الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.فاطمه الحصي *الثوره عند المفكر المصري سلامه موسى**
الكاتبه /فاطمة الحصى

د.فاطمه الحصي *الثوره عند المفكر المصري سلامه موسى**

مقدمة :

تميزت كتابات سلامة موسى(1887-1958)  بالسلاسة واليسر فى توصيل المعلومة و كان اسلوبه فى الكتابه هو “السهل الممتنع “، وقد صارح  سلامة موسى قراءه بأن كتاباته ماهى الا خطابا شخصيا الي القارئ ، وهو ما يمكن اعتباره ذكاء وتواضع العلماء فهو يخبر القارئ بأنه ليس مفكرا ولا ناصحا له ولا وصيا عليه ولكنه صديق وهو بذلك يكسر الحواجز بينه وبين القارئ ويهيئه لقبول كتاباته بمودة .

ومن يراجع كتابات سلامة موسى يجد أنه قد تأثر بمفكرين عظام على رأسهم كانط وهنري برجسون .

اهتم سلامة موسى بالدعوة الى إعمال العقل وتنمية القدرة على الفهم والاهتمام بالعلم ، كما اهتم اهتماما خاصا باللغة العربية ودعا إلى ضرورة تطويرها مع تطور العصر ، هذا الى جانب دعوته الدائمة الى تطبيق مبادئ الثورة الفرنسية فى الحقوق الانسانية وعلى رأسها الحرية والعدالة .

  وقد فتح سلامة أبوابا للنقاش سابقة على زمنه ، حتى أن  البعض شبه قلمه “بالمحراث الذي يشق الأذهان ويحفرها ويهيئها للزرع الجديد، أما أفكاره فهى  كالمطرقة  التى تقرع الرؤوس لتنبهها وتثير اهتمامها، وتنقلها من الخيال إلى الواقع، ومن الوهم إلى العلم، ومن الخرافة إلى الحقيقة” .وهو أصدق تعبير عن فكر سلامة موسى ، فلقد كان الرجل سابق لزمنه  فى طرحه لقضايا شائكة وحساسة ، ولعل قضية الثورة والحرية من اهم تلك القضايا واكثرها حساسية وجرأة  ، حيث أن الكاتب الذى يتصدى للكتابة حول تلك القضايا غالبا ما يقع فى عداء مع السلطة.

و كان الرجل موفق الى حد كبير فى طرح قضايا وطنية معاصرة للزمن الذى عاش به ، وسابقا عليه فى أحايين كثيرة ، مؤمن اشد الايمان بالتطور والتغير الاجتماعى ،فخاض معارك عدة على رأسها دعوته لتطبيق مبادئ الثورة الفرنسية الحرية والعدالة الاجتماعية والديموقراطية فى الحياة المصرية  ، فكان يدعو الى حقوق الانسان ورفاهيتة وعدم التمييز بين البشر .من خلال إعمال العقل والإعتماد على التفكير العلمى الممنهج وحرية العقيدة والفكر .

أولى سلامة موسى اهتماما كبيرا بالحركة الثورية حول العالم وتأملها تأمل المفكر وسعى إلى نقل التجربة إلى المجتمع المصري عله يتأثر ويتحول إلى مجتمع ثائر على الظلم والطغيان فى جميع أشكاله ، ساعيا إلى تحليل الفكر الثورى وتفكيك الثورات لمعرفة اسبابها واهدافها وابطالها ، فكان دائم التأكيد عليها وعلى ضرب النماذج والأمثال للفت الانتباه الى أهميتها بمجتمعاتنا العربية يتضح ذلك بشكل جلى فى كتابه (فى الثورات )وكتاب(حرية الفكر وابطالها فى التاريخ ).

كان سلامة فى حماسه للثورة الفرنسية شديد الشبه بكانط الذى كان متحمسا لمبادئ الثورة الفرنسية الحرية والإخاء والمساواة فلقد كتب كانط عنها بأنها ظاهرة لا يمكن أن تُنسى كشفت فى الطبيعة الإنسانية عن إستعداد للعمل لما هو أفضل ،وقد رأى كانط فى الثورة علامة على التقدم الأخلاقي للبشرية، ومن خلال تحليله للثورة سعى كانط إلى الوصول لكيفية إعداد الجنس البشري لتطوير التصرفات الخلاقية وثقافة الإنضباط  وهوما نلمسه لدى سلامة موسى  على مدار حياته من سعى لتحسين سلوكيات البشر إلى الأفضل .

ومن اليسير على القارئ العادى لمس مدى صدق سلامة موسى فى عرضه للقضايا المختلفة التى شغلت المجتمع المصرى وإنشغاله الدائم  بمستقبل هذا المجتمع .

تتطرق الورقة  لقضية الثورة لدى سلامة موسى من خلال المحاور التالية :

  • أولا -أسباب اهتمام سلامة موسى بالثورات.
  • ثانيا -اسباب الثورات لدى سلامة موسى .
  • ثالثا-ماهية وأهداف الثورة لدى سلامة موسى .
  • رابعا-دور الأدب  فى الثورات .
  • خامسا-مفهوم الحرية لدى سلامة موسى وعلاقته بالثورة  .
  • سادسا -سمات أساسية فى الثورات من وجهة نظر سلامة موسى .
  • خاتمة

أولا-أسباب اهتمام سلامة موسى  بالثورات

تتضح أسبب اهتمام سلامة موسى بالثورات فى العالم فى نقاط أجملها فى الآتي :

(1-3)- اهتمامه بالانسان :

القارئ لكتابات سلامة موسى سوف يلتقى على صفحات كتبه بعبارات تؤكد على اتجاهه الأنسنى ،والفكر الأنسنى هو فكر يٌعلى من شأن الإنسان ويجعله هو بؤرة الاهتمام الأولى، والعقل في هذا الفكر هو فى مرتبة الحاكم. وهو ما جعل سلامة  يهتم بالثورة لأن هذا الاهتمام نابع من اهتمامه بالإنسان ولذلك فهو ينادى بثورة الانسان على الظلم والاستغلال والبحث عن الأفضل فى الحياة .

وما يدعو إلى التامل أنه فى تلك الحقبة التاريخية لم يكن الإتجاه الأنسنى قد اتخذ الحيز الذى اتخذه فى الدراسات الحالية  ، خاصة بمصر ، ومع هذا فها نحن نلتقى به فى كتابات المفكر سلامة موسى .

وقد أسس لهذا الفكر فيما بعد المفكر الجزائرى محمد أركون ودعا اليه وآمن به كخلاص من التعصب والعنف ورفض الآخر ، مما يجعل الباحث يتساءل حول اذا ماكان الإنتماء إلى فئة الأقليات بالاضافة الى الشعور بالإغتراب -وهو ما أكدته فى أطروحتى للدكتوراه حول المفكر الجزائرى محمد أركون- يجعل من الفكر الأنسنى الخلاص والملجأ ضد إمارات التعصب والإقصاء التى يعانى منها أفراد الجماعات المهمشة والأقليات فى مجتمعات ترفض التعددية .

اذن فالاهتمام بالانسان هو السبب الرئيسى للإهتمام بالثورات لدي سلامة موسى ، نلمس هذا الفكر الأنسنى فى عبارات سلامة ، على سبيل المثال يقول فى مقدمة كتابه عن الثورات :”علينا أن نربى الانسان على أن يكون انسانيا “، كما يقول أيضا :”ان مذهبى الذى عشت به فى السر والعلن هو الإيمان بالإنسان الذى يخترع الخرافات ويقيم العروش ….ثم لايلبث أن يحمل المعاول ويحطمها”، وفى موضع آخر يقول” على الأديب أن يرتفع بالثورة  الى الانسانية العامة التى تسمو على القومية الخاصة”.

(2-3)-السعى إلى التطور والنهضة فى المجتمع المصرى :

عاش سلامة موسى عصر (نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ) وهو عصر كان مفعما بالحيوية وكان الفكر فى حالة من حالات الغليان ، وعاصر  الرموز من أمثال الامام محمد عبده ، فرح أنطون ، شبلى شميل ،العقاد ، طه حسين ،قاسم أمين ..الخ ، وكان الجميع على اختلافهم يبحث فى أسباب التخلف بالمجتمعات العربية ،وكيفية النهوض بها.

الا أن قضية النهضة والتطور اتخذت لدى سلامة موسى خطا ثوريا  ، هذا الخط نبع من زيارته الى أوروبا بنهاية القرن التاسع عشر ، ومشاهداته وجها لوجه للحضارة الأوروبية فى بداية نهضتها، وتتبعه لمفكريها وثائريها وكتاباتهم ، كل هذا جعله يؤمن بأن الثورة تبدأ من مفكريها وكُتّابها ، هذا الإيمان جعله يسعى الى التغيير والتطوير لبلاده عبر القاء الضوء على نماذج ثورية كان قد قرأ دورها فى الثورات الأمريكية والروسية ما الثورة الفرنسية فقد كانت الأكثر تأثيرا علي فكره ومنطلقاته ،وقداعتبر أنهاالثورة الأعظم فى التاريخ  .

كان اطلاع سلامة على هذه الثورات  يجعله ينشغل أكثر بالطبقة الفقيرة فى المجتمع المصرى ، ولهذا استحوذت فكرة الثورة على عقله وكتاباته .وكان الهدف من الثورة لديه هو “تحقيق مبادئ الحرية والعدالة والشرف “وهو ما نلمسه فى كتاباته المختلفة وعلى رأسها “كتاب الثورات “و كتاب “حرية الفكر وأبطاله فى التاريخ “.

اعتمد فى  منهجه لدراسة الثورات على  القاء الضوء على  المقدمات المهيئة للثورات وشرح المعارك المذهبية المبدأية لأنه اعتبرها النور المضئ الذى يحركنا للفهم .كما اعتمد على طرح النماذج والسلوكيات التى اتبعها الثورى كخطوات يمكن اتخذها كنموذج حى والاقتداء بها ، مؤمنا   أنه لا يصح الا الصحيح وأن نموذج الثورى غالبا ما ينتصر حتى لو تم قتله  فسينتصر ولو بعد دهرمن الزمن ، وهو ما يبعث على الأمل فى المجتمع المصرى وعدم الاستسلام واليأس. نلمس ذلك بقوة فى القصة الرمزية المترجمة والتى تحمل عنوان “التسامح ” التى بدأ بها كتابه “حرية الفكر وأبطاله فى التاريخ “.

(3-3)- مناهضته للتعصب :

اهتم سلامة موسى بظاهرة التعصب،وسعى إلى لفت الانتباه إلى أسبابها وطرق تجنبها .بل إنه يعد من أوائل المفكرين الذين خرجوا بعد التحليل والقراءة العميقة بأسباب التعصب والتى يمكن إجمالها من وجهة نظره فى النقاط التالية :

– الجهل

-الخوف

– الكسل والاستنامة للعادات الفكرية المألوفة .

– المصالح المرتبطة بتلك العادات الفكرية المألوفة .

ويرى سلامة موسى ان عقلية الثورة فى العصور القديمة كانت دينية لأن الطبقة الحاكمة كانت طبقة دينية تستولى على وسائل الانتاج ، وفى هذا يضرب لنا الأمثلة من الواقع والتاريخ ،فمثلا عمر مكرم ثار ضد الوالى التركى ، أما عرابى فثار ضد الأغنياء ، فى حين كانت ثورة 1919هى ثورة ضد الاستعمار البريطانى ، وثورة 1952 فهى ثورة الطبقة المتوسطة والعاملة.

اذن تبدأ هذه الطبقة فى المقارنة والاحساس بالتمييز هو ما يجعل افرادها  يدعون الى الثورة وتهيئ محركات الثورة  ، فما يلبث أن ينضم الشعب اليها فى حال ادراكه لشرف غايتها. فالشعب لدى سلامة موسى الشعب هو صاحب الجلالة.

، لافتا  الانتباه الى  وجود ما أسماه بالمنافسة الدينية السلمية  والمنافسة الدينية غير السلمية ،شارحا ذلك بأن الحروب المذهبية بين الكاثوليك والبروتستانت جعلت كل طائفة  تؤسس مدارس لتلقين الصغار عقيدتهم الصحيحة ، ولكنه على الجانب الآخر اكد أن ذلك  أدى إلى نكبات وكوارث مثل الاضطهاد والحروب ، ويرى سلامة أن الخراب  العظيم الذى حلّ بأوروبا نتيجة هذه الحروب منذ عام 1618 جعل الناس تعرف قيمة التسامح خوفا من عواقب التعصب .

ثانيا – ماهية وأهداف الثورة لدى سلامة موسى

يصف سلامة موسى الثورة بأنها “سقوط وتهدم لجميع ما كان يعد كأصل الحياة فى الامة ، مما يعنى  قلب سريع يحدث فى سنوات قليلة للمؤسسات الثقافية والإجتماعية والإقتصادية والدينية والسياسية التى امتدت جذورها فى التربة عدة قرون ” .

وصف سلامة موسى للثورة هو وصف دقيق يكاد ينطبق على الثورات فى العصر الحديث أيضا ،وليس خافيا أن  سلامة موسى كان شديد التحمس للثورة المصرية عام  1952 ،حيث  وجد أن تعريفه هذا ينطبق عليها ،وكان شديد التفاؤل بالثورة المصرية عام 1952 فعّول عليها أيما تعويل ، وذلك بسبب نقمته على المَلكية وما أدت اليه من جهل وفقر لافتا الى سجنه ومعاناته الشخصية من بعض المظالم فى تلك الفترة، إلى حد وصف الملك فاروق بأنه : “كان جرعة سامة تجرعناها وكدنا نموت منها “.

 ويستمد سلامة موسى تحليله للثورات من التاريخ الذى شبهه بال “مركب كيميائى  الذى يتسلل إلى خلايا المخ فيحرك الذكريات ويقيم الوصال بيننا وبين الأبطال ويدفع بالإقتداء بهم كقدوة مما يؤدى إلى التغيير والتطور فى النفوس ويبعث الأمل فى النفوس ” ففى رأى سلامة موسى أن العودة الى التاريخ ضرورية لأنها تثير الغضب ضد المستبد. 

وتمثل هذه النقطة تحديدا الهدف الأساسى لكتابات سلامة موسى المستمرة وتحليله للثورات فى العالم بأسره .

ثالثا-اسباب الثورة لدى سلامة موسى

يمكن التعبير عن تصور سلامة موسى حول أسباب  الثورات  فى دائرة مغلقة كالآتى :

اضطهاد-يؤدى الى انفجار – يؤدى الى تغيير يمحو هذا الاضطهاد .

يتفق سلامة موسى فى هذه النقطة مع الفيلسوفة الألمانية حنة أرنت (1906-1975) فى كتابها (رأى فى الثورات ) التى رأت أن الثورة غالبا ما تقوم على وجود طبقة تشعر بالاضطهاد أكثر من غيرها، وتشعر بالتمييز بينها وبين الطبقات الأعلى، هذا التمييز بين الأفراد الأغنياء وجماهير العمال الفقراء واكتشاف الفقراء للفارق الكبير بينهم وبين الأغنياء هو ما  يؤدى إلى ثورة الفقراء من وجهة نظر الفيلسوفة الألمانية أيضا .

وضع سلامة موسى تصور حول كيف تقوم الثورة ، فلقد افترض -من خلال قراءاته العميقة للثورات-  أن الثورة تقوم على طبقة تشعر بالظلم وتُهضم حقوقها فى مقابل طبقة أخرى تستحوذ على كل الامتيازت ، فتبدأ الطبقة الأولى فى الثورة والشرط الأساسي لدى سلامة موسى فى تحولها إلى ثورة حقيقية هو  إقتناع الشعب بعدالة مطالب الطبقة المظلومة ،فإذا ما آمن الشعب بذلك  انضم اليها وتتحول الى ثورة حقيقية ، ويضرب الأمثال على ثورات مثل ثورة النبلاء لاسترداد حقوقهم فى انجلترا وثورة الطبقة المتوسطة ضد الملك والنبلاء فى عام1789، وثورة العمال 1848لاسترداد حقوقهم، الخ .

رابعا- دور الأدب فى الثورات

اهتم سلامة بالمفكر والأديب الثورى الذى اعتبره عود الثقاب الذى يهيئ للثورات ، ففى رأيه أن  دور الأدب او الأديب هو اشعال الثورات ، فلقد آمن بمقولة المفكر الفرنسى سارتر “ان الكاتب مسئول عن الكتابة عن الظلم “، كما آمن بمقولته “ان صناعة الأدب هى الحرية ” ، ويرى سلامة موسى ان الشعوب بحاجة الى كُتّاب أمناء أصحاب ضمير  فقط ، مؤكدا على رأيه هذا بصورة من الواقع وهى أن الملك فاروق تجرأ على ممارسة الظلم والفسق كنتيجة لعدم وجود كُتّاب أمناء صحاب ضمير ، متهما الشاعر احمد شوقى بالكذب فى أشعاره التى مدح فيها كل من عباس وفؤاد وفاروق .

آمن سلامة موسى بأن الأدب يجب أن يسبق الثورة ويهيئ لها بأفكاره وكلماته ويرتفع بها الى الانسانية العامة التى تسمو على القومية الخاصة.

وقد تأثر سلامة موسى بأدباء الثورة الفرنسية والانجليزية والأمركية كفولتير وروسو وملتون وتوماس بين،  ضاربا بهم المثل كعيدان ثقاب للثورة فلقد  أعطوا الثورات لغتها على حد تعبيره ، وقد زاد فى محبته وامتنانه لأدباء الثورة الى حد ان شبههم بانهم الأقرب الى الأنبياء لأن لديهم رسالة يؤدونها للخير العام ، وتلك كانت وجهة نظره فى الأنبياء حيث رأى أن كل نبى يبرز الى التاريخ كثائر على مظالم المجتمع الذى يعيش فيه .

خامسا- الحرية وعلاقتها بالثورات

وصف زكريا ابراهيم الحرية بأنها، مشكلة المشاكل وسر الوجود الإنسانى المتأرجح بين العدم والوجود .

ويمكن القول أن الحرية هى مشكلة المشاكل لدى سلامة موسى أيض حيث ارتبط مفهومها لديه بمفهوم الثورة كعلاقة اساسية فالثورة لديه سببهاوهدفها هو البحث عن الحرية بكل أشكالها، وقد آمن سلامة بأن تحرير الطبقات لفقيرة من الاستغلال الطبقى هو بداية التحرر من عبودية الخرفة والأسطورة ، مؤكدا على مفهوم الحرية كغاية قصوى وهو ما كان يدفعه دوما الى العودة للتاريخ واعادة قراءة قصص الأبطال واستمداد الدعم والقوة ولقدوة منهم .والحرية لدى سلامة موسى تعنى :

– حرية الفكر

يضرب سلامة الأمثال لأبطال اُستشهدوا من أجل الدفاع عن الحق فى الحرية الفكرية ، كما نجده يستشهد بمقولات عديدة للشاعر الانجليزى ملتون وبخاصة مقولته الشهيرة التى يقول فيه “إن مراقبة الطباعة تؤدى الى تثبيط الثقافة ووقف المعارف ، فذلك ليس فقط تعجيز كفاياتنا فى فحص ما نعرفه ، بل هو أيضا إعاقة لإكتشافات جديدة كان يمكن اكتشافها”

 كذلك آمن سلامة بمقولته “اعطنى الحرية فى أن أعرف وأن أقول و أن أناقش كما يملي علىّ ضميرى قبل أن تعطينى أية حرية أخرى “

II. حرية التطور والتغيير :

يرى سلامة أن شهوة التطور فى نفوس البشر أقوى من شهوة الطعام و المال بدليل أن هناك من يقدم للقتل من أجل عقيدة جديدة آمن بها ولم يقرها جمهورها أو حكومة وهناك إناس ضحوا بأنفسهم فى سبيل اكتشاف أو اختراع ، يقول سلامة :” حرية الأكل و الطعام والشراب من الحريات التى قد يُستهان بها ، وهى ليست دون الحريات الأخرى قدرا لأنه تستند فى الواقع الى حرية الفكر “.

آمن سلامة بمقولة فولتير “الحرية هى صحة النفس”، كم آمن بمقولة ملتون “ان الحرية خير المدارس للفضيلة ” ، كما آمن بمقولة توماس بين “غاية الحكومة هى حماية حرية الانسان ”

III.  حرية العقيدة

يرى سلامة ان “العقائد التى تمر بها سلطة خارجية وتطالبنا بممارستها لايمكن أن تكون سوى قواعد جامدة ، وبما أن حياة الانسان دائمة التطور فإن هذه العقائد المفروضة من    سلطة خارجية ستتناقض مع الحياة وتتعارض مع رقى الانسان “.

وقد يكون من المفيد هنا إلقاء الضوء على وجهة نظر سلامة موسى فى الدين:

لم يكن سلامة موسى كارها للدين ، بل كان مؤمنا بالله معتبرا أن الله قوة تشمل الكون هذه القوة يمكن للإنسان الاتصال بها اذا ماجهد الشهوات المرتبطة بالمادة مما يؤدى الى انكشاف الاسرار الكون له  .و لكنه كان “مدافعا عن حرية الشخص فى اختيار دينه ما يراه فى مرآه ذهنه وضميره “،ففى رأيه ان “دعامة الدين يجب ن تكون قوة داخلية نابعة من الذهن نؤمن بها ايماننا بالحقائق العلمية المجربة “

وانتقاده للدين لم يكن مقصورا على الدين الاسلامى وانما انتقد الدين المسيحى وتفاءل  بالاتجاه البروتستنانتى الجديد حينها ، واعتبرها موسى ربحا للحرية الفكرية ،حيث ان انتقاداته كانت متمركز بشكل أكبرعلى الفكر الغيبى والخرافات والأساطيرالتى تشغل أدمغة الناس عن التفكير العقلى اوالعلمى . 

والدين لدى سلامة دينان :

الأول :هو دين رسمى تقليدى ينفذ الى القلب بقوة السيف أو العادة .

الثانى : هو دين ضميرى نابع من القلب وهو الأقرب الى الصوفية .

اللافت أن سلامة موسى رأى فى الأديان ثورات ، وتحليله هذا يعتمد على وحهة نظر واضحة وضوح الشمس وهى أن الثورات قامت من أجل الثورة على أخلاق المجتمع ، كذلك الحال بالنسبة للنبى فإنه عندما يجد من الفساد والظلم ما يثير فى نفسه الغضب لتغيير الأخلاق الى اصلاح وعدل .

ويرى سلامة أن الدولة والدين اذا صارا جسما واحد فإن رجال الدين سوف يضطهدون من يشاؤون ويقيدوا الفكر أى نه يدعو الى لتفريق بينهم لاصلاح المجتمع .

سادسا – قواعد اساسية فى الثورة وسمات عامة

وضع  سلامة موسى بعد قراءاته حول الثورة قاعدتين اساسيتين فى الثورة هما :

الأولى : أن كل ثورة بحاجة الى ظهور طبقة جديدة من الشعب، هذه الطبقة تحتاج الى تغيير الوضع الاقتصادى ليلائم لمصلحة البشرية العامة والمصلحة القومية .

الثانية : كل ثورة بحاجة الى ثقاب كبريت لإشعالها ،هذا الثقاب من وجهة نظره هو الأديب(الكاتب ) الذى يدعو الى الثورة ويهيئ محركاته فينضم الشعب اليه بعد ادراكه لشرف غايتها.فالشعب لدى سلامة موسى الشعب هو صاحب الجلالة .

كما أجمّل سلامة موسى بعض سمات للثورت من وجهة نظره فى الآتى :

– ايجاد حقوق جديدة للشعب .

-إلغاء قيود .

– سيادة الديموقراطية .

– الانحياز للفقراء ووضع حد للثراء الفاحش .وهو ما يؤكد أن الثورة لدى سلامة موسى ذات روح اشتراكية .

خاتمة

كانت هذه إطلالة سريعه ونظرة على كتابات المفكر المصرى سلامة موسى ، تجعل من الضرورى العودة اليها للإستضاءة بأفكاره وإنصافه ، وإعادة طباعة كتابته التى أصبح من غير اليسير الوصول اليها لندرتها، فما أحوجنا إلى إعادة قراءتها مرة أخرى .

انه من اللافت للنظر تأثر سلامة موسى بأفكار الفيلسوفة الألمانية حنه أرندت فى مسألتين أساسيتين هما الأولى :التمييز بين الطبقات الذي يؤدى بالضرورة الى الثورة والثانية :التعصب وتأثيره فى تفعيل الثورة وهو ما يجعلنا نتساءل حول مدى إطلاع سلامة موسى على كتابات حنة أرندت .

ولعل خير ما نختم به هذه الورقة عن سلامة موسى المفكر الذى اضاء شمعة مازالت تنير لنا الطريق حتى اليوم وهو من أوائل من وضع منهجية للبدء فى  النهضة والاصلاح الحقيقى للمجتمع  بدعوته التى سبقت الزمن الى قطيعة معرفية مع الماضى ،ذاكرا أنه “من واجبنا أن نضرب فى عالم فنبتكر ونخترع ونسن السنن ونقود إلى المستقبل ، فبذلك نؤدى لمصر حقها علينا فى أن تقود الذهن العربى وتعمل على رقيه ورفعته “.

————————————-

المراجع الأساسية :

  1. حسين على(2015): فكر سلامة موسى بين السياسة والعلم ،مؤمنون بلاحدود ،23اكتوبر2015.
    www.mominoun.com.
  2. سلامة موسى (2014) :تربية سلامة موسى ،مؤسسة هنداوى للتعليم والثقافة  ،القاهرة .  
  3. مصطفى كيحل (2013): الأنسنة ولتأويل فى فكر محمد أركون ،منشورات الاختلاف ،الجزائر العاصمة.
  4. سلامة موسى (2012): حرية الفكر وأبطالها فى التاريخ ،وزارة الثقافة والفنون والتراث ، قطر ، ص195.
  5. سلامة موسى (2011): كتاب الثورات ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، القاهرة ، ص ص 10:5.
  6. حنة أرندت(2011): رأى فى الثورات، تعريب وتعليق خيرى حماد،دار الكتاب والوثائق القومية ،القاهرة.
  7. كارين برنتون (2010): دراسة تحليلية للثورات،ترجمة عبد العزيز فهمى،الهيئة العامة لقصور الثقافة ،القاهرة .
  8. كمال عبد اللطيف (2009): سلامة موسى وشكالية النهضة ،مكتبة الأسرة ،القاهرة.
  9. رءوف سلامة موسى (1992): سلامة موسى أبى ،دار ومطابع المستقبل ،الاسكندرية.
  10. سلامة موسى(1974): مختارات سلامة موسى،الطبعة الثالثة،مكتبة المعارف ،بيروت.
  11. زكريا ابراهيم (1972): مشكلة الحرية،مكتبة مصر ،القاهرة .
  12. رمضان الصباغ :عن الثورة بين كانط وماركس،الحوار المتمدن -العدد5496بتاريخ19\4\2017.
  13. ايمانويل كانط حياته وفلسفته،12فبراير2017، www.russia-now.com

*كاتبه من مصر

**ورقة بحثية  مقدمة الى المؤتمر السنوى لكرسي اليونسكو ؛كلية الآداب ؛جامعة الزقازيق /14نوفمبر 2017

شاهد أيضاً

محمد شوقي الزين*/”الطبيعة تمقت الفراغ” (أرسطو).

تفتقر الجزائر إلى ثقافة الحوار والنقاش. قانون الصمت أو “أومارتا” (Omerta) هو الثقافة السائدة، ولم ...