثقافة لم تعد لها تلك الحمولة التي كانت لها سابقا باعتبارها تجسيدا للسمو والرقي في القيم والذوق، بل تحولت إلى ثقافة المتعة، التسليع، التجارة، الإستهلاك، الدعاية و التسطيح، إلى أن وصلنا إلى عولمة الإبتذل، الإنسفال، التتفيه، الخرافة، المكر، التزييف، التعويم، التبخيس، الفجاجة، السخافة، البهرجة، البذاءة والضحالة باعتبار أن الإستهلاك هو محرك الإقتصاد الرأسمالي وركنه الركين. من هنا تنبثق مشروعية السؤال التالي: هل نحن إذن في ظل بداية انهيار الحضارة بعدما بدأت الثقافة الحقة تنهار؟

تتغيا هذه القراء استغوار مكنوهات هذا الكتاب القيم، الجَسُور والجريء في آن واحد الذي لاقى إقبالا منقطع النظير بالنظر لشيئين مهمين: الأول يتحدد في القامة الفكرية و الثقافية للكاتب البيروبي ماريو برغاس يوسا الحائز على أرفع الجوائز الأدبية، و الشيء الثاني يتمثل في كون تناول الحضارة المعاصرة من جانب الفرجة يُعَدُّ أمرا غاية في الأهمية لكون الكلمة في حد ذاتها تنطوي على إيحاءات كثيفة رمزيا، ثقافيا و فكريا. لا يفوتنا في هذا الصدد أن نشير إلى أن برغاس بانشغاله و انهمامه بأسئلة الفكر و الثقافة و الأدب، استطاع، إلى حد بعيد، أن يستغور سراديب الواقع من خلال هذه المجالات كلها، فلقد فكر فيها جميعها بعمق، خاصة أنه يتزود بكل جديد من قراءات متعددة المشارب، هذا فضلا عن أسفاره المتعددة عبر ربوع المعمورة شرقا و غربا، وهذا ما جعله مع مرور الوقت يُنْضِجُ و يعمق تجربته بشكل لافت، الشيء الذي بوأه المكانة الرفيعة في هذا المجال حتى أصبح من الأصوات المؤثرة في الثقافة المعاصرة. بناء على ما سلف، ليس مدهشا أن يجترح الكاتب دورا إنهاضيا و تنويريا رائدا على الساحة الفكرية و الثقافية الدولية.

الثقافة باعتبارها فن التقاطعات اللامنتهية:

على غرار كتاب عالميين متميزين مثل ميلان كنديرا و موريس بلانشو، إذا كان برغاس قد تصدى للأحادية والدغمائية في السرد و الوصف و التحليل فلأنه اختط لنفسه منحى التعددية باعتبارها محركا و محفزا للتفكير و الإبداع الذي يُعْلِي من شأن الإنسان و الحضارة الإنسانية. لهذا السبب تحديدا يتسلل سرده  وتحليله نحو الظلال المعتمة للماضي و للشخوص و الواقع من أجل فهم مكنوهاتهم مستعملا في ذلك كل ما تُتِيحُه التقاطعات التخييلية و الثقافية من إمكانات بغية كشف الأنساق المهيمنة في الثقافة المعاصرة. هذا التوجه الهام الذي يمكننا تسميته ب “فن التقاطعات اللامنتهية” هو ما جعل النَّفَسَ الإبداعي لدى برغاس يتجدد بينما فرادته تكمن في استيعابه لزخم التعدد الثقافي الكوني، ليس فقط باعتبار أن الكاتب قارئ نهم، بل أيضا باعتباره كثير التجوال و الترحال عبر ربوع المعمورة، ناهيك عن تفكيره العميق في كل المفاهيم التي يوظفها في كتاباته. إجمالا، فبرغاس كأكاديمي و كاتب ألمعي لا يروقه أن يتحول المثقف إلى مجرد خزان للمعرفة بل إلى منتج لها ومن ثم إلى قوة مؤثرة من أجل الإرتقاء بالوعي و الذوق.

إن منهجية الحفر في أعماق الثقافة السائدة لدى برغاس لم تقتصر على التحولات الكبرى التي عرفتها أمريكا اللاتنية وتاريخها الزاخر بالثورات من قبيل الثورة التي قادها سيمون بوليبار مرورا بالثورة الكوبية و الشيلية إلخ، بل تعدتها نحو كشف بواطن المآلات التي أفضت إليها الليبرالية و ما كان لها من انعكاسات على الثقافة الكونية المهيمنة ولذلك شكل كتابه “حضارة الفرجة” منعطفا كبيرا في حياته ككاتب. إن انهمام برغاس بأسئلة الثقافة جعلته يخصص حيزا مهما لأسباب خسوف شمس المثقفين وتحولهم إلى مجرد موظفين، هذا بالإضافة إلى تحول الفرد من مواطن يفكر في سلوكه ودوره المجتمعي إلى مجرد متفرج و مستهلك.

على شاكلة ميشال فوكو، عمد برغاس إلى الغوص في أقاصي الثقافة المعاصرة من أجل فهم أركيولوجيتها و من ثم فهم أعمق أعماق الوعي السائد باعتبار أن الإختلال القيمي في المجتمع ما انفك يتعاظم. فلا يمكن أن نزدهر بتعطيل التفكير أو بالإعتماد على التفكير المفوض. فالذات حسب برغاس إذا لم تكن حرة يصعب أن تعي واقعها وبالتالي أن تنخرط فيه بفاعلية و فعالية. فعدم الوعي العميق بالذات و الواقع يفوت علينا، ليس فقط، إمكانية التطور بل كذلك إمكانية تجاوز تعثرات الماضي وهو ما يجعلنا نخلف موعدنا مع التاريخ. وبذلك يرى الكاتب البيروبي أن الحضارة و إن كانت لا تتطور بالضرورة بشروطنا فإن تجويد واقعها و أفقها يقتضي الشرط الديموقراطي باعتبار أن أسمى ما أنتجته الإنسانية عبر تاريخها الطويل هو الديموقراطية. من هنا، إن الإعتراف الفعلي بالإختلاف، المساواة، الحقوق وبدور النخب، يعد أمرا مفروغا منه. هل يمككنا أن نعيش بدون أفكار؟ جوابا على هذا السؤال، حاول برغاس أن يلفت انتباهنا إلى أن أهمية الإنخراط في الواقع لا تنفصل عن المساهمة فيه بالأفكار باعتبار أن هذه الأخيرة لها فاعلية متعددة المناحي فهي تجدد وعينا بذواتنا و بالعالم خصوصا إذا عززنا ذلك بالإستناد إلى طرح إدوار هول  (Edward Hall)الذي يؤكد على أن قوة الأفكار من قوة المثاقفة(1). فليس هناك إذن قول مطلق في سياقات متجددة لا نتحكم فيها، الشيء الذي يجعل مسألة إنتاج النموذج الثقافي تتطور باستمرار.     

لقد كان الكاتب و لا يزال شغوفا بالسفر نحو أقاصي الثغور الوجودية للكائن البشري باعتباره يحمل زخم الماضي، كثافة الواقع الراهن وأمل المستقبل المشتهى. كل هذه الأمور مجتمعة تعتبر، من دون شك، نبعا فوارا للإبداع الخلاق و للتفكير العميق في جوهر الإختلاف و التعدد. لا يفوتنا الإشارة في هذا الصدد إلى مسألة غاية في الأهمية ألا وهي أن برغاس ظل مهووسا بالتصدي لفكرة منفى الذات في ذاتها وغربتها عن العالم وهو بذلك يؤكد لنا أن الإدراك هو بداية الوعي و الوعي هو بداية التنوير و التحرر من الوهم. من هنا فإن اهتمامه بالتعدد الثقافي يُعَدُّ إقرارًا بتعدد مداخل فهم الوجود المتعدد للفرد و أن هذا الوجود المتعدد، مهما قيل عنه، يظل محاولة في مسار تطوري طويل يسعى إلى الفهم عبر الكتابة باعتباره تأويلا ومن ثم كشفا للظواهر التي تنبثق عن الأنساق المهيمنة في سلوك الفرد والجماعة. إن محاولة تطويق اللامرئي و اللامحدود خيالا و تفكيرا عبر الكتابة يعتبر نوعا من ابتعاث الغياب في الإدراك المفتوح على اللامنتهي، هذا فضلا عن كون الوجود الإنساني يشكل تسلسلا، تراكما و تحولا دائم الحيوية، التطور و التجدد. تتجلى كل هذه الأمور عبر اشتغال برغاس على جميع تمظهرات الثقافة المعاصرة و تمثلاتها من ثقافة نخبوية، عامة و انتهاء بالثقافة الشعبية.

بعد قراءة فاحصة لمحتوى الكتاب “حضارة الفرجة”، يتبين من أول وهلة أن برغاس حرص على التأكيد على أن الثقافة العالمة، العالية، الفوقية، الراقية أو السامية هي تلك التي تُعْلِي من شأن الإنسان و العالم بينما العكس هو الحاصل في عالمنا المعاصر، إذ أن ما تعكسه ثقافة الفرجة هو في المحصلة تجسيد واضح لثقافة استهلاكية و تسليعية منتهية الصلاحية. و من اللافت عبر الكتاب السالف الذكر أن الحياة ليست فقط هي الثقافة بل هي السياسة، الديموقراطية، التجديد، التحرر من الوصاية والتحكم و الأحادية وهي وسيلة لنسج علاقات مع الآخرين، وباعتبارها هذا الكل أو هذا التمازج التكاملي، فهي نبض الحياة بل هي الحياة نفسها.

دفاعا عن الثقافة الراقية:

لقد استرسل برغاس عبر “حضارة الفرجة” في استعراض الوضع البئيس الذي آلت إليه الثقافة المعاصرة وكل ذلك راجع إلى استحكام المنظور التبضيعي لدى من يتحكم في زمامها وهم بطبيعة الحال من أهل المال و الجاه  وصناع القرار و الرأي العام. ولقد حذر الكاتب مرارا من مغبة استمرار التسيب و الإنحلال الفظيعين اللذين أغرقا الثقافة في السلبية والتفاهة و التبخيس و التسخيف. وبما أنه لم يستسغ أن يظل الواقع الثقافي المعاصر على غُجَرِهِ و بُجَرِهِ، أبَى إلا أن يصوبه نقدا حتى يُكْسِبَهُ معنى ومكانة أليق به تقيه من كل تشريخ وهو ما شكل لديه تحديا حقيقيا. فحسب برغاس، لقد استحالت ثقافة الفرجة إلى قاعدة أساسية لإلهاء أوسع الفئات عن الأسئلة الحقيقية التي يتخبط فيها المجتمع المعاصر بالإضافة إلي تعطيل التفكير، تغييب الكفاءات، تبجيل المظاهر، تخدير الوعي السليم، تسقيط الثقافة البناءة، تحنيط الوعي النقدي والتغبية الجماهيرية. في نفس السياق، لم يفته تسليط الضوء على هذا الثلاثي: العابر، الواهي، السطحي الذي صنع أيقونات زائفة تؤطر الثقافة المعاصرة والتي انتهت إلى تكريس حضور الأصنام الثقافية التي كرست بؤسا ما بعده بؤس. بناء على ذلك، أصبح مفهوم القيم يلبس لُبْسًا مُضَلِّلاً ولا غرابة في أن يصبح أصيل الخصائص وضيعًا بالتآمر و التضليل و الدسائس. كل ذلك يعكس، إن بشكل مباشر أو غير مباشر، هيمنة المركزية الغربية بكل تشعباتها وبخاصة الأوروبية و الأمريكية.

لقد عمد برغاس من خلال كتابه السالف الذكر إلى تقويض دعائم الثقافة التي أنتجها النظام اليبيرالي المنبثق عن المنظومة الثقافية الغربية في كل تمركزاتها باعتبارها امتدادا لنمطية نسقية كرسها المستعمر خلال الفترة الكولونيالية و ما بعد الكولونيالية. فليس غريبا عن كاتب و ناقد جاد من طينة برغاس أن يكرس كتابه “حضارة الفرجة” لنقد الأوهام و الأضاليل و المظاهر الخداعة التي أسست للتنميط، التسطيح الثقافي و التعدد المُمَرْكَز بثقافة غربية أحادية مهيمنة في الكثير من مناحي الحياة. ثالثة الأثافي أن يختط النسق الثقافي المهيمن مسارا لتوحيد معايير الحكم على الأشياء، فهذه النمطية الآلية هي ما كشفت عن الإشتغال الممنهج و المبرمج من قَبْلُ الرامي إلى صناعة الإستيلاب عبر صناعة مُسْتَهْلِكِين لكل منتوج بشكل طوعي و انقيادي. مفاد ذلك أن للمنتوج سلطة على المواطن/المستهلك بعد إعادة تدوير قناعاته، تعليب ثقافته وتسطيح مبادئه. ولا غلو في ذلك مادام أن السلطة المتحكمة في صناعة ذهنية المستهلك قد تمكنت إلى أبعد الحدود من تبويء التافه موقعا ممركزا في نسق التصنيع/التسويق الذي يدور فلكه في دوامة النفعية المفرطة. من هنا فتعليب المنتوج يقتضي تعليب المستهلك باعتباره منتوج ثقافة الإستهلاك من أجل مراكمة الأرباح. ينتج عن ذلك أن سلطة الإستهلاك تلجأ إلى الإستعاضة عن العميق بالسطحي خدمة لمنطق التراكم المادي.

لم يفوت برغاس الفرصة للإشارة إلى أن اعتلاء نخوة و بهاء السمو و الرقي يقتضي استعمال العقل، إحياء الحكمة و إيقاظ الثقافة التنويرية والحال أن هذه الأشياء نادرة الحدوث و إن حدثت تُهَمَّشُ في حينها و إلى أبعد الحدود ولهذه الأسباب مجتمعة حَرُنَ النقد البناء إلا فيما ندر. إن الليبرالية التي تطرفت إلى أقصى الحدود في أطاريحها، جعلت من التبضيع أهم أسسها لذلك سادت ثقافة: الموضة، صناعة نجوم الزيف والتضليل، استعراض الأنانيات المتضخمة، التهريج الأجوف، جعل الناس مجرد متفرجين بدل أن يكونوا فاعلين في المجتمع، صناعة كائنات لا تعي معنى القيم، التفكير، المبادئ، الذاكرة، الهوية، الوجود، الذوق و الرقي.

بناء على ما سبق وكما أكد ذلك برغاس مرارا، لا بد من الذي ليس بد عنه أن يكون مرد التفاهة التي شاعت في كل البقاع إلى التصحر الفكري، التجهيل باسم المعرفة وسيادة قيم السوق التي تعتمد أساسا على منطق الربح وتَسَيُّد مفهوم السلعة في كل مناحي الحياة. من هنا، فإن نجاح الفرد مرتبط بشكل وثيق بقدرته على مراكمة المال. والثقافة من هذا المنظور، بدل أن تكون أداة للتحرر، أصبحت أداة للتسطيح، للتسقيط، و لتشتيت الوعي بل و حتى أداة للقهر الإجتماعي و التَّحَيُّفِ الإقتصادي. لذا لا يمكن الإطمئنان للمستقبل إلا بتعميق و دمقرطة النقاش العمومي حول القضايا الجوهرية للمجتمع ومعلوم أن النقاش إذا افتقد للمعرفة الحقة التي تستحضر التجربة والتاريخ والواقع وثقافة الإعتراف، فمن الصعب جدا أن ينتج خطابا له بعد استراتيجي. في هذا السياق، من الأهمية بمكان التأكيد على مسألة غاية في الأهمية ألا وهي أن الكينونة الثقافية ومن ثم الهوياتية غير محكوم عليها بالجمود و التكلس، فنحن نعيش دائما في كنف التغيير في ظل دوامة التحول التي تجعلنا نتساءل باستمرار أسئلة من قبيل: ما هو المسار الذي قطعته ثقافة شعب معين لتخلص إلى ما هي عليه الآن؟ وهو ما يجعلنا نقر، بشكل من الأشكال، بأن التفكير المركب له علاقة وطيدة بالواقع المعقد.

جدير بالذكر أن شيوع ثقافة السرعة في كل شيء بدءا من الأكل السريع (fast food)، الحلاقة السريعة (fast hairdressing) إلى التكوين السريع (fast formation) و هلم جرا، المتناغمة تماما مع قيم السوق التي أتينا على ذكرها، ساهمت بشكل كبير في نشر ثقافة التسليع، الإستهلاك، المظاهر، التراكم المادي و الإغتناء. من هنا فإن بوصلة الربح تعد عماد المجتمع الإستهلاكي عوض القيم الأخلاقية أو المبادئ الإجتماعية و أصبحت بذلك المصلحة الشخصية هي من تتحكم في سلوك الأفراد بدل الصالح العام، الأخلاق والتآزر.

لقد ظل هاجس السلطة السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية ذات القوة و النفوذ الكوني تعمل بجهد جهيد من أجل توجيه الرأي العام بخطابات التفاهة بل و الأكثر من ذلك جعل التفاهة هي المتحكمة في سلوكات الناس بشكل يومي من خلال حركية التأثير و التأثر. من خلال هذا التوجه النقدي، نجد أن برغاس يتقاطع كثيرا مع الكاتب الكندي آلان دونو(Alain Deneault)(2)، فكلاهما يؤكدان على أن سيطرة التافهين في شتى المجالات تعني أن التسطيح قد بلغ مبلغا من الإستحكام وهو دليل على سيادة الإنحطاط المُعَمَّم والغرض من وراء ذلك هو تعطيل التفكير خدمة للسوق ولهذا ليس مفاجئا أن يظل تسونامي التفاهة كاسحًا و عاتيًا لكونه ظل مدعوما بقوة بالنظر إلى أن مسعى الهيمنة على الأسواق يكتسي بعدا كونيًا والأنكى من ذلك هو أن التفاهة أصبحت هي المعيار الكوني للحكم على الأشياء.

تأسيسا على ما سلف، وكما أشار إلى ذلك برغاس و دونو، ليس غريبا أن تتغول قيم الإستهلاك بدل تَسَيُّد قيم المواطنة. بمعنى آخر، إن قيم السوق لا تريد مواطنا حرًا بل مستهلكا طيعًا. إن أقصى ما تطمح إليه سلطة التفاهة هو صناعة عرمرم من التافهين لا يَعُونَ تفاهتهم معتمدة في ذلك على تجديد آليات تعميم التسطيح و التجهيل و التغبية حد التخمة. بمعنى أدق، إن قوة التفاهة جزء لا يتجزأ عن شساعة مساحة انتشار التافهين و السذج و الجهلة. إن السياق الإجرائي لهذه العملية يتم بالإعتماد على كل الوسائط التواصلية و الدعائية بهدف تأويج حركية التأثير و التأثر الجماهيري ضمن مسلسل تعزيز علائق القوة. عبر نقده لخطاب الثقافة الإستهلاكية من جانب سطحيتها، سعى برغاس إلى تقويض دعائم الرأسمالية التي ما انفكت تتجدر و تنغرس اجتماعيا بتجديد آليات نفوذها.

إن الكاتب البيروبي، بتركيزه على نقد الخطاب الدعائي الرامي إلى نشر ثقافة الإستهلاك، يهدف إلى دحر نزوعات الهيمنة المتخفية في مضمرات الخطاب القائل برفاهية الأفراد و المجتمع. إن زلزلة مزاعم الحتمية والبداهة في الخطاب الثقافي الليبرالي يعد منطلقا أساسيا لتبديد الإستلاب بتأجيج الوعي النقدي حول الثقافة المُنْتَجَة، القارئ، المستهلك، إلخ. وبخصوص مسألة التفصيل في مفهوم الفرجة، يعود ليؤكد أن الثقافة لا يجب أن تحيد عن النزعة الإنسانية باعتبارها إحدى الركائز التي تنهل من قيم الحرية و زخم التنوع. إن الفعل الثقافي لدى برغاس المرتكز على مفهوم الفرجة، يجب أن يكون ممارسة شاملة و متكاملة بدل أن يكون انتقائيا، اختزاليا و تسطيحيا.

عبر تحليله للواقع المعاصر استطاع الكاتب البيروبي، المعروف بحصافة رأيه وعمق تحليله، أن يستغور الحدود القصية لما أسماه “حضارة الفرجة” لفهم دواعي التسطيح و الإبتذال و الإنسفال الذي آلت إليه الثقافة في هذا العصر. فحسب برغاس، إذا كانت الثقافة المعاصرة قد جعلت الأفراد أكثر فردية و استقلالية، فلقد حولتهم مقابل ذلك إلى كائنات أكثر استهلاكا وارتخاء وترهلا و اتكالية، الشيء الذي ساهم في تغيير أنماط الحياة ومن ثم في تنميط السلوك. فدائرة الإلتقاء مع الآخر حيث تتلاقح الثقافات و تتمازج وتتحاور لم تعد حبيسة النمط التقليدي بل تعدته للعوالم الإفتراضية في الشبكة العنكبوتية حيث تسافر الأفكار في كل حدب وصوب دون أن يُعْرَفَ تحديدا من هم الأشخاص أو الجهة التي تقف وراءها حتى أصبحت أهمية أي مضمون تتحدد بنسبة المشاهدة لا بجودة المحتوى.

ينشعب عن ما سبق مسألتان من الأهمية بمكان: السيادة الهوياتية و السيادة الرقمية. من هنا فمنطق الإستهلاك الذي يزداد توسعًا وفُشُوًّا في زمن الكونية العولمية، ساهم بشكل عميق في أشكلة الذات باعتبارها تواجه بشكل يومي هاجس تسطيح، تنميط و تتفيه الخصوصية الثقافية. وهذا ما يجعلنا نحيل على ما يسميه جاك دومرغون بالمثاقفة الخصوماتية(interculturation antagoniste)(3) أي تبني قيم الآخر رغم كونه خصما إن جزئيا أو كليا مع مرور الزمن. من هنا فشروخ الذات لا تنفك تتعاظم باعتبار أن الثورة المعلوماتية أصبحت واقعا قائما حيثما ولينا وجهنا والحبل، دون أدنى شك، على الغارب وهذا ما نسميه بالمثاقفة الرقمية (interculturation numérique).

أنسنة الإختلاف:

في نفس السياق، تجدر الإشارة إلى كون أمر تخفيف الصدمات الثقافية أو الحضارية يقتضي في نظرنا شيئان لا محيد عنهما: الوعي العميق بالخصوصية الثقافية و القدرة على تطويرها من خلال ما تتيحه الكونية من إمكانات. فالخصوصية، و إن تعدد الجدال بشأنها، ليس محكوما عليها بالجمود، فالجمود في نهاية المطاف يؤدي إلى التطرف و العنف و تكريس النزعة الظلامية ومع مرور الزمن إلى التكرار والجمود و البؤس و فيما بعد إلى الإندثار والزوال.

من منظور برغاس، إن الإنفتاح البناء هو ما يجعل الخصوصية الثقافية تتطور مع الإقرار بدور الآخر في ذلك في أفق تقوية مسار أنسنة الإختلاف. بمعنى آخر، الإعتراف بحق المساواة من داخل الإختلاف لا لاتخاذ الإختلاف مطية لتبخيس الآخر واعتبار جوهر ثقافته مرذولا و مذموما. ففي نظرنا كل تعددية لا تقيم وزنا لجواهر الإختلاف هي في المحصلة تعددية شكلية باعتبار أن المركز يتسيد عليه القوي المهيمن اقتصاديا و سياسيا.

تحريا للدقة و التركيز وبعد تنقيبنا في ثنايا المعنى يمكننا القول أن التجاء برغاس إلى وصف الثقافة المعاصرة بكونها انعكاس لحضارة التسليع، البطاقة البنكية و الثورات الإجتماعية، هو تجسيد واضح لتغول النزعة الإستهلاكية وفقدان التناسق والترابط المجتمعيين لأن القوى المهيمنة عملت على تعطيل العقل، تبخيس النماذج الإجتماعية، إثارة الغرائز و التربيت على الشهوات التي تصب في التسطيح و الإستهلاك و يعود ليؤكد أنه إذا كانت حضارة الفرجة قد حسنت وضع الديموقراطية وساهمت في التخلص، إلى حد ما، من الوضع السكيزوفريني للمواطن، فإن السطحية تظل مستحكمة في الكثير من مكوناتها باعتبار أن كل شيء تقريبا يخدم التسلية، الترفيه و الإستهلاك وليس تمتين القيم و تعميق النقاش حول جوهر وجود الفرد في كل أبعاده: الثقافية، الفكرية، الأنطولوجية، الإجتماعية، التاريخية، الهوياتية، إلخ.

من هذا المنطلق، فإن دفاع برغاس عن الثقافة السامية أو الراقية يتأسس لديه على مسألة كون سمو و نبل الثقافة يساهم بشكل فعال في الرقي بالذوق، هذا فضلا عن مساهمته في صقله، توضيبه، تهذيبه و تحذيقه. لهذا يظل الإبداع الخلاق شيئا مطلوبا بإلحاح لتدارك الزمن الضائع وبخاصة في الجانب الذي يسميه فِلِيب لَكُو لَبَارْت و جُون لُوك نَنْسِي ب “المطلق الأدبي” (L’absolu littéraire)(4)، أي إبداع عوالم جمالية فريدة، طافحة بالشاعرية، بحيث تكون ذات المبدع منغمسة في عوالم إبداعها تنسج بتناسق محترف خيوط السرد وحريصة على الجدة و الدقة بحيث تجعل العمل الأدبي إضافة نوعية و حدثا ثقافيا. وهذا ما نعتبره منعطفا إبداعيا متميزا بالنظر لكونه مسارا تحويليا و تطويريا للسرد وهو ما انتهجه برغاس في أعماله الإبداعية.

في هذا الصدد، من الأهمية بمكان الإشارة إلى كون الجماليات في ظل نسق ثقافي رأسمالي يتغيا إشاعة ثقافة الإستهلاك، يعتمد، من بين ما يعتمد عليه، نحت الصور البراقة من أجل النفاذ إلى أعماق اللاوعي لدى المستهلك و سلبه إرادته في التفكير العميق و جعله كائنا طيعا أمام كل خطاب دعائي، ترويجي، إشهاري، إلخ. وهو ما يعد نسقا مضمرا تتحدد سلطته في قدرته على خلخلة القناعات الراسخة للفرد وجعله مطواعا و متذبذبا في تصرفاته و سلوكاته المتعلقة بالإغواء الإستهلاكي.

إن سؤال الإستهلاك الجماهيري باعتبار قاعدته الممتدة، و إن كان محددا في قياس مدى نفوذ الخطاب الدعائي، فإنه لا يعد بالضرورة محددا في قياس الجودة، فكم من الأغاني المبتذلة و الفاقدة لأية رسالة ثقافية و اجتماعية لاقت إقبالا كثيفا و غفيرا في الوقت الذي نجد فيه نسبة مشاهدة الأطاريح العلمية الأكثر دقة و جدة تحظى بنسب متابعة جد ضئيلة. إن المنطق الإستهلاكي لا يعير اهتماما للنخبوي إلا بقدر اندماجه في دواليبه أو التغاضي عن فكرة التصدي له. ينبثق عن هذا الأمر مسألة غاية في الأهمية: الهامشي ليس هامشيا بالفعل إلا من منظور سيادة القيم الربحية باعتبارها تركما ماديا مباشرا.

إن هاجس المؤسسات الإنتاجية، كان و لا يزال، هو التصدي للصرامة الأكاديمية في الحكم على ما هو جمالي، هذا في أقصى الحالات، أما في أدناها فهو تضبيب الصورة و تعويمها لدى المستهلك حتى لا يكون المقياس لديه مبنيا و موحدا. ليس في الأمر مدعاة للإستغراب مادام أن الذوق الجمالي محكوم بقيم العرض و الطلب. من هنا فالجماليات لا يُنْظَرُ إليها في حد ذاتها أو باعتبارها تخدم سمو الرؤية ورقيها لدى الفرد، بل باعتبارها متكئا لتعزيز الفاعلية الربحية أي أنها تضمر رسائل(5) ترويجية مغرضة. بناء على ما سبق، يمكن القول أن المتغير الثقافي لا يتحدد بالضرورة بانخراط هذه الجماليات، طوعا أو كرها، في التقاطعات اللامنتهية، بل كذلك بمدى استيعابه لسلطة المركز المتحكم في تدوير التعدد لتطويعه بغية التحكم في الأفراد و الجماعات.  

في مجال الفن التشكيلي، لقد حصلت ثورة كبرى تواكب نمو الإقتصاد الرأسمالي وانتشار ثقافة الإستهلاك. كل ذلك أدى إلى غياب معايير دقيقة للحكم على جودة الأعمال الفنية، فلكل زبون ذوقه. وهذا ما دفع برغاس إلى التساؤل: هل الثقافة مجرد تسلية و متعة إذن؟ هل قراءة عمل جيد، مشاهدة اوبرا، مشاهدة سمفونية، مشاهدة فيلم طافح بالخيال والرغبات هي من تصنع الفرد في تصوره وتقييمه وحساسيته؟ إلى أي حد يعتبر هذا الجنوح عن قوة الإرادة والرغبة في التمتع أكثر هما المحددين الرئيسيين اللذين سيؤديان إلى التقليل من الإستلاب و المعاناة؟ هل هي الرغبة في المعاناة مع لويس غونغورا أو السعي لفهم أُولِيس هما الغايتين اللتين تسموان على كل الغايات؟ يمكن القول هنا أن الثقافة هي سعي دائم لفهم العلاقات الإنسانية انطلاقا من فهم الواقع والمصلحة الفردية من خلال الفهم الجيد للإقتصاد والسياسة.

إن تسليح المجتمع بأفكار المقاومة و التكيف و بالقدرة على التطور كلها أمور في غاية الأهمية. في هذا السياق وضح برغاس أن الرأسمالية إذا كانت تصنع الثروة فهي في مقابل ذلك تصنع الأنانيات المتضخمة. في نفس السياق أشار الكاتب البيروبي إلى أن الكثير من المفكرين في الرأسمالية أكدوا على أهمية الجانب الروحي في الأزمنة الحديثة، لكن فهم الجانب الروحي، في نظره، ينحى هنا منحيين لا ثالث لهما: المفكرون المتدينون يفهمون الجانب الروحي من خلال الدين بينما اللادينيون يفهمونه من خلال الثقافة.

لقد ساهم النمو الفظيع للإنتاج الرأسمالي في إضعاف الجانب الروحي و تحول الناس إلى ما يشبه بطائق بنكية، أي إلى كائنات يتلخص جوهر وجودها في الإستهلاك، بينما قيم التضامن و التآزر و تشرب معاني وحدة المصير الإنساني تآكلت بشكل كبير للأسف الشديد. وهنا يكمن دور الأدب باعتباره يمكننا من أن نعيش حيوات عديدة عبر الخيال الخلاق، الشيء الذي لا يسمح به الواقع المعيش في أحايين كثيرة. لهذا فالأدب بالإضافة إلى الفن والثقافة أشياء جد مهمة في الحفاظ على توازن الكائن البشري لأنه في البداية و في المحصلة إنسان متعدد الأبعاد. فتهميش الثقافة هو تضييق لآفاق الحياة ونوع من محاصرة المشترك الإنساني. يكفي لكي نفهم التجربة الإنسانية المشتركة أن نمتطي صهوة الذاكرة و الوجود. وهذا ما ظلت تصدح به شخوص روايات برغاس التي من بينها عمله الرائق “المدينة و الكِلاب”(La ciudad y los perros). 

من خلال محتويات مركزة، مكثفة، مدعومة بأمثلة حية و مستندة على حجاج متماسك، حاول برغاس عبر “حضارة الفرجة” أن يدافع بشراسة عن ضرورة عودة الثقافة إلى سابق مجدها لكن بالوعي الجيد بسياقات الكتابة من خلال فهم سياق التطور حتى تكون إضافة نوعية تخدم جوانب متعددة. من هذا المنطلق وجب توضيح أمر غاية في الأهمية: الكتابة لا يمكنها بأي وجه من الأوجه أن ترسخ فكرة تآخي الأضداد بل أن تسعى نحو فهمها و تفكيكها حتى نفهم جيدا واقعنا الثقافي ونعمل على تطويره. ينبثق عن ذلك هذا الثلاثي ذي الدلالة البليغة: المتعة، الفهم و التطور. لكون الثقافة السامية تقتضي ذلك. إن ترسيخ قيم راقية في تصور برغاس لا يمكن أن ينحصر في الخطاب ولا يمكن أن يكون من خلال: يا لسان انزلق و انطلق، أي أن نطلق العنان للكتابة لنخط عبرها كل شيء، بل من خلال عمق الفكرة، رحابة الفكر، الخيال الوثاب، الحكي الشائق، الجمال الكثيف وفخامة المشاعر الإنسانية. من هنا، فإن حدا أدنى من التفكير و رقي الذوق يظل مطلوبا.

الإستنهاض التنويري:

إن المتلقي يظل دائما في حاجة لوضاءة ووجاهة الأفكار و الأساليب ليرتقي و ينتشي و يرحل عن الأمكنة التي تعاقدت مع البؤس أو في أقل الحالات الأماكن التي يتربص بها الحزن برا و بحرا و جوا بالنظر لغياب الإبداع الخلاق وهيمنة الأحادية، الدغمائية و الإجترار. لهذا فإن صناعة الفرح و تجويد الحياة مرتبطان ارتباطا وثيقا بمدى القدرة على تهذيب الذوق، إعلاء شأن الأفكار البناءة و إشاعة فن إنشاد الحياة. فلا يمكن أن يظل مصعد الإبداع الخلاق معطلا لأن مؤداه سيكون حتما مزيد من الضحالة و البؤس. إن القطع مع الإبداع يجعل عجلة الرقي تصدأ و هو ما يشبه أمر ذلك الشخص الذي استغنى عن الغنى بالغناء أو ذاك الذي يرعى النجوم، فلا هي انصاعت و لا هو استفاق. لهذه الأسباب مجتمعة يؤكد برغاس بإصرار لحوح على ضرورة الإرتقاء بالثقافة حتى نتمكن من خوض غمار سراديب الحضارة الموغلة في السمو و الإنسانية. من هنا فالإحجام عن الإبتذال والتسطيح هو بداية الإستنهاض التنويري الجديد. تجدر الإشارة هنا أن الأمور بالنسبة لبرغاس تؤخذ بمساراتها، أي الوعي العميق بمسالك الثقافة حتى نعرف مآلاتها.   

إن المجتمع الصناعي الذي ما انفك يعرف نموا مضطردا، سَيَّدَ الهشاشة في العلاقات الإنسانية بشكل غير مسبوق. بالإضافة إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى أن تضخم الأنانيات كان له تأثير بالغ في تنامي الإنطوائية، التطرف، العنف (بما فيه العنف النوعي تجاه النساء)، انتشار الجرائم واندثار القيم الراقية السامية، ناهيك عن تنامي كل أشكال الإستيهامات بعدما هبت ريح الأزمات الإقتصادية، تنامي رفض الأجانب، انتشار العنصرية، انتداح ثقافة التمييز و تصاعد وتيرة الجرائم المرتكبة في حق الأطفال. من الذي تسبب في كل هذا الإنهيار؟ يعتقد الكاتب أن السبب في ذلك هو غياب التحسيس و التربية المواطنة. ما أحوجنا إذن لثقافة ملأى بالقلق الوجودي، ثقافة همها بعث الأمل فينا، ثقافة تخلق في بواطننا الطمأنينة و التناسق و التناغم و الإنسجام الروحي. فالثقافة حسب برغاس هي تنوع خالص.

لقد أكد الكاتب البيروبي مرارا أنه ليس ضد ثقافة الفرجة، لأنها تمتعه و تسليه، لكنه قلق من شيء مهم جدا و هو الآتي: إذا تحولت الثقافة إلى مجرد فرجة فهنا ما سيحدث هو تعميم النمطية و الإنسياقية، انتشار سلوكيات تقبل الواقع كما هو. بمعنى آخر ستعم سلوكات غارقة في السلبية ومرتكسة في الجمود. كل ذلك سيساهم في انهيار المؤسسات الديموقراطية بانهيار القيم الثقافية الراقية لدى الأفراد بعد أن تمكنت منهم الأنانية، السطحية، الإنشغال باليومي و بالإستهلاك و تفضيل المصالح على القضايا.

كل الأمور التي أتينا على ذكرها تسير إذن عكس ما تقتضيه المشاركة الفعالة في صناعة القرارات، تقوية المؤسسات، الفاعلية في المجتمع المدني، المشاركة الخلاقة الناقدة للفرد في الحياة الإجتماعية، السياسية و المدنية. ومن ثم، يغدو القول بأن ما يقلق كثيرا في المجتمع المعاصر هو غياب المثقف أو في الحدود الدنيا فتور همته، حماسته و فاعليته حتى أضحى مجرد موظف وتقني إلا فيما ندر. فغياب المثقف عن الساحة السياسية، تبخيسه لروح المبادرة، اقتناعه بأن السياسة ثكلى بالفساد والوساخة، أدى إلى مزيد من الضحالة حتى وصلنا إلى أقاصي التدهور المريع حيث غدا تسخيف التفكير البناء شيئا معتادا إن لم نقل مُسَلَّمًا به. فالإرتقاء نحو مجتمع أكثر ديموقراطية و عدالة و رفاهية لا يتحقق في ظل غياب الفئة الأكثر ثقافة و فكرا في المجتمع، الفئات ذات الخيال الوثاب و الإبداع الخلاق.

إن هيمنة ثقافة الفرجة يعني من منظور آخر غياب التطلع نحو القيم الفضلى، السامية و المثالية، من قبيل التعاضد، التآزر، الإيثار و تكريس جزء من الوقت لمساعدة المحتاجين. لقد ساهمت حضارة الفرجة، بما لا يدع مجالا للشك، في تسييد الذاتية واضمحلال ثقافة التضامن بين جميع فئات المجتمع. إن سهام النقد التي وجهها برغاس للكثير من مظاهر الثقافة المعاصرة تستنير لديه بتطلعات استراتيجية مؤسسة على البعد الإنساني و الخصوصية الثقافية من أجل تجاوز الأحادية القطبية التنميطية الموجهة للثقافات و الهويات التي تقع بعيدا عن المركز. فالثقافة، في نظر برغاس، هي وسيلة لتدارك الزمن الضائع من أجل الدفع بالقيم الراقية نحو الأمام، لهذا السبب يوضح بأن: ” الأعمال الأدبية و الفنية التي ظفرت بإحدى درجات التميز لا تضمحل مع مرور الزمن بل تظل حية تُثْرِي ثقافة الأجيال الجديدة وتتطور معها”(6) ().

إن الثقافة الأكثر رقيا، حسب برغاس، هي تلك التي سادت في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية أي بعد توقف فظائع هذه المأساة الإنسانية. من هنا فإن ما يعطي معنى للفرد هو مشاركته في بناء المجتمع على جميع الأصعدة، فلا داعي لمركزة التطور حول نقاط محددة، فالتطور يجب أن يكون شاملا أو لا يكون. على هذا الأساس، تعد الثقافة الطلائعية، تجسيدا حيا للثقافة المبدعة والمنتجة من أجل خلق مجتمع يسوده السلم، الأمن، الدعة، الرقي و الرخاء. لهذا يجب أن تكون ثقافة الفرجة مكونا ضمن مكونات الثقافة الراقية أي وجها من وجوهها وليس ورقة ضغط تعتلي الهرم الثقافي لتتحكم فيه في شموليته. ثقافة الفرجة هي إذن إحدى الآليات الرئيسة للرأسمالية، إذ لا يمكننا تصور رأسمالية بدون سينما، إشهار، دعاية، صناعة ثقافية وغيرها، لكن هذه الميادين مجتمعة ما فتئت تكتسح الساحة الثقافية من أجل أن تتربع على عرشها.

بالإضافة إلى ما قيل، من الأهمية بمكان التأكيد على أن ثقافة الفرجة لا يجب أن تخضع للتسطيح وبالنسبة للأفكار لا يجب أن تذعن لمحاكم التفتيش، لأنه في غياب الأفكار لن يعرف المجتمع تطورا ومن ثم ازدهارا. إن محاكم التفتيش لن تسهم سوى في تعزيز ركائز الدكتاتوريات وهذا ما حدث بالفعل مع الفاشية و النازية. الديموقراطية هي التي تسمح ببروز ثقافة راقية جدا لأن الرقي يقتضي الإستقلالية و الحرية والكرامة والنزعة الإنسانية و تشرب زخم التعدد الثقافي الكوني. في هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن هناك متلازمة مهمة: الثقافة الراقية و الحرية وجهان لعملة واحدة. فهما شيئان لا يفترقان. الثقافة تصبح خطيرة عندما تفتقد لرؤية واضحة و مؤسسة فهي من هذه الزاوية تؤول إلى التفاهة أو التدمير.

يقظة الوعي و ضرورة الإنخراط في الفعل الحضاري:

عندما كتب فلوبير مثلا رواياته التي من بينها “مدام بوفاري”،  فلقد كان هدفه ليس فقط النقد بل خلق مجتمع راق. كانت الخلفية التي انطلق منها هي بؤس الواقع الذي أصبح عليه بلده آنئذ، لهذا سعى بكل ما أوتي من إبداع خلاق إلى إشاعة ثقافة الذوق الرفيع. إن هاجس برغاس من خلال تنويع الأمثلة عبر كتابه “حضارة الفرجة” هوتمكين القارئ من فهم شيء غاية في الأهمية ألا وهو أن الثقافة ليست فقط هي الجانب المادي، بل كذلك الجانب المعنوي من حقوق و حريات ويسترسل في إعطاء أمثلة تدعم موقفه من قبيل دفاع بروست عن العدالة و الحقوق عبر كتاباته. لقد أكد برغاس في نفس السياق أنه بفضل الثقافة الراقية كان التقدم و الإزدهار، فالثقافة الراقية تصدت للشطط في استعمال السلطة، للعنصرية، للعنف، للإقصاء و للتهميش. إن الكونية الإنسية مدينة لهذه الثقافة الراقية المدافعة عن الكرامة الإنسانية، عن الحرية، عن الإختلاف و عن الديموقراطية، إلخ.

إن الثقافة الراقية إذن هي سلطة مضادة للرداءة و البؤس و الإندحار. في نفس السياق يوضح الكاتب أن الإيديولوجيات لا تتحمل في جلها بؤس التقهقر الذي وصلنا إليه باعتبار أن الكثير منها دافع عن حقوق الإنسان و عن العدالة الإنسانية. و يعود ليؤكد على أهمية المدرسة التي يجب أن تتحمل مسؤوليتها في توعية التلاميذ بكون الحياة لا تختزل في الموضة و الماركات. من هذا المنطلق ألح على ضرورة تسليح الناس بأفكار المناعة ضد التفاهة، فالثقافة، بهذا المعنى، ستظل صمام الأمان لدى الشعوب في الحفاظ على كيانها، خصوصيتها و من ثم وجودها.

لقد ساهم المجتمع المعاصر في تحسين ظروف عيش المواطن لكنه، من جانب آخر، ساهم بشكل كبير في تراجع الجانب القيمي، التربوي و الروحي عكس ما كان سائدا. نحن نعيش أزمة ثقافية عميقة و سبب ذلك سرعة نمو المجتمع الرأسمالي و سرعة تنامي القيم المادية إلى أن وجد الناس أنفسهم في مأزق حقيقي بعد أن رؤوا كيف انعكس ذلك عليهم و على أبنائهم. لقد حان الوقت لإعادة النظر في المقررات الدراسية لتدارك العطب الحاصل. صحيح أن الثقافة في المحصلة هي تفاعل مع الآخر أو مع ما نسميه “الجغرافيا الثقافية” géoculturalité(في إحالة على الخصوصية الثقافية لكل منطقة جغرافية)، لكن في كل الحالات، لا يمكن أن نلغي، أن نجمد أو في أدنى الحالات، أن نُحَيِّد الخصوصية الثقافية للشعوب من أجل تَسْيِيدِ ثقافة السائد المهيمن. في مقابل ذلك، فإن الجمود لا يوازيه سوى الإستقالة من الفعل الحضاري باعتبار أن التفاهة التي نعيش في كنفها اليوم هي نتاج نظرة سطحية بل وحتى جامدة ـ في أحايين كثيرة ـ للتاريخ و زخم التعدد الثقافي. وبالعودة إلى مفهوم الجغرافيا الثقافية الذي اشتغلنا عليه، فلا بد من أن نحدد خصوصيته في ظل عالم متحول. صحيح أن هناك بيئة غربية تأخذ بزمام التحولات الثقافية كونيا تحت مسمى العولمة، لكن الطروحات الثقافية المنتجة ما تفتئت ترحل في كل الإتجاهات، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا وهذا ما يمكننا تسميته ب “اللاتوطين الثقافي” الذي يرتبط، في حقيقة الأمر، بعملية تصدير المنتجات النابعة من قوة الإقتصاد الرأسمالي وقدرته على تجديد نفوذه. لا يفوتنا في هذا الخضم أن نشير إلا مسألة لا تقل أهمية عما سبق ألا و هي أن مفهوم الحدود ما انفك يتآكل في ظل عالم معولم، ولهذا فإن آلة التنميط ظلت تشتغل بدينامية غير مسبوقة معتمدة في ذلك على الإستثمارات الإعلامية الضخمة من أجل إطلاق قنوات تلفزية و غيرها تتحدث اللغات الأكثر انتشارا في العالم. فانهيار الحدود الثقافية و المعرفية سيظل مستمرا و إن كان في مقابل ذلك تشدد في تنقل الأشخاص بغية التحكم في سياسة الهجرة والحفاظ على المعالم الكبرى لهويات البلدان المُهَاجَرِ نحوها.

بناء على ما سبق، ليس مدعاة للإستغراب وجود هذا التنامي الفظيع في التداخلات الثقافية. من هنا فإن الإنسيابية المرنة للثقافة هو ما أهلها لبسط نفوذها كونيا بتمركز غربي باعتبار أن الغرب هو الأقوى كونيا. ولعل “الراديكالية الثقافية” (le radicalisme culturel) التي ظهرت في بعض بقاع العالم هي نتاج للصدام بين توجه ذي حمولة ليبرالية و آخر ذي حمولة ميتافيزيقية. بمعنى آخر، نحن أمام جدلية مركزة المركز و تهميش الهامش من أجل تكريس ثنائية السائد والمسود بصيغ متجددة كاستمرار للواقع الكولونيالي في الحاضر ما بعد الكولونيالي.

من منظور برغاس، تعد الثقافة تراكما، تمحيصا، تدقيقا و تفكيرا بغية تعميق النقد و الرؤية حول الأسئلة الثقافية الراهنة لأن الأهم هو أن يكون التفاعل مواكبا للأحداث حتى لا نجني تبعات كسلنا الفكري في المستقبل. فالمجتمع الإنساني لا يعرف الحواجز والنزعة الإنسانية لا تعترف بالحدود الثقافية لأن الإنسان حيثما وجد فهو محور الوجود و الفكر. هنا يعود الكاتب البيروبي ليؤكد على مسألة غاية في الأهمية: لقد اختطت حضارة الفرجة لنفسها، مجال الكم بدل الجودة. فالرأسمالية تعي جيدا كون الثقافة هي شأن يهم الجميع، لهذا استغلتها لبث قيم الإستهلاك بدل التفكير و التنمية. لذلك فإن تبخيس النزعة الإنسانية في المجتمع المعاصر ساهم في تنمية العنف، السطحية، التكرار و الإجترار.

إن تنمية الحس الإنساني يبدأ في الأسرة وينمو في المدرسة وهنا يأتي دور الأدب الرفيع من نصوص جيدة في تنمية الأخوة الكونية عبر زرع قيم التسامح، الإنصات و التفاعل الإيجابي باعتبار أن الأدب يتوفر على مساحات أفيض للتعبير و من ثم للتأثير. وفي سعيه للتفصيل في إشكالية القيم في السياق المعاصر، أشار إلى  مسألة لا تقل أهمية عن ذلك مفادها أن كل شيء ثقافة و في نفس الوقت ليست هناك ثقافة و يعني الكاتب البيروبي بذلك الثقافة ذات الجاذبية و الفاعلية ومن ثم التأثير الكبير على مسار التغيير المجتمعي. وبما أننا أصبحنا نشهد، بما لا تخطئه العين، تنامي البذاءة والسفالة ومن ثم التقهقر المروع على جميع الأصعدة، فإن إعادة النظر في الوضع السائد لتجاوزه نحو الأحسن و الأجود أضحى أمرا حتميا وضروريا. لم يكتف برغاس بذلك بل شدد على دور الإعلام، لأن هذا الأخير هو من يصنع الأنماط الإجتماعية وعدد لا يستهان به من عرابي التسطيح من المتهافتين على القنوات التلفزية الذين يلوكون الخواء و الجفاء بحذلقات بلاغية متكفلة محفوظة عن ظهر القلب. هذه الببغاوية أو بتعبير المفكر الليبي الصادق النيهوم الظواهر الصوتية هي ما شكلت أحد مجالات اهتمامه عبر كتابه المتميز “حضارة الفرجة”.

حسب ماريو بارغاس إن الثقافة الراقية لها دور كبير في شغل حيز الجانب الروحي و من ثم إمكانية تسييدها كونيا باعتبارها تنشر قيما ذات نزعة إنسانية خالصة. وبخصوص الدين، قال الكاتب بأنه لن يختفي أبدا لأن الوجود الإنساني مدين للجانب الروحي و الإيتيقي في التوازن والطمأنينة في حياة الناس. فإذا كانت هناك فئات عريضة وجدت ضالتها في التدين فإن هناك فئات أخرى وجدت ضالتها في القيم الثقافية السامية للتعويض عن الفراغ الروحي في حياتها.

خاتمة:

وفي الختام لا نملك إلا أن نقول أن نقد برغاس للواقع الثقافي المعاصر عبر“حضارة الفرجة” تميز بالعمق والدقة بحيث ظل يترصد دائما مكامن الخلل لتجاوزها ومن ثم المساهمة في الدفع بعجلة التقدم نحو الأمام مؤكدا على أن التعدد هو جوهر الثقافة الديموقراطية  وأن لا وثوقيات في ظل التقاطعات الثقافية اللامنتهية مؤكدا على أننا نعيش في مجتمع السرعة و في زمن الثورة المعلوماتية، إذ بقدر ما كان لهذه الثورة من تأثير إيجابي على حياة الناس، كان لها تأثير سلبي من بينه نشر السطحية، الإستهلاك، البداءة و الأنانية، فالكثير من الشباب لا يستطيعون قراءة كتاب ورقي واحد. لا يفوتنا في هذا الصدد الإشارة إلى كون أن هذه الثورة المعلوماتية ظلت، من منظوره، تشتغل على تطويع الخصوصيات الثقافية من أجل نشر قيم السوق، فحسب برغاس إن جزءًا كبيرًا من مشاكلنا يرجع إلى تهميشنا للثقافة حتى فوجئنا بالصعود المتنامي للإستهلاك، التسليع، التتفيه، تعطيل النقد البناء و تخدير الوعي السليم ولذلك لقد حان الوقت لإعادة الإعتبار لكل حقول الثقافة الراقية.

وإذا كان برغاس قد ركز على الأدب ـ من بين أمور كثيرة أخرى ـ، فبكل تأكيد لكون هذا الأخير له دور ريادي في محاربة الغباء، التجهيل، التفاهة والتسطيح. فإذا كانت الثقافة المعاصرة قد واكبت سرعة الإستهلاك، فهذا دليل على غياب المجهود الفكري وذلك ما ساهم في ذوبان الثقافة في قيم الرداءة، التسليع و نشر الغباء و السذاجة. إن ثقافة الإستهلاك تتعارض مع إشاعة الوعي العميق والفكر الحصيف لأن جوهرها هو الربح ومواكبة ما يطلبه المستهلك. من هنا أصبحنا نشهد التحولات الجذرية الكبرى، فبدل أن يكون الإستهلاك هو السطحي أصبح الأمر عكس ذلك، فالفكر هو الذي أصبح سطحيا، الشيء الذي يؤكد انتشار ثقافة القبول الطوعي لكل ما يبث دون مجهود نقدي، فكري و تحليلي وهو ما يقتضي منا جميعا مباشرة التغيير بإعادة الدور الريادي للثقافة الراقية.

لقد كان هاجس برغاس عبر “حضارة الفرجة” هو تنبيهنا إلى كوننا نعيش أوج التفاهة بالنظر لتوسع نفوذ الرداءة وكل ذلك له علاقة مباشرة بِتَسَيُّد قيم السوق كما أنه نبهنا إلى أن التتفيه الممنهج الذي نعيشه يخضع لبرنامج اشتغال دقيق ومحدد الأهداف غايته ترسيخ وجود الرداءة في كل دواليب الحياة سعيا وراء خلق مزيد من عبيد التفاهة وعبيد التفاهة الجدد وتقوية مسلسل التغبية عبر تلميع الخطابات ذات المضامين السخيفة. إن التربيت على الغرائز والإبداع في طمس الحقائق وربط النجاح بكل ما هو تافه كلها أمور أضحت معتادة في الثقافة السائدة، لهذا سعى الكاتب البيروبي بشكل دؤوب إلى إبراز مكامن الخلل في مسلسل التتفيه الثقافي الذي انغرس في دواليب الإنتاج القيمي المعاصر.

إن عالم الفكر و المعرفة المعاصرين سيظلان مدينين لماريو بارغاس يوسا بتأصيل النزعة الإنسانية في الثقافة الراقية التي ما فتئ يدافع عنها متصديا بذلك للنزوعات الفرجوية ذات الحمولة الإستهلاكية هذا فضلا عن نقده اللاهب لثقافة التسليع، الإستهلاك، الدعاية و التسطيح التي امتدت أذرعها إلى جل المجالات بغية الحجر على الإستقلالية، الإبداع و الحرية. وبخصوص تنامي التصدي للفن الجاد فهو، بالنسبة له، الخطوة الأولى نحو الفناء إذ لا يستقيم الوجود الإنساني دون إبداع خلاق، أما في ما يتعلق بالتجربة، فهي، من منظوره، إذا لم تُحَوَّل إلى وعي فستظل مجرد اجترار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ هوامش:

(1)-Joseph Shaules, Deep Culture The Hidden Challenges of Global Living/Languages for Intercultural Communication and Education, Britain, Ed. Cromwell Press Ltd, 2007, p. 27-29

ـ(2د. آلان دونو، نظام التفاهة (ترجمة و تعليق د. مشاعل عبد العزيز الهاجري)، لبنان ـ بيروت، دار السؤال، 2020، ص 27 

(3)-Jacques Demorgon, Critique de l’interculturel L’horizon de la sociologie, Paris, Ed. Economica/Anthropos, 2003, p. 4

(4)-Voir,Lacoue – Labarthe Philippe et Nancy Jean-Luc, L’absolu littéraire, Théorie de la littérature du romantisme, Paris VI. Ed. du Seuil, 1978.

 ـ(5) –عبد االله الغذامـي، النقد الثقافي : قراءة في أنساق الثقافية العربية، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط 2 ،2001، ص ص 81-85

-(6)-Mario Vargas Llosa, la civilización del espectáculo, Madrid, Ed. Alfaguara, 2012, p. 19

-()-C’est nous qui traduisons.

ـ جواد رشدي، أستاذ باحث ـ المغرب.

شاهد أيضاً

محمد شوقي الزين*/”الطبيعة تمقت الفراغ” (أرسطو).

تفتقر الجزائر إلى ثقافة الحوار والنقاش. قانون الصمت أو “أومارتا” (Omerta) هو الثقافة السائدة، ولم ...

تعليق واحد

  1. Avatar

    شكرا استاذ ،
    قراءة في منتهى الدقة والتحليل