الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.سعيد اللاوندي* :في ذكرى رجاء النقاش **
د.سعيد اللاوندي

د.سعيد اللاوندي* :في ذكرى رجاء النقاش **

عندما بكي رجاء النقاش في باريس


شاءت أقداري أن ألتقي بالناقد الكبير رجاء النقاش -الذي رحل عن دنيانا فترك في القلب حزناً مقيماً- في باريس
أكثر من مرة، ويرجع لقائي الأول به في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي عندما ضرب لي موعداً علي «تراس» أحد المقاهي الباريسية. وأذكر أنني عندما مددت له يدي بنسخة من رسالة الدكتوراه التي تقدمت بها إلي جامعة السوربون وكانت حول الفكر الإصلاحي والسياسي والديني عند عباس العقاد، شرع يثمن الرسالة غالياً
ويسهب في حديث أدبي جميل عن عملاق الأدب العربي.لكن -ويشهد الله- أنه عندما قرأ الإهداء وكان كالتالي:
«إلي رجاء النقاش الذي منحني بكتابه -عباس العقاد بين اليمين واليسار- درجة الدكتوراه قبل أن تمنحني إياها
جامعة السوربون»، فرت دمعة سريعة من عينه وقال لي في فرح طفولي: هذا الإهداء هو أغلي عندي من كنوز
الدنيا.ثم أخذ الناقد الكبير رجاء النقاش يحدثني -حديث الذكريات- عن الظروف التي كتب فيها كتابه عن عباس
العقاد وقال: لقد أسدي لي الرئيس السادات معروفاً، ربما لو عرف وقعه علي نفسي لما قام به، فقراره الجائر الذي حولني مع نفر من رجالات مصر وأصحاب الأقلام البارزة في ذلك الوقت إلي وزارة الزراعة والري هو الذي
جعلني أتفرغ لتأليف هذا الكتاب الذي كنت انتهيت من جمع مادته وتبويبه منذ فترة، ولم أتوفر علي الوقت لكتابته.. ثم قال ضاحكاً: لقد وفره لي الرئيس السادات، ثم امتثل بما سبق أن قاله الزهاد والمتصوفة الذين يسكنون الأديرة، والأماكن المقفرة: لو عرف الملوك (والرؤساء) مقدار ما نحن فيه من سعادة لقاتلونا عليها!ثم دلف الراحل رجاء
النقاش لحديث
ذي شجون فذكر أن باريس التي يشترك في عشقها مع كثيرين ويري في جنباتها رموز الفكر العربي منذ
الطهطاوي (ورفاقه) حتي طه حسين ومحمد مندور، إلا أنها تؤلمه، وتدمي قلبه لأنها تذكره بشقيقه الأصغر
«وحيد» الذي مات فيها غريباً، وخلته يمسح دمعة تدحرجت سريعاً علي خده وهو يقول: كان «وحيد» ناقداً مسرحياً واعداً، يملأ الدنيا بشراً وسعادة، وكنت أعتبره ابني وأتعهده بالرعاية كما يتعهد الجنايني وروده وأزاهيره.. لكنه الموت اللعين الذي اختطفه مني.ولكي أقطع عليه حبل أفكاره الحزينة سألته مرة أخري: لعلك تذكر كتاب الموت
والعبقرية الذي أبدعه عقل وفكر الدكتور عبدالرحمن بدوي.. فأجاب علي الفور: يا الله.. إنه كتاب رائع.. لكن ما
هي أخبار الدكتور بدوي.. أما يزال أعزب يسكن فندق لوتيسيا ويقطع كل سحابات النهار في المكتبة الوطنية.وبعد نقاش امتد وتشعب حول الدكتور عبدالرحمن بدوي وسبب كراهيته لمدرسة العقاد (أو العقاديين) وترجيحه كفة
مدرسة طه حسين
(أو الطحاسنة).. عرجت بالحديث علي الشاعر العربي الكبير أدونيس ورويت له الواقعة التالية:لقد اصطحبني
الكاتب
الصحفي أحمد أبوكف (شفاه الله) والتقينا بالشاعر أدونيس في مقهي جورج الخامس الذي يغفو علي الضفة اليمني
من شارع الشانزليزيه، وعلي بعد فراسخ من قوس النصر.وأذكر أن أدونيس تردد في قبول إجراء حوار مع
الأستاذ أبوكف خشية ألا ينشر فيسبب بذلك حرجاً لأبي كف وجرحاً لأدونيس.وبعد أخذ ورد سأله الأستاذ أبوكف:
قل لي
بصراحة ممن تخاف.. ولماذا تتصور أن أحداً في مجلة «المصور» يناصبك العداء؟فقال أدونيس بعد لحظة تفكير
قصيرة: بصراحة أخاف من رجاء النقاش.. أليس هو مدير تحرير مجلة «المصور» وقد يستخدم سلطاته لمنع نشر الحوار.. وأقسم أبوكف قائلاً: والله العظيم إن «رجاء» هو الذي طلب مني أن أجري معك هذا الحوار. وأشهد أن
السعادة غمرت وجه أدونيس فتوردت وجنتاه، وانطلق يغمغم فرحاً وقال: الآن اترك لي الأسئلة علي أن نلتقي غداً في نفس المكان لأعطيك الرد مكتوباً.وأعترف أن الراحل الكبير رجاء النقاش ظل يسمعني باهتمام، وعندما أنهيت روايتي قال في دهشة: غريب أمر أدونيس، لماذا يصر علي أنني ضده (في شخصه)، إنني علي المستوي الإنساني أقدره، وعلي المستوي الشعري والأدبي أثمن جهده، وإن لم يمنع ذلك من اختلافي الشديد معه في بعض القضايا الأدبية. وفي صوت مشبع بالمودة أضاف: لكنه يبقي «قيمة» وإضافة فهو شاعر كبير وموهوب.وأخيراً لن أنسي
ما حييت عندما جاءه أحد الطلاب الدارسين في جامعة باريس (وكان يتعاطي الصحافة لتوفير نفقاته الدراسية) و
شكا إليه من عسف وظلم وجبروت أحد مديري المكاتب التابعة لصحفنا القومية، ففوجئت بوجه رجاء النقاش قد
تغير، ومال ينصت باهتمام إلي محدثه، وشرع يربت علي كتفه ويهدئ من روعه، وقال: لا تحزن يا ابني فالمستقبل لك، إنني أعرف هذا الشخص «إنه – علي أقصي تقدير- نصف متعلم وكلنا يعلم أنه يكمل نقصه بعمل استخباراتي مؤذ.. يا ابني كون نفسك ولا تخف».وأقسم بالله ثلاثاً أنني لمحت دمعة أخري تترقرق في عين رجاء النقاش
الذي سمعته يحوقل ويستعيذ بالله من كل شيطان رجيم وهو يقول.. ألم يشبع هؤلاء ظلماً في البشر.
وأحسب أن هذه الشكوي قد نكأت جراح رجاء النقاش الذي وقع عليه ظلم أكثر بشاعة من يوسف السباعي
وأزلامه.
*مفكر مصري راحل
**مقال منشور بجريدة المصري اليوم

شاهد أيضاً

محمد شوقي الزين*/”الطبيعة تمقت الفراغ” (أرسطو).

تفتقر الجزائر إلى ثقافة الحوار والنقاش. قانون الصمت أو “أومارتا” (Omerta) هو الثقافة السائدة، ولم ...